Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
منشورات وإصداراتمقالات

قراءة في انهيار سعر الذهب وسط الحرب على إيران

في نهاية كانون ثاني الماضي، سجل الذهب أعلى مستوى له على الإطلاق متجاوز حاجز 5600 دولار للأونصة، مدفوع بموجة شراء غير مسبوقة من البنوك المركزية والمستثمرين على مدار العامين الماضيين. وعندما بدأت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، كان الجميع على يقين أن الذهب سيواصل الصعود، إذ أن المنطق التقليدي يقول إن الذهب يرتفع في أوقات التوتر والحروب. لكن ما حدث بعد ذلك قلب كل التوقعات رأسًا على عقب. فخلال أسابيع معدودة، انهار سعر الذهب بنحو 25% من قمته التاريخية، ليهوي إلى مستويات قاربت 4100 دولار، قبل أن يستقر بعد ذلك حول مستويات 4300 إلى 4400 دولار للأونصة.
هذا الانخفاض الحاد دفع المستثمرين إلى التساؤل: كيف يسقط الملاذ الآمن في عز الحرب؟ اعتماداً على المقولة القديمة في الأسواق المالية: عندما يخشى الناس المستقبل، يشترون الذهب، ولكن عندما يخشون الحاضر، يبيعونه.
وبالفعل هذا ما حدث ، فالحرب على إيران لم تؤد فقط إلى تصاعد التوتر الجيوسياسي، بل أشعلت أسعار النفط ورفعت توقعات التضخم، مما دفع المستثمرين إلى التخلي عن المعدن الأصفر لسببين رئيسيين، أولهما قوة الدولار وعوائد السندات، حيث أدى ارتفاع توقعات التضخم إلى ترجيح الأسواق لاحتمال تشديد السياسة النقدية الأمريكية، مما رفع الدولار وعوائد الخزانة الأمريكية، وبالتالي زاد من تكلفة الفرصة البديلة لحيازة الذهب الذي لا يدر أي عائد. وثانيهما نداء الهامش، فالانخفاض الحاد دفع المضاربين الذين استخدموا الرافعة المالية في صعود العام الماضي إلى تصفية مراكزهم بشكل قسري، مما عمق الهبوط. ووصف العديد من المحللين هذا السلوك بأنه “هروب إلى السيولة” بدلا من “الهروب إلى الجودة”، ففي لحظات الأزمات الحادة، يحتاج المستثمرون إلى السيولة النقدية لتغطية خسائر في أصول أخرى أو لتلبية احتياجات تمويلية طارئة، فيبيعون حتى الملاذات الآمنة. وقد تجلى هذا الأمر بوضوح في بيانات صناديق المؤشرات المتداولة، حيث أظهرت أبحاث وكالة بلومبرغ أن صناديق السلع الأساسية شهدت أكبر موجة سحب في تاريخها خلال آذار 2026، مع خروج نحو 11 مليار دولار من حوالي 100 صندوق، تركزت في صناديق الذهب مثل SPDR Gold Shares (GLD) التي شهدت وحدها سحب تجاوز 7 مليارات دولار، بينما شهدت صناديق الفضة عمليات استرداد بقيمة 1.4 مليار دولار.
لكن العامل الأكثر إثارة للجدل والأكثر تأثيرًا في الأسواق كان الدور الذي لعبته البنوك المركزية، وخاصة تركيا. فبينما كانت الأسواق تبحث عن تفسير للانهيار المفاجئ وغير المسبوق، كشفت بيانات مفاجئة أن البنك المركزي التركي قام خلال أسبوعين فقط ببيع وتحويل ما يقرب من 60 طن من الذهب، بقيمة تجاوزت 8 مليارات دولار. وبحسب البيانات الرسمية للبنك المركزي التركي، انخفضت احتياطيات الذهب بمقدار 6 أطنان في الأسبوع المنتهي في 13 آذار، ثم قفزت الخسائر إلى 52.4 طن في الأسبوع التالي، وهو أكبر انخفاض أسبوعي منذ آب 2018. و جزء كبير من هذه الكميات بيع بشكل مباشر، والجزء الأكبر تم عبر اتفاقيات مبادلة (Swap) لتحويل الذهب إلى سيولة دولارية أو محلية لدعم الليرة. وذكر لاحقا أن الأتراك لجأوا إلى هذه الخطوة لتلبية احتياجات السيولة وتحقيق الاستقرار المالي الداخلي، وسط ضغوط هائلة على الاقتصاد التركي نتيجة ارتفاع فاتورة استيراد الطاقة بعد الحرب، حيث تعتمد تركيا بشكل شبه كامل على استيراد النفط والغاز. وأشارت البيانات إلى أنه من إجمالي 58.4 طن من الذهب تم التصرف فيها، تم تنفيذ أكثر من نصفها عبر صفقات “ذهب مقابل دولار” في الخارج. هذا التحول يمثل مفارقة كبيرة، لأن تركيا كانت على مدار العقد الماضي واحدة من أكثر الدول شراءً للذهب، حيث قادت حملة لخفض الاعتماد على الدولار ضمن استراتيجية أوسع لتقليل النفوذ الأمريكي. ووفق لمجلس الذهب العالمي، بلغ احتياطي تركيا من الذهب بداية هذا العام حوالي 603 طن، بقيمة تقارب 1350 مليار دولار. ولم تكن تركيا وحدها في هذا المسار، فتقارير صادرة عن بنك فرنسا الاستثماري (Natixis) أشارت إلى أن بنوك مركزية أخرى قد تسير على ذات الخطى. ومن المرجح أن تقوم بعض البنوك المركزية ببيع الذهب للدفاع عن عملاتها و/أو لتمويل مشتريات الطاقة. ووفق تقرير صادر عن Bullion Vault، فإن البنك المركزي الروسي بدأ أيضا في بيع الذهب منذ العام 2025 للمساعدة في تمويل الحرب في أوكرانيا، وواصل البيع في بداية هذا العام ، مما أدى إلى خفض احتياطياته إلى أدنى مستوى في أربع سنوات.
الأمر الأكثر إثارة للدهشة كان تصريحات مسؤولين في البنك المركزي البولندي، فقد أشار محافظ البنك المركزي البولندي، إلى أن بلاده، التي كانت الأكثر شراءً للذهب بين البنوك المركزية خلال السنوات الثلاث الماضية، قد تبيع جزء من احتياطياتها الضخمة التي تصل إلى 550 طن، بهدف تمويل زيادة الإنفاق الدفاعي. وقال: “لا أحد يمنعنا من بيع الذهب، وأخذ الأرباح، ثم إعادة شرائه لاحقا”. هذا التصريح يعكس تحول كبير في التفكير، خاصة أن بولندا كانت قد اشترت الذهب بدافع واضح من موقعها الجغرافي القريب من أوكرانيا، حيث اعتبرته “الملاذ الآمن النهائي في زمن الحرب”. ويشير الخبراء إلى أن هذا التحول في سلوك البنوك المركزية، من شراء مكثف إلى بيع أو استخدام الذهب كضمان للحصول على السيولة، كان عامل رئيسي في تسريع انهيار الأسعار، خاصة أن شراء هذه الكميات كان أهم العوامل في الموجة الصعودية الطويلة للذهب.
في ظل هذه التطورات، يبرز السؤال الأهم: هل فقد الذهب بريقه كمخزن آمن للقيمة؟ الإجابة التي يقدمها كبار الخبراء والمؤسسات المالية تبدو أكثر دقة من مجرد نعم أو لا. ففي تقرير صادر عن مجموعة UBS للخدمات المالية، أكد المحللون هناك أن الأداء الضعيف للذهب منذ اندلاع الحرب على إيران هو مجرد تكرار للتاريخ، وليس نهاية دوره. وأشار التقرير إلى أنه بعد اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022، ارتفعت أسعار الذهب بنسبة 15% في البداية، لكنها تراجعت بعدها بنسبة 15% إلى 18% مع بدء الاحتياطي الفيدرالي في رفع أسعار الفائدة. وتكرر السيناريو نفسه سابقا في حرب الخليج والعراق، حيث ارتفع الذهب في لحظة الاندفاع الأولى بنسبة 17% و19% على التوالي، لكنه عاد ليهدأ مع تراجع حدة التوتر أو مع تغير أولويات المستثمرين. ومع ذلك، تظل UBS متفائلة على المدى المتوسط والطويل، وتتوقع أن يصعد السعر إلى نطاق 5900-6200 دولار للأونصة خلال عام 2026. ويقول المحللون في UBS: “الذهب هو أكثر من مجرد وسادة ضد التهديد المباشر للحرب، إنه تحوط ضد التداعيات الأوسع للصراع، مثل مخاطر انخفاض قيمة العملة، وارتفاع العجز في الميزانية، والتباطؤ الاقتصادي”. ويضيفون أن العوامل الهيكلية الداعمة للذهب لا تزال قوية، وتشمل ارتفاع مستويات الديون الحكومية في الاقتصادات الكبرى، واستمرار البنوك المركزية والصناديق السيادية في تنويع احتياطياتها بعيدًا عن الدولار، ومخاطر الركود التي قد تظهر إذا طال أمد الحرب، مما يعيد تعزيز الطلب على الملاذات الآمنة.
أما بالنسبة للمستثمرين الأفراد، الذين قد يكونون في حيرة من أمرهم في ظل هذه التقلبات العنيفة، فتنصح التقارير الصادرة عن مجلس الذهب العالمي وكبار المحللين بالتمييز بين التذبذب اللحظي والدور الاستراتيجي للذهب. فالتصحيح الحالي، وفقًا لهذه التقارير، هو تفكيك لمراكز مضاربة مكتظة وليس بداية لاتجاه هبوطي طويل الأجل. وفي هذا السياق، يرى بعض المحللون أنه على الرغم من أن أسعار الذهب قد تواجه ضغوط هبوطية في المستقبل المنظور مع استمرار البنوك المركزية في محاولة تخفيف تأثير ارتفاع تكاليف الطاقة وضعف العملات، إلا أنه قد يشهد عمليات شراء انتهازية، خاصة من الصين، والتي يمكن أن توفر أرضية للأسعار. لذلك، بالنسبة لمن يملك مدخرات ويسعى لحماية قيمتها، فإن الموجة التصحيحية الحالية قد تشكل فرصة شراء استراتيجية للمدى الطويل، مع التركيز على تخصيص جزء معقول من المحفظة الاستثمارية للذهب خاصة مع توقعات بعودة التركيز إلى العوامل الأساسية الداعمة للذهب بعد انحسار أزمة السيولة الحادة.
لكن الإجابة الأكثر وضوحا وصراحة عن السؤال الذي يطرحه الجميع اليوم—هل فقد الذهب بريقه فعلًا؟— هي لا، لم يفقد الذهب بريقه، لكنه خضع لاختبار قاس أعاد تعريف العلاقة بينه وبين مفهوم الملاذ الآمن. فالذهب لم يسقط لأنه توقف عن كونه مخزن للقيمة، بل سقط لأن الأسواق المالية في لحظات الذهول الأولى تحتاج إلى سيولة نقدية فورية، والذهب كان أكبر وأسهل الأصول القابلة للتحقيق في تلك اللحظة. هذا ما أظهرته تجربة تركيا التي اضطرت لبيع 60 طن من احتياطياتها في أسبوعين ليس لأنها فقدت الثقة في المعدن الأصفر، بل لأنها كانت في سباق مع الزمن لإنقاذ ليرتها وتغطية فاتورة الطاقة التي قفزت بنسبة 35% خلال الأسبوع الأول من الحرب. وتكرر السيناريو نفسه مع بولندا التي هددت بالبيع لتمويل نفقات دفاعية غير مسبوقة، ومع روسيا التي استمرت في تصريف جزء من احتياطياتها لتمويل المجهود الحربي.
ما حدث في اذار 2026 لم يكن فشل للذهب، بل كان درس قاسي في أن الملاذ الآمن ليس حصن منيع في وجه أزمات السيولة الحادة. وفي الحقيقة، الذهب نفسه لم يخسر قيمته الجوهرية، فالأونصة اليوم لا تزال تشتري نفس الكمية من السلع التي كانت تشتريها قبل عام، لكن ما تغير هو قدرة المستثمرين على الاحتفاظ به في لحظات الضغط. هذا التمييز دقيق لكنه جوهري، وهو ما أشار إليه بشكل واضح تقرير مجلس الذهب العالمي الصادر في 27 آذار، حيث أكد أن 78% من عمليات البيع التي شهدها السوق جاءت من صناديق المؤشرات المتداولة والمضاربين قصيري الأجل، وليس من المستثمرين الاستراتيجيين أو البنوك المركزية التي لا تزال تحتفظ بنسبة 92% من مشترياتها التي تمت خلال العامين الماضيين.
أما بالنسبة للنصائح العملية لمختلف فئات المستثمرين، فالإجابة تعتمد بشكل كبير على الأفق الزمني وطبيعة المحفظة. بالنسبة للمستثمرين الأفراد الذين يدخرون لحماية مدخراتهم من التضخم وتقلبات العملات، فإن التوصية الأكثر حكمة في هذه المرحلة هي عدم الذعر وعدم البيع تحت تأثير الخوف. فالتاريخ يؤكد أن كل انهيار سريع للذهب في خضم أزمات مماثلة تبعه تعافٍ قوي، فبعد انهيار عام 2008 بنسبة 30% خلال أزمة الرهن العقاري، استغرق الذهب ستة أشهر فقط ليعود إلى مستويات ما قبل الأزمة ثم واصل الصعود ليحقق أرقام قياسية جديدة. وبعد انهيار اذار 2020 بسبب جائحة كورونا، عاد الذهب خلال أربعة أشهر ليسجل أعلى مستوى له على الإطلاق آنذاك. والمؤشرات الحالية تشير إلى أن الأسواق بدأت بالفعل في استيعاب الصدمة، حيث عادت المشتريات الآسيوية، خصوصًا من الصين والهند، بقوة خلال الأسبوعين الأخيرين من مارس، مستغلة الانخفاض الحاد في الأسعار.

دكتور طارق عاشور

أستاذ زائر للاقتصاد في جامعة بيرزيت، وباحث اقتصادي في معهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي. متخصص في سياسات المالية العامة والاقتصاد الكلي، وله أبحاث منشورة تركز على تحليل التحديات الهيكلية للاقتصاد الفلسطيني، بما في ذلك السياسات المالية، وأسواق العمل، وأثر الاحتلال على الأداء الاقتصادي والتنمية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى