العدالة المناخية في فلسطين: تغيّر المناخ كقضية حقوق وعدالة سياسية

كتبت الباحثة في الشأن البيئي
يارا عودة أبوهنية
ماجستير علوم بيئية
لم يعد تغيّر المناخ في عالم اليوم مجرد أزمة بيئية تتعلق بارتفاع درجات الحرارة أو تقلّب المواسم، بل تحوّل إلى واحدة من أكثر قضايا العدالة تعقيدًا في القرن الحادي والعشرين. فآثاره لا تُوزَّع بالتساوي بين الدول أو داخل المجتمعات، بل تقع بأثقلها على الفئات الأقل مسؤولية عن التلوث والانبعاثات. من هنا برز مفهوم العدالة المناخية بوصفه إطاراً أخلاقياً وحقوقياً يربط بين أزمة المناخ، وعدم المساواة، وحقوق الإنسان.
في السياق الفلسطيني، يكتسب هذا المفهوم بُعدًا أعمق، إذ يتقاطع تغيّر المناخ مع الاحتلال، والسيطرة على الموارد الطبيعية، وغياب السيادة البيئية، ما يجعل الفلسطينيين من بين أكثر الشعوب تعرضًا لظلم مناخي مركّب.
العدالة المناخية: المفهوم والإطار الأكاديمي
تُعرّف العدالة المناخية في الأدبيات الأكاديمية بأنها مقاربة تربط بين تغيّر المناخ والحقوق الأساسية، مثل الحق في الحياة، والمياه، والغذاء، والصحة، والسكن. وتشير الباحثة ماري روبنسون إلى أن تغيّر المناخ هو أكبر تهديد معاصر لحقوق الإنسان، لأنه يضرب الفئات الهشّة أولًا.
ويستند هذا المفهوم إلى مبدأ “المسؤوليات المشتركة ولكن المتباينة”، المعترف به دوليًا، والذي يقر بأن جميع الدول مسؤولة عن حماية المناخ، لكن الدول الصناعية تتحمل مسؤولية تاريخية أكبر بحكم مساهمتها الأكبر في الانبعاثات.
غير أن هذا الإطار الأخلاقي يفقد جزءًا من معناه عندما يُطبَّق دون مراعاة السياقات السياسية الخاصة، كما هو الحال في فلسطين.
تغيّر المناخ تحت الاحتلال
تؤكد تقارير الأمم المتحدة والهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيّر المناخ (IPCC) أن القدرة على التكيّف المناخي تعتمد بشكل أساسي على السيطرة على الموارد الطبيعية. وفي الحالة الفلسطينية، يُحرم المجتمع من هذا الشرط الأساسي.
فالتحكم بمصادر المياه، وتقييد الوصول إلى الأراضي الزراعية، ومنع تطوير البنية التحتية البيئية، كلها عوامل تجعل التغير المناخي ليس أزمة طبيعية فحسب، بل مضاعِفًا للظلم القائم. وهكذا، تتقاطع الأزمة المناخية مع واقع سياسي يحدّ من قدرة الفلسطينيين على حماية بيئتهم ومستقبلهم.
المياه: جوهر الظلم المناخي
تُعد أزمة المياه المثال الأوضح على غياب العدالة المناخية في فلسطين. فمع تراجع معدلات الهطول المطري وازدياد موجات الجفاف، تتفاقم ندرة المياه، لكن توزيعها يبقى غير عادل. يضطر الفلسطينيون للاعتماد على كميات محدودة لا تلبي الحد الأدنى الموصى به عالميًا، في حين يُحرم المزارعون من المياه اللازمة للتكيّف مع تغيّر المواسم الزراعية.
في مدن مثل نابلس، أصبحت انقطاعات المياه خلال الصيف أطول وأكثر تكرارًا، ما يفرض أعباء إضافية على الأسر، خصوصًا النساء، اللواتي يتحملن مسؤولية إدارة المياه وإعادة تنظيم أنماط الحياة اليومية في ظل الشح.
الزراعة والأمن الغذائي: أمثلة من الأغوار
في الأغوار الفلسطينية، حيث تُعد الزراعة مصدرًا أساسيًا للرزق، تتجلى العدالة المناخية بوضوح. فارتفاع درجات الحرارة وتراجع الإنتاج الزراعي يدفعان العديد من المزارعين إلى تقليص مساحات الزراعة أو هجر الأرض، ليس بسبب المناخ وحده، بل بسبب القيود المفروضة على الوصول إلى المياه والأراضي.
هنا، يصبح تغيّر المناخ عاملًا يسرّع الفقر وفقدان سبل العيش، بدل أن يكون تحديًا يمكن التكيّف معه عبر سياسات عادلة.
غزة: نموذج للظلم المناخي المركّب
في قطاع غزة، تتخذ أزمة العدالة المناخية شكلًا أكثر قسوة. فارتفاع درجات الحرارة، وتهديد ارتفاع مستوى سطح البحر، وتدهور نوعية المياه الجوفية، تتقاطع مع حصار طويل وبنية تحتية متهالكة. وتشير تقارير دولية إلى أن أكثر من 95% من المياه الجوفية غير صالحة للشرب.
في هذا السياق، لا يمكن الحديث عن التكيّف المناخي دون الحديث عن القيود المفروضة على إعادة الإعمار، وإدخال التكنولوجيا النظيفة، والطاقة المتجددة. وهكذا يتحول المناخ إلى أزمة وجودية يومية.
النساء الفلسطينيات في قلب العدالة المناخية
تلعب النساء الفلسطينيات دورًا محوريًا في مواجهة آثار تغيّر المناخ، خاصة في إدارة الغذاء والمياه داخل الأسرة، والحفاظ على المعرفة البيئية التقليدية. ففي القرى المحيطة بنابلس وجنين، تعتمد كثير من النساء على ممارسات مثل تجفيف الخضروات، وإعداد المونة المنزلية، وتقليل الفاقد الغذائي، كاستجابات مباشرة لارتفاع الأسعار وعدم استقرار الإمدادات.
ورغم ذلك، تبقى هذه الأدوار غير مرئية في السياسات الرسمية، ما يؤكد أن العدالة المناخية لا يمكن أن تتحقق دون عدالة جندرية تضمن مشاركة النساء في صنع القرار البيئي.
مبادرات محلية وتحدي مناخي
رغم القيود، ظهرت مبادرات فلسطينية تعكس مقاومة مناخية محلية، مثل الزراعة المنزلية على الأسطح، وحصاد مياه الأمطار، ومبادرات إعادة التدوير. غير أن هذه الجهود، على أهميتها، تبقى محدودة التأثير ما لم تُدعَم بسياسات عادلة وتمويل مستدام.
العدالة المناخية والحق في تقرير المصير
تكشف الحالة الفلسطينية أن العدالة المناخية ليست مسألة تقنية أو بيئية فقط، بل قضية سياسية مرتبطة بالحق في تقرير المصير. فلا يمكن مطالبة شعب واقع تحت الاحتلال بتحقيق انتقال عادل أو التكيّف مع تغيّر المناخ دون تمكينه من إدارة موارده بحرية.
خاتمة
إن العدالة المناخية في فلسطين ليست مفهومًا نظريًا، بل تجربة يومية تُقاس بالماء والغذاء والحرارة والقدرة على الصمود. ومن دون إدماج القضية الفلسطينية في الخطاب العالمي للعدالة المناخية، ستبقى السياسات المناخية ناقصة وغير عادلة.
فالعدالة المناخية الحقيقية تبدأ بالاعتراف بأن تغيّر المناخ، في أماكن مثل فلسطين، هو أيضًا قضية حقوق، وكرامة، وعدالة تاريخية.




