Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
منشورات وإصداراتمقالات

هل سيخرج الدولار مهزوماً من حرب إيران

في عالم المال حين تبدأ الأرقام بالكذب على الجميع فهذا يعني أن أحدا ما على علم بالحقيقة قبل غيره. قبل خمس عشرة دقيقة فقط من إعلان البيت الأبيض وقفا مفاجئا للضربات على إيران انتقلت عقود نفط بقيمة تزيد عن سبعة مليارات وستمائة مليون دولار في صفقة واحدة ليس من قبيل الصدفة بل لأن شخصا ما كان يعلم أن الأسعار ستنهار. هذه الحادثة كشفت الستار عن اقتصاد عالمي دخل مرحلة ما بعد الحرب على نظام الدولار وهي مرحلة لن تكون كما قبلها.
لقد تجاوزت الاحتياطيات العالمية من الذهب بعد تعديل قيمتها الحقيقية قيمة الأصول المقومة بالدولار لأول مرة منذ أن بدأ صندوق النقد الدولي بنشر هذه الأرقام في تسعينيات القرن الماضي. الحرب الأخيرة لم ترفع الأسعار فحسب بل فتحت جراح عميقة في شرايين النظام المالي لن تلتئم بسهولة. وكالة الطاقة الدولية أكدت ذلك بتحذيرها من نيسان أسود ووصفته بأنه أشد فتكا من أزمات 1973 و1979 و2022 مجتمعة.
في تقرير داخلي للبنك الدولي وتحليلات غولدمان ساكس التي لم تنشر بعد على نطاق واسع يتضح أن الاضطرابات في مضيق هرمز والتدمير الجزئي للبنية التحتية للغاز في قطر لم ولن يقتصر أثرها على أسعار النفط. اليوم 19% من إمدادات الغاز المسال العالمي لا تزال متوقفة. غير أن التحذير الأشد وقعا جاء من وكالة الطاقة الدولية وأن الأزمة الحالية قد تكون الأسوأ في التاريخ محذرة أن الشهر الحالي قد يشهد خسائر في الإمدادات تعادل ضعف ما فقد في اذار. سامانثا دارت الباحثة في غولدمان ساكس حذرت بأن الأمر قد يصبح مؤلم جدا إذا طال أمد الإصلاحات التي قد تستغرق من سنتين إلى ثلاث سنوات وهذا ما دفع البنك إلى التحذير من أن مخاطر صعود النفط قد تستمر حتى 2027 مع احتمال بقاء الأسعار فوق مائة دولار للبرميل إذا استمر إغلاق المضيق لشهر إضافي.
كلما ارتفع سعر النفط تراجع الطلب الحقيقي على الدولار. هذا التناقض هو جوهر الأزمة. الدولار يرتفع في المدى القصير لأن المعاملات النفطية تحتاجه لكن استمرار الأسعار فوق 90 دولار للبرميل يستنزف احتياطيات الدول المستوردة للطاقة في آسيا وأوروبا مما يدفعها للبحث عن بدائل. تقرير ل جي بي مورغان تشير إلى أن استمرار النفط فوق تسعين دولار قد يمتص جزءا من فائض الدولار المطبوع لكنه في الوقت نفسه يعمق الضغوط على الدولار كعملة احتياطية مهيمنة. ارتفاع سعر الذهب هو مؤشر سلبي واضح على مكانة الدولار العالمية. عندما يتجاوز الذهب 4800 دولار للأونصة بعد الحرب مباشرة فإنه لا يعكس مجرد مخاوف تضخمية بل يشير إلى تحول استراتيجي طويل الأمد. جي بي مورغان يتوقع أن يبلغ متوسط سعر الذهب 5055 دولارا في الربع الأخير من 2026 مع احتمال وصوله إلى 5400 دولار بحلول نهاية العام وغولدمان ساكس يرى هدفا 5400 دولار للأونصة.
البنوك المركزية لا تزال تشتري الذهب بشراهة. توقعات مجلس الذهب العالمي لعام 2026 تتحدث عن شراء يصل إلى ثمانمائة وخمسين طن وهو رقم يقارب ما حدث في العام 2025. أحدث البيانات تشير إلى أن البنوك المركزية اشترت صافي تسعة عشر طن من الذهب في فبراير 2026 وحده مع توقعات بأن تواصل 95% منها زيادة احتياطياتها. الصين وعدة دول تستمر في التراكم بحثا عن التنويع وبعيدا عن الأصول الدولارية. هذا التحول يعكس تخطيط طويل الأجل لتقليل الاعتماد على الدولار خاصة في ظل العقوبات والصراعات الجيوسياسية. بنك إنجلترا المركزي أكد في تقرير داخلي أن وتيرة شراء الذهب من قبل البنوك المركزية غير المعلنة بلغت أعلى مستوى لها منذ عقدين مما يشير إلى أن هذه الإستراتيجية لن تتوقف قريبا.
المسلم به أن أسعار النفط لن تعود إلى مستويات ما قبل الحرب في القريب العاجل. غولدمان ساكس يرى أن استمرار إغلاق مضيق هرمز لشهر إضافي قد يدفع خام برنت إلى متوسط يتجاوز 120 دولار للبرميل في الربع الثالث من 2026. أما إذا استمر إغلاق المضيق فإن تحليلات أوكسفورد إيكونوميكس تتوقع وصول النفط إلى 190 دولار مع تضخم عالمي يعيد سيناريو 2022 وتباطؤ حاد في النمو يصل إلى أكثر من النصف في الاقتصاديات المتقدمة. هذا السيناريو المتطرف وإن لم يكن الأكثر ترجيحا فإن احتمالاته ارتفعت بشكل ملحوظ بعد الأضرار الجسيمة التي لحقت بمنشآت الغاز القطري. ستاندرد آند بورز قدرت أن إعادة تأهيل البنية التحتية للطاقة في الخليج قد تستغرق ما بين ستة أشهر وسنتين حتى في سيناريو وقف الحرب فورا بسبب ندرة المعدات المتخصصة والخبرات الفنية اللازمة لإصلاح الأضرار الناجمة عن الحرب.
انشغال الخليج بإعادة الإعمار هو سيف ذو حدين. فمن ناحية ستمتص عمليات إعادة بناء البنية التحتية للنفط والغاز مئات المليارات من الدولارات مما يقلل من فائض السيولة الخليجية المتجهة إلى الأسواق العالمية ويرفع تكاليف الاقتراض. لكن على المدى الأطول إذا نجحت هذه الدول في استعادة إنتاجها بالكامل فقد تعيد التوازن للأسواق. غير أن الأضرار التي لحقت بقطر قد تستغرق من ثلاث إلى خمس سنوات للإصلاح مما يعني أن شح الإمدادات سيبقى واقعا قائما. فيتش للتصنيف الائتماني تؤكد أن البنوك الإسلامية في مجلس التعاون الخليجي دخلت فترة عدم اليقين هذه من موقع قوة مع وجود احتياطيات سيولة عالية لكن الوكالة حذرت من أن حالة عدم اليقين الجيوسياسي قد تخفض إصدارات الصكوك في 2026 حيث لم يتم تسجيل أي إصدار صكوك في اذار الماضي. وكالة موديز بدورها وضعت ثلاث شركات طاقة خليجية كبرى تحت المراجعة لخفض التصنيف محذرة من أن إعادة الإعمار قد تستهلك سيولة أكثر مما هو معلن.
التحول عن البترودولار لم يعد مجرد سيناريو مستقبلي بل أصبح حقيقة تتشكل على الأرض. مجموعة أوبك+ التي تسيطر على أكثر من أربعين بالمائة من إنتاج النفط العالمي تقود هذا التحول. الصين والهند بشكل غير معلن بدأتا تجربة عقود نفطية باليوان والروبية. إيران التي تعلمت التعايش بدون الدولار شرعت في فرض رسوم عبور عبر مضيق هرمز وتصر على أن تدفع باليوان أو بالعملات المستقرة. تقارير من مصادر مصرفية تشير إلى أن ما لا يقل عن 12% من معاملات النفط الخليجية في الربع الأول من 2026 تمت بعملات غير الدولار وهي نسبة لم تكن تتجاوز 3% قبل الحرب. التحول ليس انهيار مفاجئ لكن وتيرته تتسارع. كلما ارتفع النفط تسارع البحث عن بدائل وكلما بحثت الدول عن بدائل تراجع الطلب على الدولار مما يخلق حلقة مفرغة من التآكل. خبراء في بنك التسويات الدولية يحذرون من أن هذه الحلقة قد تصل إلى نقطة تحول خلال 2027 إذا استمرت الأسعار فوق مائة دولار.
ولعل ما زعزع الثقة أكثر من أي تحليل اقتصادي هو ما كشفته التحقيقات حول صفقات مشبوهة تمت قبل دقائق من قرارات ترامب. تقارير وول ستريت جورنال ورويترز تحدثت عن أنماط متكررة من الرهانات المالية المحكمة التوقيت حيث استفادت كيانات مجهولة من معلومات داخلية لتحقيق أرباح بمئات الملايين من الدولارات. فضيحة التداول من الداخل التي طالت دوائر صنع القرار في البيت الأبيض تقوض الثقة في نزاهة الأسواق المالية. هذه الممارسات تجعل المستثمر المؤسسي يتساءل إن كانت لعبة السوق محسومة سلفا لمصلحة من يملكون المعلومة قبل غيرهم. الثقة التي هي أساس أي سوق مالي بدأت تتآكل وهذا ما يفسر جزئيا السبب وراء انهيارات متتالية في أسواق الائتمان الخاص. صندوق كارلايل Tactical Private Credit الذي يدير أكثر من سبعة مليارات دولار تلقى طلبات سحب بلغت حوالي16% من أسهمه في الربع الأول من 2026 مما اضطر الإدارة إلى تحديد سقف 5% فقط. هذا ليس انهيار معزول فقد فرضت صناديق مورغان ستانلي وبلاك روك وأبولو جلوبال مانجمنت حدودا مماثلة في الأسابيع الأخيرة مع سحوبات تجاوزت عشرة مليارات دولار من كبرى صناديق الائتمان الخاص.
العملات المشفرة فشلت في اختبار كونها ملاذا آمنا. البيتكوين تراجعت بنحو 22% منذ بداية العام رغم تراجع مؤشر الدولار. أحد المحللين المخضرمين وصف الواقع بوضوح: عندما ضربت التوترات النقدية كان من المفترض أن يتصرف البيتكوين كمخزن للقيمة لكنه تصرف كسهم عادي مرتبط بمؤشر S&P 500. بدلا منه أثبت الذهب أنه الملاذ الوحيد الموثوق. المحللون في غولدمان ساكس يستهدفون سعر 5400 دولار للأونصة وسوسيتيه جنرال تعتبر ستة آلاف دولار خط الأساس المحافظ. أصحاب رؤوس الأموال الكبار يتجهون الآن نحو الذهب والسلع الحقيقية والسندات الحكومية قصيرة الأجل متخلين عن الأصول الخطرة. تقارير من بنوك خاصة في سويسرا تفيد بأن طلبات فتح خزائن ذهب جديدة ارتفعت بنسبة 300% منذ بدء الحرب وهي أعلى نسبة منذ الحرب الروسية الأوكرانية.
في الختام العالم ليس مقبل على كساد عالمي فوري بل على ركود تضخمي معتدل يمتد لسنوات. صندوق النقد الدولي الذي كان يتوقع نمو عالمي بنسبة 3,3% لعام 2026 سيخفض هذه التوقعات بشكل كبير ويرفع تقديرات التضخم. وكالة فيتش للتصنيف الائتماني تتوقع في سيناريوها الأسوأ أن ينخفض الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي العالمي 8,0% مع تضخم أعلى بمقدار 1,3%. المناطق الأكثر تضررا ستكون كوريا الجنوبية واليابان والولايات المتحدة بينما ستواجه الهند وتركيا زيادات تضخمية تتجاوز اثنين بالمائة. أما الكساد العالمي الكامل فهو وارد بقوة إذا استمر إغلاق مضيق هرمز لأكثر من شهرين إضافيين أو إذا تدهورت الأوضاع إلى مواجهة عسكرية مباشرة. في هذه الحالة يحذر خبراء في أوكسفورد إيكونوميكس من أن النفط قد يقفز إلى مائة وتسعين دولار وعندها سيهبط النمو العالمي إلى ما دون الصفر.
التوصية واضحة: تنويع المحافظ بين الذهب بنسبة لا تقل عن خمسة عشر بالمائة والسلع الطاقة المباشرة والأصول الآسيوية غير الدولارية. فالاقتصاد العالمي لم يعد يعتمد على الدولار كما كان والندوب التي خلفتها الحرب ليست مجرد أرقام في نشرات اقتصادية بل قد تكون إعلان ولادة عالم مالي جديد. ومن يقرأ معالمه مبكرا سيكون في طليعة المستفيدين.

دكتور طارق عاشور

أستاذ زائر للاقتصاد في جامعة بيرزيت، وباحث اقتصادي في معهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي. متخصص في سياسات المالية العامة والاقتصاد الكلي، وله أبحاث منشورة تركز على تحليل التحديات الهيكلية للاقتصاد الفلسطيني، بما في ذلك السياسات المالية، وأسواق العمل، وأثر الاحتلال على الأداء الاقتصادي والتنمية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى