Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
منشورات وإصداراتمقالات

فلسطين والتحولات السياسية ، قراءة في العدد التاسع من مجلة “أمننا القومي” .

* د. مروان إميل طوباسي .

في لحظة تاريخية تتكثف فيها التحولات الجيوسياسية الإقليمية والدولية ، ويشتد فيها الاستهداف الممنهج للوجود الفلسطيني أرضا وشعبا وقراراً ، يأتي العدد التاسع (كانون ثاني 2026) من مجلة “أمننا القومي” الصادرة عن معهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي تحت عنوان “فلسطين والتحولات السياسية”، ليشكل محاولة جادة لإعادة تعريف مفهوم الأمن القومي الفلسطيني خارج القوالب التقليدية ، وضمن مقاربة شاملة تتقاطع فيها السياسة بالقانون ، والميدان بالفكر الاستراتيجي .
لا يكتفي العدد بتوصيف الحالة الفلسطينية في ظل حرب الإبادة الجارية ، وتصاعد سياسات الضم والاستيطان ، بل يسعى إلى تفكيك البنية العميقة للأزمة ، وطرح أسئلة تتصل بجوهر المشروع الوطني التحرري : كيف يمكن إعادة بناء مفهوم الأمن القومي الفلسطيني في ظل أختلال موازين القوى؟ وهل ما زال بالإمكان إنتاج استراتيجية وطنية جامعة قادرة على الانتقال من إدارة الأزمة إلى صياغة مشروع تحرري متكامل؟

في أفتتاحية العدد ، يؤكد الصديق اللواء حابس الشروف أن الأمن القومي الفلسطيني لم يعد مفهوما عسكريا ضيقا ، بل بات يتصل بأمن الأرض والهوية والقرار الوطني المستقل . وهذه المقاربة تضعنا أمام تحول نوعي في التفكير الإستراتيجي ، حيث يصبح الأمن فعلاً مركبا يتجاوز البعد الأمني/ العسكري إلى أبعاد الحوكمة وإعادة الإعمار والصمود المجتمعي .

الدراسة الأولى حول “استراتيجية المقاومة الشعبية لتحقيق الأمن القومي الفلسطيني” ، تقدم إطارا نظريا وعمليا للمقاومة السلمية بوصفها خيارا استراتيجيا طويل النفس . وهي لا تطرح المقاومة الشعبية كتكتيك ظرفي ، بل كمنظومة شاملة تغطي المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية . أهمية هذه الدراسة تكمن في محاولتها الربط بين المقاومة الشعبية وتعزيز الموقف التفاوضي ، غير القائم ، بما يعيد الاعتبار لفكرة أن الأمن القومي لا يتحقق فقط عبر مراكمة القوة الصلبة، بل أيضا عبر تعظيم عناصر القوة الناعمة وحشد الرأي العام الدولي .

أما الدراسة المتعلقة بالإجراءات العسكرية الإسرائيلية في مناطق (ج) والأغوار ، فتقدم توثيقا وتحليلاً لسياسات التهجير القسري وإعادة هندسة الجغرافيا والديمغرافيا . هنا يتضح أن الأمن القومي الفلسطيني يتعرض لاستهداف بنيوي ، لا يقتصر على قطاع غزة أو لحظة حرب بعينها ، بل يمتد إلى مشروع استعماري إحلالي طويل المدى على كل أرض فلسطين . هذه القراءة تعيد التأكيد أن معركة الأمن القومي تبدأ من حماية الأرض ومنع تفريغها ، وأن الصراع لم يعد فقط على السيادة ، بل على الوجود ذاته .

وفي دراسة “من الأحتلال إلى الدولة: استراتيجية البقاء وإعادة الإعمار والحوكمة”، يبرز سؤال الانتقال من واقع الأحتلال إلى أفق الدولة . اللافت هنا أن الأمن القومي يُقارب من زاوية بناء المؤسسات والحوكمة الرشيدة ، باعتبارهما شرطين لازمَين لترسيخ الدولة القادمة . هذا الطرح يعيد النقاش إلى الداخل الفلسطيني ، هل نمتلك البنية المؤسسية القادرة على إدارة مرحلة ما بعد الحرب؟ وهل تتوفر لدينا رؤية موحدة لمرحلة الانتقال؟

كما يتناول العدد بجرأة التحولات في دور المجتمع الدولي ، عبر دراسة نقدية تشير إلى انتقاله من ازدواجية المعايير إلى هيمنة المعايير الأمريكية–الإسرائيلية على منظومة العدالة الدولية . هذه الخلاصة ، وإن كانت صادمة للفهم التقليدي الواقع الدولي ، إلا أنها تعكس واقعا سياسيا تعيشه القضية الفلسطينية ، حيث باتت قرارات الشرعية الدولية رهينة موازين القوى لا مبادئ القانون الدولي في زمن تمارس فيه الولايات المتحدة هيمنتها .

وفي السياق ذاته ، تأتي قراءة قرار مجلس الأمن 2803 بشأن غزة لتكشف الفجوة بين النص القانوني وإمكانات التنفيذ ، وتطرح سؤالا مشروعا حول حدود الرهان على المنظومة الدولية . الا انه وباعتقادي كان على الباحث ان بربط ذلك بما سمي بمجلس السلام برئاسة ترامب وتداعياته من حيث اعادة تدوير الأحتلال والمصالح الأمريكية بالمنطقة .

ومن بين الدراسات اللافتة بهذا العدد أيضًا تلك التي تعالج الاعتراف الأمريكي بالدولة الفلسطينية بين المكاسب الإستراتيجية وحدود المصلحة الأمريكية . هذا الطرح يضعنا أمام ضرورة قراءة أي تحول دولي بعين نقدية ، بعيدا عن الإفراط في التفاؤل أو الارتهان السياسي . فالاعتراف إن حصل ، وهو لن يحصل باعتقادي وفق مبدأ حق تقرير المصير لشعبنا ، لا يكتسب قيمته إلا بمدى انعكاسه على السيادة الفعلية لا الرمزية ، وهذا امر يتناقض مع تماهي العقليتين الإستعمارية الأمريكية والاسرائيلية .

أما الدراسة المتعلقة بصورة اليهود بين التضليل السياسي والإعلامي والواقع الاستراتيجي ، فتخوض في تفكيك السرديات التي توظف إعلاميا لتبرير السياسات الإسرائيلية ، وتبين أثر ذلك في صياغة الوعي الأمني الفلسطيني . هنا يتجلى بُعد مهم مفاده ، أن معركة الأمن القومي هي أيضًا معركة وعي ، وأن تحرير الخطاب شرط لتحرير القرار . وهذا ما أتفق معه في شأن مخاطر ما أسميه محاولة الأحتلال “ضم الوعي” الى جانب الضم الإستعماري للأرض .

ما يميز هذا العدد برأيي ، أنه لا يقدم وصفا أكاديمياً جامداً ، بل ينخرط في سؤال اللحظة الفلسطينية الراهنة المتحركة . وهو بأعتقادي في ذلك يلتقي بنجاح مع الحاجة الوطنية لإنتاج رؤية استراتيجية شاملة ترتبط ببرنامج وأدوات متجددة ، تتكامل فيها المقاومة الشعبية وإعادة بناء الوحدة الوطنية في اطار منظمة التحرير التي تحتاج الى الانتقال من حالة الجمود الى الحركة كجبهة وطنية عريضة للتحرر الوطني وكممثل شرعي وحيد من جهة ، وإلى وتعزيز الموقف السياسي بارادة مستقلة واضحة لا تعبر عن حالة ردود الأفعال وإلى بناء الأقتصاد المقاوم ، وإصلاح بنية ونظام الحكم وتعزيز مبدأ “أن الشعب هو مصدر السلطات” من خلال تكريس الانتخابات الديمقراطية العامة بشكل دوري وفق القانون ، ضمن إطار تحرري واضح .

إن قراءة هذا العدد تضعنا أمام استحقاق وطني يتمثل في الانتقال من رد الفعل إلى الفعل ، ومن إدارة الانقسام إلى بناء الشراكة ، ومن التعاطي المجزأ مع التحديات إلى صياغة استراتيجية قومية متكاملة . فالأمن القومي الفلسطيني باعتقادي وكما تعكسه أوراق هذا العدد ، ليس شعارا نظريا ، بل هو مشروع تحرري يتطلب تعبئة شاملة للموارد السياسية والاقتصادية والاجتماعية .

ففي ظل التحولات العاصفة التي يشهدها النظام الدولي ، وتزايد مخاطر التهجير والتصفية ، يصبح التفكير الاستراتيجي ضرورة غير مؤجلة . ومن هنا تأتي أهمية هذا الجهد الأكاديمي المتمثل في هذا العدد وإلى جهود أسرة المعهد والباحثين ، الذي يسعى إلى ربط المعرفة بالفعل والنظرية بالممارسة ، في معركة وجود لا تقبل أنصاف الحلول .

لقد نجح العدد التاسع من “أمننا القومي” في تقديم مادة علمية رصينة تسهم في إثراء النقاش حول مستقبل المشروع الوطني التحرري . ويبقى التحدي الأكبر هو كيف نُحول هذه الرؤى إلى سياسات قابلة للتنفيذ ، تعيد تعريف الأمن القومي بوصفه أمن الحرية والسيادة والكرامة الوطنية .

* محافظ سابق وسفير متقاعد ،
عضو المجلس الأستشاري لحركة “فتح” .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى