لماذا لا يخشى السوق حرباً مع إيران؟

في خضم الحرب الامريكية الاسرائيلية على ايران، يبرز تقرير بنك جي بي مورغان كإشارة استرشادية بالغة الدلالة للمستثمرين والمحللين، حيث يذهب إلى أن أي المواجهة العسكرية مع إيران ستكون محدودة الأمد ولن تحمل ذات البعد التضخمي الذي أعقب صدمة اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022.
هذه النقطة تحديدا تستحق وقفة طويلة، ليس فقط لكونها تحمل قراءة مغايرة للطرح السائد بين المحللين، بل لأنها تفتح الباب أمام نقاش أعمق حول العلاقة الجدلية بين الحروب والتضخم.
هل الحرب بحد ذاتها هي المحرك الرئيسي للتضخم الممتد، أم أن السياسة النقدية هي العامل الأكثر حسما في تشكيل مسار الأسعار على المدى الطويل؟
دائما شكلت الحروب صدمات عرض حادة، تتمثل في نقص إمدادات الطاقة، واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين. وهذه العوامل مجتمعة تؤدي إلى قفزة لحظية في الأسعار. غير أن المهم هو ما يحدث بعد تلك القفزة الأولى. فعندما ترتفع الأسعار بشكل مفاجئ، يبدأ الطلب الفعلي في التراجع تلقائيا، وينكمش الاستهلاك، وتبدأ الأسواق في إعادة ترتيب أوراقها عبر آليات التكيف الذاتي، لتدخل بعدها الأسعار مرحلة تصحيح تدريجي تعيدها إلى مستويات توازنها النسبي.
تاريخ الاقتصاد يخبر أن صدمات العرض وحدها نادرا ما تخلق موجات تضخمية طويلة الأمد، إلا إذا وجدت بيئة نقدية داعمة تدعمها سيولة مفرطة.
على سبيل المثال عامي 2020 -2021، حيث تم ضخ ما يقارب خمسة تريليون دولار من السيولة في الاقتصاد الأمريكي على خلفية جائحة كورونا. كانت النتيجة تضخم استهلاكي وصل في بعض الفترات إلى مستويات قياسية تجاوزت 10%. ثم جاءت مباشرة الحرب الروسية الأوكرانية لتلعب دور المسرع، لكنها لم تكن السبب الجذري لهذا الموجة التضخمية. لهذا يمكن القول ببساطة أن السيولة الزائدة هي الوقود، اما الصدمة الجيوسياسية فما هي إلا الشرارة التي تشعل الحرائق مؤقتا، لكن استمرار الحريق يتوقف على كمية الوقود المتاحة.
اليوم، تعكس تحركات الأسواق العالمية هذا الفهم المتقدم لطبيعة العلاقة بين السياسة النقدية والأحداث الجيوسياسية. فالمؤشرات الأمريكية والأوروبية تحافظ على تداولاتها في المنطقة الخضراء لغاية الان، رغم انه عند افتتاح الاسواق اليوم بدات تكتسي باللون الاحمر، وأسعار الطاقة لم تشهد انفجار غير مسيطر عليه (وهامش ٤٠% الذي قفز به المؤشر امس لا زال ضمن المتوقع) رغم تصاعد الخطاب العسكري. الأهم من ذلك هو ما تخبرنا به العقود المستقبلية للسلع الأساسية، حيث تشير التسعيرات الضمنية إلى أن المستثمرين الكبار يتوقعون احتواء التصعيد العسكري بسرعة، وأن أي ارتفاع في الأسعار سيكون مؤقتا وقابل للتراجع.
اما التحركات الدبلوماسية المكثفة التي تقودها بعض الدول، إضافة إلى انخراط الصين في قنوات اتصال متعددة، تعزز هذا السيناريو. فالصين، على وجه الخصوص، تدرك أن تدفق الطاقة عبر مضيق هرمز يمثل شريان حيوي لاقتصادات آسيا بأكملها، ولن تسمح بتعريضه لخطر ممتد.
هذه العوامل مجتمعة تجعل سيناريو النزاع المحدود زمنيا هو الأكثر ترجيحا في أذهان المؤسسات المالية الكبرى، التي تنظر إلى أي تراجع سريع في الأسواق كفرصة شراء وليس بداية انهيار ممتد.
وهنا بالذات تظهر نقطة التوازن الدقيقة: إذا ظل النزاع محصور في نطاق زمني وجغرافي ضيق، دون أن يمتد ليعطل إمدادات الطاقة بشكل كبير، فسيكون الأثر التضخمي محدود ومؤقت. أما إذا حدث توسع إقليمي غير متوقع، وترافق ذلك مع عودة لسياسات التيسير النقدي وضخ السيولة من قبل البنوك المركزية، فسيكون الاقتصاد العالمي أمام سيناريو مختلف يتحول فيه الارتفاع المؤقت في الأسعار إلى دورة تضخمية أطول وأكثر تعقيدا.
وخلاصة القول أن الحرب قد ترفع الأسعار على المدى القصير عبر صدمة العرض، لكن السياسة النقدية هي التي تحدد مصير هذه الزيادة واستمراريتها. وما نشهده اليوم من هدوء نسبي في الأسواق المالية، في ظل عناوين إخبارية صاخبة، هو أبلغ دليل على أن المستثمرين يضعون ثقتهم في قدرة الأنظمة النقدية على ضبط النفس، وفي أن الصدمة الجيوسياسية الحالية لن تجد الوقود الكافي لتحولها إلى موجة تضخم عاتية.



