قرارات الدين الكبرى لا تحتمل الصمت

نشر امس خبر عبر احدى المنصات الاعلامية المحلية، يفيد أن الحكومة اشترت قروض موظفين عموميين في غزة من مصرفين محليين، مقابل قرض مصرفي جديد بنحو 500 مليون دولار. إن صح الخبر، فنحن أمام نقل التزامات خاصة بين مصرف وموظف إلى الذمة العامة، دون أن يرافق ذلك إعلان رسمي أو شرح للشروط.
يحاول هذا المقال ان يطرح اهمية تقييم أداء وزارة المالية في إدارة المديونية من هذه الزاوية، ويخلص إلى ثلاث نتائج. الأولى أن حجم القرار، وإن كان له ما يبرره، يجعل الصمت عنه أخطر من القرار نفسه. والثانية أن ارتفاع الدين مفهوم السبب، فالمقاصة محتجزة، لكن توزيع كلفته يحتاج إلى قواعد معلنة. والثالثة أن حزمة قرارات تمس مصالح كبار اللاعبين، من الصفقة إلى تسوية الوطنية موبايل إلى ما يتردد عن نية بيع أصول لصندوق الاستثمار، تفرض مصارحة عامة لا تنتظر. أما التوقع فمشروط: إذا استمر احتجاز المقاصة فإن فجوة التمويل التي قدرها البنك الدولي لعام 2026 بنحو 1.6 مليار دولار، وبنحو 3.8 مليار دون تحويلات، ستجعل عمليات من هذا النوع متكررة، وسيقاس أداء الوزارة بقدرتها على الإفصاح قبل قدرتها على الاقتراض.
الخبر المتفرد بنشره موقع اعلامي فلسطيني ، ولم يرد حتى الآن تأكيد أو نفي من وزارة المالية أو سلطة النقد، ولم تنشر الشروط من سعر الشراء وحجم المحفظة وسعر الفائدة وجدول السداد. وهنا أول ملاحظة في الإدارة: حين يتداول خبر بهذا الحجم، فإن النفي الرسمي إن لم يكن له أصل، والتوضيح إن كان صحيحا، التزامان على الجهة المسؤولة. وسكوت من هذا النوع يترك السوق والمواطن يبنيان رواياتهما. وللخبر سياق معروف: في تموز 2026 حددت سلطة النقد سقف الخصم من رواتب الموظفين بـ25 بالمئة، وتبلغ حصة قروض موظفي القطاع العام نحو 65 بالمئة من الائتمان المصرفي في غزة.
ولفهم الصفقة لا بد من قراءة مسار الدين. بلغ الدين الرسمي نحو 15.8 مليار شيكل في الأشهر العشرة الأولى من 2025، مقابل 15.3 مليار في 2024 و12.7 مليار في 2023، بحسب التصريحات. ولا يشمل هذا الرقم المتأخرات التي بلغت 15.1 مليار شيكل في تشرين الثاني 2025، بزيادة 26 بالمئة عن العام السابق و180 بالمئة منذ 2021، ولا اقتراضا من المصارف المحلية بلغ 9.7 مليار شيكل. وبإضافتها يقترب الدين من 86 إلى 87.5 بالمئة من الناتج بحسب البنك الدولي. والسبب معروف: المقاصة تشكل نحو الثلثين من الإيرادات، واحتجز منها 3.6 مليار شيكل في أحد عشر شهرا من 2025. فالزيادة مبررة في أصلها، لكن تبريرها لا يغني عن إدارتها بقواعد وأدوات معلنة.
إن صحت الصفقة فهي تنقل مبالغ ضخمة من مديونية القطاع الخاص إلى المديونية العامة، وهذا أمر ليس بسيطا. فالمصارف تتخلص من مخاطر آلاف المقترضين وتحل محلهم مدينا واحدا هو الخزينة، والخزينة تصبح دائنة لموظفيها وبيدها أداة التحصيل. لكن جدوى ذلك تتوقف على السعر ونوعية المحفظة. فإذا كان جزء منها متعثر وجرى شراؤه بقيمته الاسمية، انتقلت الخسارة إلى المال العام وتحملتها أجيال لم تستشر. وإذا جرى الشراء بقيمة الاسترداد المتوقعة فهي إعادة هيكلة مقبولة. لذلك فإن مطلب المصارحة هنا ليس شكليا: لماذا لا يعلن حجم المحفظة ونسبة التعثر فيها، ولماذا تعلم الجهة المعنية الرأي العام بقرار كهذا عبر خبر عابر، وما الذي يمنع نشر الشروط حتى لو لم يتطلب القرار تفويضا إضافيا.
وعن القرار تحديدا يحدد قانون الدين العام رقم 24 لسنة 2005 أن يوقع الوزير وأن يوافق مجلس الوزراء على كل حالة، وأن تعرض الاتفاقيات الخارجية على المجلس التشريعي المعطل منذ 2007. وبعد القرار بقانون رقم 20 لسنة 2025 توسع تعريف الدين ليشمل الالتزامات المباشرة وغير المباشرة والمتأخرات، وارتفع السقف من 40 إلى 80 بالمئة من الناتج، واستحدث سقف سنوي للاقتراض وخطة سداد. ومن حق الجمهور أن يعرف من اتخذ القرار، وهل أقره مجلس الوزراء، وهل شاركت سلطة النقد، وهل احتسب القرض الجديد ضمن السقف السنوي، علما أن الدين المقاس يتجاوز السقف الجديد أصلا. وحتى في حال استوفيت الإجراءات كلها، فإن عدم إبلاغ الجمهور بقرار مصيري يعد في ذاته ثغرة في الحوكمة تضعف الثقة بالمؤسسة.
ويكتسب هذا النقاش حدته من تعدد القرارات التي تمس القطاع الخاص الكبير في فترة قصيرة، ومن ثم من التساؤل المتداول عن اتجاه السياسة المالية: هل تحمي كبار المستثمرين على حساب المواطن العادي والأجيال القادمة. لا يمكن تأكيد ذلك أو نفيه ببيانات منشورة، والمطلوب أن تتيح الجهات المعنية ما يجيب عنه. ففي 21 تشرين الأول 2025 أصدر صندوق الاستثمار سندات بـ150 مليون دولار لخمس سنوات اكتتبت فيها سبعة مصارف، وهي مصارف تحتفظ أصلا بنحو 42 بالمئة من ائتمانها للقطاع العام. وإن كان لكل ترتيب من هذه مبرره، فإن اجتماعها يرفع انكشاف القطاع المصرفي على الدولة ويستدعي نظرة موحدة.
ويأتي ما نقل عن تسوية الوطنية موبايل في قلب هذا النقاش. أعلنت وزارة الاتصالات والاقتصاد الرقمي في 6 كانون الثاني 2026 قرار تحكيم دولي بقيمة 120 مليون دولار لحقوق مالية متصلة بالرخصة، تدفع الشركة منها 79 مليونا نقدا لوزارة المالية، والباقي مساهمة في إعادة بناء البنية التحتية، وعزا البيان النزاع إلى تأخر تخصيص الترددات. وكانت الرخصة قد منحت في أيلول 2006 بنحو 355 مليون دولار. ويتردد أن النتيجة خفضت الرسوم من نحو 360 إلى نحو 240 مليونا. إن صح ذلك، فإن الجمهور يحتاج إلى إجابة عن أسئلة جوهرية: كم كان المستحق قبل التحكيم وكم سدد منه، وكيف احتسب الحسم، ولماذا لم تنشر وثيقة التسوية. والأهم من ذلك من صاحب قرار الموافقة على اللجوء إلى التحكيم، وبأي صفة، في نزاع مع شركة يملك فيها صندوق الاستثمار، وهو مؤسسة عامة، حصة كبيرة، وكيف أديرت المصلحة المتعارضة بين الدور المساهم والدور الحكومي. وينطبق السؤال ذاته على ما يشاع من تسهيلات في رسوم الرخص لشركات اتصالات أخرى، وهو ما لا مرجع منشورا له، ويفترض أن تفصل في أمره الجهة المعنية بنشر شروط الرخص كلها، بما فيها تجديد رخصتي الاتصالات وجوال الذي أعلن بمبلغ 290 مليون دولار.
ويتصل بذلك ما يتردد عن نية بيع أصول جيدة لصندوق الاستثمار إلى أحد البنوك المحلية. وإن صح فهو يستدعي إجابات عن السعر ومعيار التقييم وجهة الموافقة، وعن سبب وصوله إلى الرأي العام في خبر هامشي غير رسمي. فالأصول الجيدة هي ما يستند إليه الصندوق في دعم الاقتصاد الوطني، وبيعها في ظرف ضغط مالي يفترض أن يخضع لتقييم مستقل ونشر مسبق. وقد قدرت أصول الصندوق بنحو 900 مليون دولار في نهاية 2024 بحسب تقريره السنوي كما نقلته الجزيرة نت.
أما الضرائب فالمعطيات المنشورة شحيحة. أظهرت دراسة للبنك الدولي عن 2019 أن فجوة ضريبة القيمة المضافة في الضفة تبلغ نحو 13 بالمئة من الناتج، أي 1.76 مليار دولار، وأن أكثر من نصف فجوة الامتثال، أي 761 مليون دولار، ضريبة غير محصلة على الواردات، وأن قيم الاستيراد المصرح بها أقل بنحو 32 بالمئة مما تسجله الدول الشريكة. وهذا يعني أن التسرب الأكبر عند الاستيراد وكبار المكلفين. ولا تتوافر بيانات منشورة بحصة كبرى الشركات في ضريبة القيمة المضافة المحصلة، ولا بانتظام توريدها شهريا، ولا بنتائج الحملات الضريبية التي تشكو منها الطبقة الوسطى من التجار. وقد سجلت الإيرادات الضريبية المحلية 2.94 مليار شيكل في عشرة أشهر من 2025 بزيادة 5 بالمئة، وتراجعت المرتجعات إلى 97 مليونا من 148 مليونا. ومن حق الجمهور أن يعرف: هل تبدأ الحملات بالمكلفين الكبار وملفاتهم المتأخرة، وهل يفضل إغلاق ملفات الشركات الكبرى بتسويات منفردة على جداول سداد معلنة، ولماذا لا تنشر نسب التدقيق حسب حجم المكلف.
وفي ركود كهذا تقول أدبيات الاقتصاد الكلي إن الحكومة توسع الإنفاق لتعويض ضعف الطلب. لكن بيانات 2025 تظهر العكس: بقي الناتج أقل من مستوى 2023 بنحو 24 بالمئة، وانخفض الإنفاق الكلي نحو 2 بالمئة إلى 16.1 مليار شيكل، وتراجع الإنفاق التطويري 17.5 بالمئة إلى 736 مليونا بعد 1.21 مليار في 2023، وضاق العجز قبل المنح إلى 2.8 مليار من 4.2 مليار. وهذه سياسة انكماشية، فرضها قيد التمويل، فلا بنك مركزي ولا مقرض أخير وقد حجبت المقاصة. لكن الأولويات داخل القيد قابلة للتحديد: تسديد المتأخرات للموردين المحليين وصغار المقاولين أولا، لأن المتأخرات تحفيز مؤجل لم يصل إلى السوق.
والخلاصة أن المطلوب فريق اقتصادي وطني مصغر من خمسة إلى سبعة خبراء مستقلين في المالية العامة والنقد والضرائب والقانون، بتفويض من مجلس الوزراء، يراجع العمليات الكبرى للدين والتسويات قبل إعلانها، ويصدر تقريرا فصليا عن الدين والمتأخرات والإعفاءات، ويوقع أعضاؤه إقرارات تضارب مصالح، ليكون الخيار الاقتصادي للمواطن والوطن لا لجماعات الضغط. وثلاثة مؤشرات ستحدد الاتجاه في الأشهر المقبلة: نشر شروط صفقة غزة أو نفيها، ونشر وثيقة تسوية الوطنية وكيفية اتخاذ قرارها، وأول نشرة دين تضم المتأخرات ضمن سقف 80 بالمئة. فإن نشرت فإن الإدارة المالية تكسب ثقة تحتاجها أكثر من أي قرض، وإن لم تنشر فإن كلفة الصمت ستضاف إلى كلفة الدين.
المراجع
1. القرار بقانون رقم (20) لسنة 2025 بتعديل قانون الدين العام رقم (24) لسنة 2005، الوقائع الفلسطينية، 27 تشرين الأول 2025.
2. قانون الدين العام رقم (24) لسنة 2005.
3. IMF and World Bank, Revised Guidelines for Public Debt Management, 2014.
4. World Bank, Economic Monitoring Report to the Ad Hoc Liaison Committee, 2025 and 2026 editions.
5. World Bank, Palestinian Territories: Impact of Fiscal and Economic Policies, Estimation of VAT Tax Gap, 2020.
6. معهد ماس، Economic Update, January 2026، وورقة الدين العام والمتأخرات، تشرين الثاني 2025.
7. PEFA Secretariat, Palestinian Authority Assessment, 2018.
8. Flynn and Pessoa, Prevention and Management of Government Expenditure Arrears, IMF, 2014.
9. وزارة الاتصالات والاقتصاد الرقمي، إعلان تسوية النزاع المالي مع الوطنية موبايل، 6 كانون الثاني 2026 (كما نشرته وسائل إعلام فلسطينية).
10. صندوق الاستثمار الفلسطيني، التقرير السنوي 2024، وإعلان إصدار السندات 21 تشرين الأول 2025 (كما نقلته الجزيرة نت).
11. سلطة النقد الفلسطينية، تعليمات سقف الخصم من الرواتب، تموز 2026.
12. UNSCO, Economic Update to the Ad Hoc Liaison Committee, 2025 and 2026.
13. صحيفة القدس، آراء خبراء في تعديل قانون الدين العام، 3 تشرين الثاني 2025.
14. Daily News Egypt, Palestinians get new cell phone operator, 2006 (قيمة الرخصة الأصلية).
15. صدى نيوز، 19 تشرين الأول 2026: مصدر خبر صفقة قروض غزة فقط، ولم تؤكده جهة رسمية في ما أمكن الاطلاع عليه.




