Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
منشورات وإصداراتمقالات

الحرب على إيران ….من منظور الاقتصاد العالمي

كتب الدكتور طارق عاشور

مع قصف الطائرات الأمريكية والإسرائيلية ايران واغتيالها المرشد والصف الاول في القيادة الايرانية، لم تكن تلك مجرد حلقة جديدة في مسلسل الصراع الإقليمي الممتد، بل هي لحظة فارقة يمكن ان تعيد تشكيل الخريطة الاقتصادية للعالم . ما يجري اليوم في الخليج يتجاوز كونه أزمة سياسية عابرة، بل زلزال يضرب أسس الاقتصاد العالمي الذي لا يزال يتعافى من تداعيات جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية.
إن المخاطر الحقيقية لا تكمن فقط في ارتفاع أسعار النفط، بل في سلسلة معقدة من التفاعلات المتسلسلة التي تبدأ من مضيق هرمز ولا تنتهي عند أسعار الخبز في القاهرة أو الكهرباء في أوروبا.

وكلنا يعرف ان مضيق هرمز يشكل أحد أهم الممرات المائية في العالم، إذ يمر عبره نحو خمس الإنتاج العالمي من النفط الخام، أي ما يعادل 20 مليون برميل يوميا، بالإضافة إلى أكثر من خمس تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية .
ومما يزيد الوضع خطورة أن هذا الممر ليس مهم لإيران وحدها، بل هو الشريان الوحيد لتصدير النفط والغاز من دول الخليج .وقد أعلنت إيران بالفعل منع أي سفن من العبور عبر المضيق، مما أدى إلى توقف شبه كامل لحركة الناقلات، حيث انخفض عدد السفن العابرة من 65 ناقلة يوم الجمعة إلى 6 فقط اليوم الاحد . هذا يعني أن التوقف لم يعد يقتصر على النفط الإيراني الذي يبلغ 3.3 مليون برميل يومياً، بل يشمل صادرات معظم دول الخليج .

السؤال: هل يمكن تعويض هذا النقص؟ الإجابة المباشرة هي لا. …..صحيح أن السعودية تملك خط أنابيب يربط حقولها بميناء على البحر الأحمر بطاقة 5 ملايين برميل يومياً، كما تملك الإمارات خطاً مشابهاً بطاقة 1.5 مليون برميل يومياً، لكن هذه الخطوط لا تعمل بطاقتها القصوى ، والأهم أنها لا تستطيع تعويض الفجوة الهائلة البالغة 20 مليون برميل . أما الدول الأخرى كالكويت وقطر والبحرين فلا تملك أي بديل على الإطلاق، مما يعني أن إغلاق المضيق يعادل تجميد ما يقرب من ثلث إمدادات النفط المنقولة بحرا في العالم . وقد حذر خبراء من أن حتى قدرة أوبك+ على زيادة الإنتاج لن تجدي نفعا في مواجهة صدمة بهذا الحجم .

الانعكاس المباشر على أسواق النفط بدأ يظهر حتى قبل اكتمال الصورة. كانت أسعار خام برنت تتداول حول 73 دولاراً قبل التصعيد، لكن التوقعات تشير إلى قفزات سعرية هائلة مربوطة بمدة واستمرارية الإغلاق.
في السيناريو الأقل تشاؤم، إذا تدخل الوسطاء بسرعة وتم تعليق الضربات، قد يصل السعر إلى 120 دولار قبل أن يتراجع . أما إذا استمر الصراع وتعذرت حركة الناقلات، فإن الأسواق ستواجه صدمة حقيقية قد تدفع برنت إلى 150 دولار للبرميل، وفي حال توسعت الحرب لتشمل تغيير النظام في إيران أو تدمير بنى تحتية أساسية، فإن أسعار النفط قد تكسر حاجز 150 دولاراً بل وتقترب من 200 دولار، معيدة إلى الأذهان صدمات السبعينيات .

لكن تأثير هذه الأزمة لا يقف عند حدود النفط، بل يمتد كالنار إلى باقي السلع الأساسية. فإيران ليست فقط مصدراً للنفط، بل هي منتج رئيسي للميثانول الذي يشكل نحو 10% من الإنتاج العالمي، وصادراتها من اليوريا والأسمدة تشكل نسبة تتراوح بين 25% و35% من التجارة العالمية . توقف هذه الصادرات بسبب الحرب أو تعطل الشحن يعني ارتفاع حاد في تكاليف الأسمدة، مما سيؤثر مباشرة على تكاليف الإنتاج الزراعي عالميا.
هنا تبدأ حلقة مفرغة: ارتفاع أسعار الطاقة يرفع تكاليف الري والحصاد والنقل، وارتفاع أسعار الأسمدة يخفض الإنتاجية الزراعية، والنتيجة النهائية هي ارتفاع أسعار الغذاء، خاصة القمح والذرة وفول الصويا التي تعتمد بشكل كبير على الأسمدة . التاريخ يؤكد أنه بعد كل ارتفاع حاد في أسعار النفط، كانت الحبوب والزيوت النباتية من بين أكثر السلع ارتفاعا.

ما يزيد الامر تعقيد، أن منطقة الخليج نفسها تعتمد بشكل كبير على استيراد الغذاء. فمعظم دول الخليج تعاني من شح المياه وندرة الأراضي الزراعية، مما يجعلها تستورد أكثر من 80% من احتياجاتها الغذائية عبر البحر. إغلاق مضيق هرمز لا يعني فقط منع تصدير النفط، بل يعني كذلك منع استيراد الغذاء والدواء والسلع الأساسية الأخرى . هذا الوضع قد يخلق مفارقة محزنة: دول تطفو على بحر من النفط قد تواجه مجاعة حقيقية إذا طال أمد الحرب. وسيكون لارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، التي قفزت بالفعل بنسب تتراوح بين 300% و400%، تأثير مضاعف على أسعار السلع المستوردة .

على الجانب الآخر من العالم، تلوح في الأفق مخاطر تضخمية هائلة. تشير بعض الدراسات إلى أن كل ارتفاع في سعر النفط بمقدار 10 دولارات للبرميل يرفع متوسط التضخم العالمي بنسبة تتراوح بين 0.5% و0.7% . إذا استمرت أسعار النفط فوق 100 دولار لفترة طويلة، فإن التضخم العالمي سيتحول من ظاهرة مؤقتة إلى بنيوية، مما سيعطل خطط البنوك المركزية الكبرى.
وفيما كانت الأسواق تترقب بدء مجلس الاحتياطي الفيدرالي والبنك المركزي الأوروبي في خفض أسعار الفائدة خلال العام الجاري، لكن هذه الحرب ستضع تلك الخطط على المحك. التضخم المرتفع سيجبر البنوك المركزية إما على تأجيل خفض الفائدة أو حتى العودة لرفعها مجددا، وهذا السيناريو سيكون قاتلاً للنمو الاقتصادي الهش أصلا.

الولايات المتحدة، رغم كونها أكبر منتج للنفط في العالم، لن تكون بمنأى عن هذه التداعيات. فرغم أن الزيادة في أسعار النفط لن تظهر على الفور في محطات الوقود، إلا أنها ستظهر خلال أسابيع. وكل زيادة قدرها 10 دولارات في سعر البرميل تعني ارتفاعاً بمقدار 20 إلى 30 سنتاً في غالون البنزين . الرئيس الأمريكي الذي يواجه تراجع حاد في شعببيته بسبب المخاوف الاقتصادية، سيجد نفسه في موقف صعب: ارتفاع أسعار الوقود سيغضب الناخبين، لكن التحرك لخفض الأسعار قد يتطلب تراجع سياسي عن أهداف الحرب. والأسوأ أن الحرب تأتي في وقت أظهرت فيه بيانات التضخم الأمريكية الأخيرة ارتفاع غير متوقع، مما يعني أن الصدمة العكسية للتضخم قد تعيد الولايات المتحدة إلى دوامة ارتفاع الأسعار التي ظنت أنها تركتها خلفها .

الأسواق المالية العالمية كانت الأسرع في الاستجابة، حيث يتوقع خبراء أن تشهد جلسات التداول الأولى بعد الهجمات موجة هائلة من الهروب إلى الملاذات الآمنة. الذهب سيكون المستفيد الأكبر، إذ يجمع بين صفة الملاذ الآمن في أوقات عدم اليقين وصفة التحوط ضد التضخم، مما قد يدفعه إلى مستويات تاريخية غير مسبوقة وقد يقفز مبتعدا عن مستوى ٥٥٠٠ دولار الذي،سجله في بداية الهجمات على ايران. الفضة بدورها ستشهد تقلبات حادة، فهي من جهة ستتبع الذهب صعوداً، لكن من جهة أخرى تعتمد بنسبة 50% على الاستخدامات الصناعية، وأي تباطؤ اقتصادي عالمي سيؤثر بشكل سلبي على طلب المصانع . العملات المشفرة التي شهدت بداية متقلبة للعام قد تواجه موجة بيع حادة مع هروب المستثمرين من المخاطرة.

الدولار الأمريكي سيشهد وضع معقد، ففي المدى القصير سيجذب تدفقات رأس المال الهاربة من المخاطر، مما يرفع قيمته مؤقتاً . لكن مع ارتفاع التضخم وزيادة الضغوط على ميزانية الحكومة الأمريكية، قد يتحول الوضع في المدى المتوسط إلى إضعاف الدولار. أما العملات الأخرى فستتأثر بدرجة اعتماد اقتصاداتها على الطاقة. اليورو والجنيه الإسترليني سيكونان الأكثر تضرر بسبب اعتماد أوروبا الكبير على واردات الطاقة من المنطقة . الين الياباني والفرنك السويسري يتوقع ان يرتفعا كملاذين آمنين تقليديين. والعملات الآسيوية الناشئة، خاصة في الهند وتركيا ودول جنوب شرق آسيا، ستتعرض لضغوط هائلة بسبب ارتفاع فاتورة استيراد الطاقة وتوسع العجز التجاري وخروج رؤوس الأموال .

في خضم هذا المشهد القاتم، قد يكون للصين وضع خاص. فالصين تستورد حوالي 70% من نفطها من منطقة الخليج، وهي بالتالي ستتأثر بشدة بارتفاع الأسعار وتعطل الإمدادات . لكن الصين تمتلك مخزون استراتيجي كبير، كما أن اقتصادها الضخم يوفر بعض المرونة. الأهم أن الصين ستكون لاعب رئيسي في أي جهود دبلوماسية لإنهاء الأزمة، خاصة أنها المستورد الأول للنفط الإيراني الذي يذهب حوالي 90% منه إلى المصافي الصينية الخاصة بخصومات كبيرة . إذا طال أمد الحرب، فقد تضطر الصين للضغط باتجاه وقف إطلاق النار لحماية إمداداتها.

يبقى السؤال الأصعب: كم سيطول أمد هذه الحرب؟ التاريخ يعطينا إشارات متناقضة. ففي حرب الخليج الأولى في الثمانينيات، استمر الصراع سنوات لكنه لم يغلق المضيق بالكامل. وفي هجمات 2019 على منشآت أرامكو، استمر توقف الإنتاج أسابيع فقط. لكن هذه المرة مختلفة، فاستهداف إيران نفسها وليس فقط مصالحها، وردها الفوري بإغلاق المضيق، يخلق معادلة جديدة. هناك من يعتقد أن إيران لا تستطيع إغلاق المضيق لفترة طويلة بسبب التفوق البحري والجوي الأمريكي، وأن السيناريو الأرجح هو إغلاق رمادي يتمثل في مضايقة السفن واحتجاز بعضها وزرع الألغام، مما سيعطل الحركة لكن ليس بشكل كامل . لكن حتى هذا السيناريو كاف لإبقاء أسواق الطاقة في حالة ذعر دائم، وكرسالة عدم يقين دائمة تطيل أمد التقلبات.

أمام هذه المعطيات، يبدو الاقتصاد العالمي أمام منعطف تاريخي خطير. فالسيناريو الأسوأ المتمثل في حرب طويلة تغلق مضيق هرمز، يعني عمليا العودة إلى عصر الركود التضخمي الذي شهده العالم في السبعينيات من القرن الماضي، حيث يجتمع ارتفاع الأسعار مع انخفاض النمو والبطالة المرتفعة. هذا المزيج السام كان ولا يزال كابوس خبراء الاقتصاد، لأنه يجعل السياسات النقدية والمالية عاجزة عن التدخل الفعال. رفع الفائدة لمكافحة التضخم يقتل النمو، وخفضها لإنعاش الاقتصاد يغذي التضخم. الأسواق ستظل في حالة من عدم اليقين الشديد، والاستثمارات الجديدة ستؤجل، والبطالة سترتفع، والفقراء سيكونون الأكثر تضرر كما هي الحال دائماً.
كل هذا نتيجة قرارات سياسية تتخذها قلة من الناس او جماعات الضغط في غرف مغلقة، لكن تأثيراتها تمتد إلى ملايين البشر في هذا العالم المترابط.

 

دكتور طارق عاشور

أستاذ زائر للاقتصاد في جامعة بيرزيت، وباحث اقتصادي في معهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي. متخصص في سياسات المالية العامة والاقتصاد الكلي، وله أبحاث منشورة تركز على تحليل التحديات الهيكلية للاقتصاد الفلسطيني، بما في ذلك السياسات المالية، وأسواق العمل، وأثر الاحتلال على الأداء الاقتصادي والتنمية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى