Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
منشورات وإصداراتمقالات

انتفاضة العقل… فلسطين التي تبدأ من كل مكان

بقلم: م. معتصم حميدة

ماذا لو لم تكن الانتفاضة الفلسطينية القادمة مكانا، بل طريقة تفكير؟

وماذا لو لم تبدأ من حاجز أو شارع، بل من أرض يتمسك بها فلاح، أو من بيت مهدد في القدس؟

وماذا لو انطلقت من جامعة في نيويورك، أو محكمة في أوروبا، أو منصة رقمية يصل صوتها إلى ملايين الناس؟

ربما نحتاج، نحن الفلسطينيين، إلى انتفاضة جديدة… والمقصود هنا ليس انتفاضة ثالثة تشبه الأولى أو الثانية وتكررهما، ولا جولة جديدة من المواجهة يكون الفلسطيني، مرة أخرى، هو من يدفع ثمنها الأكبر.

تُستخدم كلمة «الانتفاضة» هنا بمعناها البسيط: أن ننهض من حالة الانتظار والعجز، وأن نعيد النظر في الطريقة التي نستخدم بها كل ما نملكه من قوة.

هذا هو المقصود بانتفاضة العقل: فعل مدني سلمي لا يقاس بما يحدثه من ضجيج، بقدر ما سيتركه من أثر.

فالاحتلال لا يعتمد على القوة العسكرية وحدها. هناك سياسة واقتصاد وإعلام ومصالح وعلاقات دولية تساعد على استمرار الواقع، فيما يعرف العالم الكثير مما يحدث في فلسطين، من دون أن تتحول هذه المعرفة دائما إلى موقف أو فعل.

العالم يعلم… فماذا بعد؟

في رأيها الاستشاري الصادر في 19 تموز 2024، خلصت محكمة العدل الدولية إلى أن استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة غير قانوني، وأكدت حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير. كما تناولت التزامات الدول بعدم الاعتراف بشرعية الوضع الناشئ عن هذا الوجود غير القانوني، وعدم تقديم العون أو المساعدة في استمراره، والتمييز في تعاملاتها بين إسرائيل والأرض الفلسطينية المحتلة.

إذن، لم يعد السؤال فقط: كيف نثبت أن لنا حقا؟

بل:

كيف تتحول معرفة العالم بهذا الحق إلى مسؤولية، ثم إلى موقف، ثم إلى أثر؟

قوة موجودة… لكنها مبعثرة

تحدثنا كثيرا عن تدويل القضية الفلسطينية، وربما حان الوقت للحديث أيضا عن تدويل القدرة الفلسطينية.

لدينا فلسطيني على أرضه وآخر في الشتات، ولدينا خبرات في الجامعات والقانون والاقتصاد والثقافة والإعلام، ولدينا جاليات وأصدقاء لفلسطين في مجتمعات مختلفة.

هذه كلها مصادر قوة، لكنها كثيرا ما تعمل منفردة.

من هنا تُطرح فكرة «القدرة الوطنية الموزعة»: ألا نجعل الجميع يفعلون الشيء نفسه، بل أن نعرف كيف نربط قدراتهم باتجاه وطني واضح.

ولا يقوم هذا الطرح على ادعاء أن الأدوات جديدة؛ إنما يبحث في العلاقة بينها.

كيف تصل الحادثة إلى الباحث؟ وكيف يصل البحث إلى الإعلام؟ وكيف تصل المعلومة إلى المحامي؟ وكيف تتحول علاقة في الخارج إلى فرصة في الداخل؟

المسار يمكن أن يكون:

فرد ← شبكة ← مؤسسة ← أثر ← تراكم.

وهذا لا يلغي المؤسسة الرسمية. بالعكس تماما، تستطيع منظمة التحرير ومؤسسات دولة فلسطين وسفاراتها أن توفر المعلومة، وتفتح العلاقات، وتحدد الأولويات، وتربط الطاقات، من دون احتكار كل مبادرة.

مليون باب… ولكن ليس في الوقت نفسه.

السياسة لا تصنع في مكاتب الرؤساء وحدها. فالجامعات والنقابات والإعلام ومراكز الأبحاث والاقتصاد والثقافة والرأي العام، كلها تشارك بدرجات مختلفة في تشكيل البيئة التي يتحرك فيها القرار.

وهذا هو المقصود بـ**«دبلوماسية المليون باب»**.

لكن مليون باب لا يعني أن نطرقها كلها معا. فالعقل الذي يعرف كيف يوزع القوة ينبغي أن يعرف أين يركزها وكيف يوجهها.

الشيخ جرّاح عام 2021 يقدم مثالا مهما، عندما واجهت عائلات فلسطينية خطر فقدان منازلها في القدس الشرقية، لكن القضية لم تبق محصورة في الحي. فقد ساهم التوثيق والمنصات الرقمية في نقلها إلى الإعلام والمؤسسات الحقوقية والرأي العام خارج فلسطين.

لم تحل مواقع التواصل القضية، ولم تغير وحدها السياسة الدولية، لكنها أظهرت أن القصة المحلية تستطيع عبور حدود المكان إذا عرفت طريقها إلى الناس والمؤسسات.

المطلوب ألا يحدث ذلك بالمصادفة كلما وقعت أزمة، بل أن يصبح عملا يوميا تتراكم آثاره.

وهناك مثال آخر، لكن من زاوية مختلفة، هو مشاركة الدكتور محمد اشتية في مناظرة اتحاد أكسفورد يوم 13 تشرين الثاني 2025، إلى جانب متحدثين طرحوا مواقف متعارضة. هنا لم تكن المسألة نقل حادثة من فلسطين إلى الخارج، بل حضور متحدث فلسطيني في المنصة نفسها لعرض حجته ومناقشتها.

المثال هنا عن الوصول إلى ساحة النقاش، لا عن نسبة تغيير سياسي إلى خطاب واحد. وهذا أحد المعاني العملية لدبلوماسية المليون باب: أن نعرف أين نتحدث، وكيف نحول المشاركة من مناسبة تنتهي بانتهاء الكلمة إلى علاقة يمكن أن تستمر.

عندما لا يكفي أن نحزن.

وهذا ليس مجرد كلام يُقرأ في شريط إخباري أو صحيفة أو كتاب.

فمن دخل الاستشهاد إلى بيت عائلته يعرف تمام المعرفة ماذا يبقى بعد الشهيد من أهل وأسئلة، وماذا يعني أن يصبح الجثمان نفسه جزءا من الألم عندما يُحرم أهله من حقهم في وداعه ودفنه.

لكن الألم، مهما كان شخصيا، لا يجوز أن يبقى محاصرا داخل عائلة أو قرية.

ولنا في المغير والعديد من القرى والمحافظات مثال؛ فقد وثقت الأمم المتحدة خلال عام 2026 تصاعدا كبيرا في اعتداءات المستوطنين، وما رافقها من قتل وإصابات وأضرار بالأرض والممتلكات وقيود على الحركة.

ولدينا الأسرى وعائلات الشهداء والجثامين المحتجزة. وقد أثارت هيئات أممية مسألة احتجاز جثامين فلسطينيين وحرمان عائلاتهم من دفنهم، وطالبت بإعادتها.

الفلسطيني يعلم هذه القصص، ربما أكثر مما يحتمل. لكن كيف نجعل إنسانا يعيش على بعد آلاف الكيلومترات يفهم معناها؟

ليس بالرقم وحده.

نحتاج إلى الشهادة والوثيقة والصورة والقانون والقصة الإنسانية، ثم إلى من يحملها إلى الصحفي والجامعة والمحامي والمؤسسة الحقوقية.

عندها لن يبقى الشهيد رقما، ولا الأسير اسما في قائمة، ولا القرية نقطة صغيرة على الخريطة.

الداخل يحمل الحقيقة وثمنها، والخارج يساعدها حتى لا تبقى محاصرة في المكان الذي حدثت فيه.

ساحات أخرى للقوة.

الاقتصاد واحد منها.
فالفلاح الذي يبقى في أرضه، ورجل الأعمال الذي يبني مشروعا، والمهني الذي يخلق فرصة عمل، والمغترب الذي يفتح بابا للاستثمار؛ جميعهم يبنون قدرة المجتمع على الصمود.

وفي المقابل، تصل منتجات مرتبطة بالمستوطنات إلى أسواق العالم. لماذا لا يعرف المستهلك مصدر ما يشتري، ثم يقرر بنفسه، بما في ذلك المقاطعة المدنية الطوعية حيث يسمح القانون؟

محكمة العدل الدولية لم تأمر المستهلكين بالمقاطعة، لكنها تناولت التزامات الدول المتعلقة بعدم الاعتراف وعدم المساعدة والتمييز في التعاملات بين إسرائيل والأرض الفلسطينية المحتلة.

وهناك أيضا المال العام في الدول التي تقدم مساعدات أو تعاونا عسكريا لإسرائيل. ولا حاجة إلى المبالغة والقول لكل أميركي أو أوروبي إن كل قطعة سلاح دفع ثمنها مباشرة من جيبه. لكن من حقه أن يسأل حكومته: كيف تستخدم المال العام والنفوذ السياسي والعسكري؟ وما الذي ينتج عن ذلك؟

بهذا المعنى، تصبح فلسطين أيضا سؤالا عن المواطنة والمسؤولية.

والثقافة والرياضة والفضاء الرقمي ساحات لا تقل أهمية. فقد يصل لاعب أو فنان أو صانع محتوى إلى جمهور لا تصل إليه الدبلوماسية التقليدية.

لا نحتاج إلى تحويل هؤلاء إلى سياسيين، بل إلى توفير حقيقة موثقة يستطيعون فهمها والتحقق منها.

ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في الترجمة والتوثيق وتنظيم البيانات، لكن من دون صور مزيفة أو شهادات مصطنعة أو أرقام بلا مصادر.

الحقيقة الموجودة تكفينا إذا علمنا كيف نوثقها ونوصلها.

العالم ليس جمهورا واحدا.

في أفريقيا وأميركا اللاتينية توجد تجارب الاستعمار والتحرر والسيادة، وفي أوروبا القانون الدولي وحقوق الإنسان، وفي آسيا السيادة والتنمية وعدم الهيمنة.

أما العالم العربي والإسلامي، فلا يكفي أن نستدعي عاطفته عند الأزمات؛ نحتاج إلى علاقات ومبادرات تستمر بعد أن تغادر فلسطين عناوين الأخبار.

الحق لا يتغير، لكن لغة الوصول إليه يمكن أن تتغير.

والولايات المتحدة ليست البيت الأبيض والكونغرس فقط؛ فهناك جامعات وإعلام ونقابات ومراكز أبحاث ومؤسسات مدنية وأجيال جديدة. وهذا لا يعني أن المجتمع سيغير السياسة غدا، لكنه يعني ألا نحصر علاقتنا بأميركا بمن يجلس في المكتب البيضاوي.

وحتى الإسرائيلي يجب أن يسمع السؤال.

الحديث عن انتفاضة للعقل يشمل مخاطبة العالم، بما فيه المجتمع الإسرائيلي.

ولا يعني ذلك المساواة بين الاحتلال ومن يقع تحت الاحتلال، كما أن الحديث عن مخاوف أمنية إسرائيلية لا يبرر حرمان الفلسطيني من حقوقه.

لكن من يريد تغيير المستقبل لا يتحدث فقط مع من يوافقه.

وليس المطلوب من الإسرائيلي أن يصبح فلسطينيا أو يتبنى الرواية الفلسطينية كاملة.

يبقى السؤال:

هل يمكن بناء أمن دائم إذا بقيت حرية شعب آخر مستحيلة؟

قد تستطيع القوة فرض واقع، لكنها لا تستطيع وحدها صناعة مستقبل مستقر.

الداخل والخارج… مسار واحد.

الداخل يمتلك الأرض والحادثة والشهادة والمعرفة بالمكان، والخارج يمتلك مساحات أوسع للوصول إلى الجامعات والإعلام والمؤسسات والأسواق.

لذلك يمكن النظر إلى العلاقة في اتجاهين:

من الداخل إلى الخارج: حادثة ← توثيق ← معرفة ← تأثير.

ومن الخارج إلى الداخل: معرفة ← علاقة ← فرصة ← تعزيز للقدرة على الصمود.

الفلسطيني في الخارج ليس مجرد صوت احتجاج أو مصدر دعم مالي. هو جزء من الشعب، ومعه معرفة وخبرة وعلاقات يمكن أن تتحول إلى قوة.

والقدس في القلب. وغزة والضفة والأغوار والمناطق «ج» والمخيم والقرية والمدينة هي الأماكن التي تبدأ منها الحادثة والفعل، بينما يمنح الشتات هذه القدرة امتدادا يتجاوز الجغرافيا.

كيف نبدأ؟

ليس المقصود إنشاء مؤسسة جديدة اسمها «انتفاضة العقل».

يمكن أن نبدأ بما لدينا: معرفة موثقة ومتعددة اللغات، وشبكات تربط الباحثين والمترجمين والحقوقيين وصناع المحتوى، وعلاقات أقوى بين جامعاتنا وجامعات العالم، وقنوات دقيقة للمعلومة تصل إلى السفارات والجاليات والإعلام.

المطلوب ليس مركزا يتحكم بالجميع، بل بنية تساعد الجميع على أن يكونوا أكثر فاعلية.

ثم نسأل:

ماذا تغير؟

هل تغير موقف مؤسسة؟

هل أصبحت قضية محلية بحثا أو ملفا قانونيا؟
هل نشأت شراكة؟
هل وصلت رواية موثقة إلى جمهور جديد؟

قد يصنع مليون تفاعل ضجيجا ثم يختفي، بينما يترك عمل صغير داخل مؤسسة أثرا يستمر سنوات.
وانتفاضة العقل ليست وصفة سحرية. لها بوصلة واضحة وهي السلمية، والحقيقة، والقانون، والكرامة الإنسانية، وحماية الإنسان والأرض، وحق تقرير المصير، وإنهاء الاحتلال، وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة وعاصمتها القدس الشرقية وفقا للشرعية الدولية.

ولهذا تحتاج إلى دقة قبل السرعة، ومصدر قبل النشر، وأثر قبل الاستعراض.

وكل واحد يبدأ بنفسه
لا يقدم هذا الطرح إجابات عن كل أسئلة فلسطين، بل يبحث عن طريقة أفضل لاستخدام ما نملكه بالفعل.

من حقنا أن نسأل القيادة ومنظمة التحرير والسلطة والسفارات والعالم العربي والمجتمع الدولي: ماذا فعلتم؟
وماذا ستفعلون؟

لكن مساءلة الآخرين لا تغني عن السؤال الذي يبدأ به كل واحد من نفسه:

ماذا يستطيع كل واحد منا أن يفعل ولم يفعله بعد؟

وهو السؤال نفسه الموجّه إلى كل من يقرأ:

ماذا تستطيع أنت أن تفعل من المكان الذي تقف فيه ولم تفعله بعد؟

ليس المطلوب من كل فلسطيني أن يصبح سياسيا، ولا من كل عربي أن يصبح ناشطا، ولا من كل صديق لفلسطين أن يتبنى الرواية الفلسطينية كاملة.

المهم ألا يبقى من يستطيع أن يفعل شيئا مقتنعا بأن دوره لا قيمة له.

فبناء القدرة لا ينتظر القرار الكبير وحده. قد يحدث أيضا عندما يحافظ فلاح على أرضه، ويبني معلم وعيا، وينتج باحث معرفة، ويخلق مستثمر فرصة، ويفتح طالب باب جامعته، أو يستخدم فنان أو رياضي أو صانع محتوى منصته بمسؤولية.

قد لا يستطيع فرد وحده أن يغير قرار دولة أو موقف حكومة.

لكن السؤال ليس دائما: هل يستطيع الفرد أن يغير العالم؟

السؤال الأقرب إلينا هو:

هل يستطيع كل واحد منا أن يحرك الجزء الذي يستطيع الوصول إليه من هذا العالم؟

هنا تبدأ «انتفاضة العقل»:

عندما نتوقف عن قياس قوتنا فقط بما نفتقده، وننظر أيضا إلى ما نملكه ولم نحسن استخدامه وربطه بعد.

ولهذا، لا يقف السؤال عند: متى تبدأ الانتفاضة القادمة؟

بل يعود إلى كل واحد منا:

إذا كانت فلسطين تحتاج إلى عقل كل واحد منا… فما الذي فعلناه نحن بالعقل والمساحة والقدرة التي نملكها؟

ومن هنا تبدأ المسألة.

ليس غدا.

ولا عندما تتغير الظروف.
بل من المكان الذي نقف فيه الآن…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى