من الدولة الفلسطينية إلى أزمة النظام الدولي: كيف تحولت فلسطين إلى اختبار لسياسة لولا الخارجية؟

د. راسم بشارات – المدير العام لجمعية جسور لدراسات الهجرة والتماسك الاجتماعي والتعاون الثقافي. دكتوراه في دراسات غرب آسيا، باحث و محلل، مختص في الشأن الفلسطيني واللاتيني. مفوض العلاقات الخارجية لدى منظمة البيدر للدفاع عن حقوق البدو والقرى المستهدفة في فلسطين
“أجيال من الفلسطينيين ستحمل الألم والصدمة التي خلفتها الإبادة التي ارتكبتها حكومة نتنياهو ضد النساء والأطفال في غزة”. لويس ايناسيو لولا دا سيلفا
في سبتمبر 2023، وقف لويس إيناسيو لولا دا سيلفا للمرة الأولى بعد عودته إلى الرئاسة البرازيلية على منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة، حاملا معه وعدا بإعادة البرازيل إلى قلب النظام متعدد الأطراف بعد سنوات من تراجع حضورها الدولي. يومها لم تكن فلسطين تحتل موقعا مركزيا في خطابه، لكنها ظهرت باعتبارها أحد أكثر الأدلة وضوحا على عجز المجتمع الدولي عن حل النزاعات القديمة. قال لولا إن صعوبة ضمان إنشاء دولة للشعب الفلسطيني تكشف استمرار أزمات لم يتمكن النظام الدولي من تسويتها.
بعد ثلاثة أعوام فقط، تغيرت الصورة بصورة جذرية. في افتتاح الدورة الـ81 للجمعية العامة، في 22 سبتمبر 2026، لم تعد فلسطين بالنسبة إلى لولا مجرد قضية تنتظر حلا سياسيا، ولا مجرد نزاع إقليمي مزمن. أصبحت، في خطابه، اختبارا لمصداقية الأمم المتحدة، ولقدرة القانون الدولي على حماية المدنيين، ولما إذا كان النظام متعدد الأطراف قادرا فعلا على تقييد استخدام القوة عندما يتعلق الأمر بشعب لا يملك مقعدا دائما في مجلس الأمن.
بين خطاب 2023 وخطاب 2026 لا تكمن القصة فقط في انتقال لولا من لهجة هادئة إلى لغة أكثر حدة تجاه إسرائيل. التحول الأهم هو أن موقع فلسطين نفسه داخل السياسة الخارجية البرازيلية تغير: من ملف سياسي مرتبط بقيام دولة فلسطينية إلى عدسة تنظر من خلالها برازيليا إلى أزمة أوسع تتعلق بالاحتلال والاستيطان والقانون الدولي وشلل مجلس الأمن وتوزيع القوة داخل النظام العالمي.
البداية: دولة فلسطينية مؤجلة
عندما تحدث لولا أمام الجمعية العامة في سبتمبر 2023، كانت سياسته تجاه فلسطين منسجمة مع الموقف البرازيلي التقليدي الذي سبق عودته إلى السلطة: الاعتراف بحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم، دعم حل الدولتين، والتأكيد على أهمية المفاوضات وتعددية الأطراف.
لكن خطاب 2023 كان لا يزال يضع القضية في إطار النزاع الذي لم يجد طريقه إلى التسوية. لم تكن غزة في مركز الخطاب، ولم يكن هناك اتهام مباشر للحكومة الإسرائيلية بارتكاب جرائم، ولم تكن فلسطين قد تحولت بعد إلى قضية مواجهة سياسية وقانونية بين البرازيل وإسرائيل.
كان السؤال آنذاك بسيطا في ظاهره: لماذا فشل المجتمع الدولي في تحقيق الدولة الفلسطينية رغم مرور عقود على قرارات الأمم المتحدة ومسارات التفاوض؟
بعد أقل من ثلاثة أسابيع، جاء هجوم 7 أكتوبر 2023، ثم الحرب الإسرائيلية على غزة، لتنتقل القضية إلى مرحلة مختلفة تماما. فالبرازيل، التي كانت تتولى آنذاك الرئاسة الدورية لمجلس الأمن، وجدت نفسها أمام اختبار مبكر لمشروع لولا الذي يقوم على تنشيط الدبلوماسية متعددة الأطراف. ومنذ الأيام الأولى، حاولت برازيليا الجمع بين إدانة هجمات حماس والمطالبة بحماية المدنيين الفلسطينيين وفتح الممرات الإنسانية ووقف القتال والعودة إلى المسار السياسي.
لكن الأحداث دفعت الموقف البرازيلي تدريجيا من الدبلوماسية السياسية إلى المجال القانوني.
يناير 2024: اللحظة التي دخل فيها لولا إلى معركة القانون الدولي
كانت الخطوة الأكثر دلالة في يناير 2024، عندما أعلن لولا دعمه السياسي لتحرك جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية ضد إسرائيل بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية.
وزير الخارجية البرازيلي ماورو فييرا أوضح في حينه أن الدعم السياسي البرازيلي لمبادرة جنوب أفريقيا لا يمثل حكما مسبقا على جوهر القضية ولا يعني أن البرازيل حسمت قانونيا وقوع جريمة الإبادة، وإنما يرتبط بالسعي إلى حماية السكان الفلسطينيين وتطبيق الاتفاقية الدولية.
هذه النقطة مهمة لأنها تكشف بداية التحول الحقيقي. إذ أن البرازيل لم تعد تقول فقط إن على المجتمع الدولي أن يساعد الفلسطينيين على إنشاء دولتهم؛ بل بدأت تستخدم المؤسسات القضائية الدولية باعتبارها إحدى أدوات التعامل مع الأزمة.
وفي فبراير 2024، شاركت البرازيل أمام محكمة العدل الدولية في الإجراءات المتعلقة بالآثار القانونية للسياسات والممارسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية. وفي يوليو من العام نفسه أصدرت المحكمة رأيا استشاريا مهما بشأن الاحتلال.
خلصت المحكمة، في رأيها الصادر في 19 يوليو 2024، إلى أن السياسات والممارسات الإسرائيلية، بما فيها المستوطنات والبنية التحتية المرتبطة بها ومصادرة الأراضي والضم والتهجير، أحدثت تغييرات في الطابع المادي والوضع القانوني والتركيبة الديمغرافية ووحدة الأراضي الفلسطينية المحتلة. كما اعتبرت أن هذه السياسات تعرقل ممارسة الشعب الفلسطيني لحقه في تقرير المصير.
هنا بدأت فلسطين تأخذ موقعا جديدا في التفكير الدبلوماسي البرازيلي: لم تعد القضية فقط كيف نصل إلى حل الدولتين، وإنما كيف يمكن الوصول إليه في ظل بنية احتلال واستيطان تقول المؤسسات القانونية الدولية إنها تقوض وحدة الأرض الفلسطينية وإمكانية ممارسة حق تقرير المصير.
خطاب 2024: من نزاع إلى عقاب جماعي
عندما عاد لولا إلى منصة الجمعية العامة في سبتمبر 2024، كانت لغة خطابه مختلفة جذريا، فقد قال إن ما بدأ، بحسب توصيفه، بهجوم إرهابي على مدنيين إسرائيليين تحول إلى عقاب جماعي للشعب الفلسطيني بأكمله، مشيرا إلى سقوط أكثر من 40 ألف قتيل في غزة آنذاك، معظمهم من النساء والأطفال. وأضاف عبارته الأكثر شهرة في ذلك الخطاب؛ حق الدفاع تحول إلى حق في الانتقام.
لم يكن ذلك مجرد تصعيد لغوي. فبينما ظل لولا متمسكا بحل الدولتين وإدانة هجمات حماس، بدأ يضع الحرب في إطار مختلف: إطار القانون الدولي الإنساني وحدود استخدام القوة وحماية المدنيين.
وبذلك انتقلت القضية الفلسطينية في خطاب الرئاسة البرازيلية من سؤال سياسي حول غياب الدولة الفلسطينية إلى سؤال يتعلق بكيفية استخدام القوة ومن يتحمل مسؤولية حماية المدنيين.
وهذا التحول تزامن مع المسار الذي كانت البرازيل قد دخلته في محكمة العدل الدولية، ما جعل الخطاب السياسي والتحرك القانوني يسيران في اتجاه واحد.
2025: فلسطين تصبح اختبارا للقانون الدولي
في خطاب افتتاح الدورة الـ80 للجمعية العامة في سبتمبر 2025، ارتفعت حدة الخطاب مرة أخرى، حيث قال لولا إن الوضع في فلسطين يمثل، في نظره، المثال الأكثر وضوحا على الاستخدام غير المتناسب وغير القانوني للقوة. وفي الوقت نفسه وصف هجمات حماس بأنها غير قابلة للدفاع عنها، لكنه قال إن ذلك لا يبرر ما وصفه بالإبادة الجماعية في غزة. كما تحدث عن استخدام الجوع كسلاح وعن استمرار التهجير القسري.
لكن الجملة الأهم سياسيا كانت تلك التي ربط فيها مصير الشعب الفلسطيني بمصير النظام الدولي نفسه. فقيام دولة فلسطينية مستقلة، في خطابه، لم يعد مجرد نتيجة مرغوبة لمسار تفاوضي؛ أصبح اختبارا لما إذا كان المجتمع الدولي قادرا على تطبيق القواعد التي يقول إنه يؤمن بها.
وهنا يظهر أحد المفاتيح الرئيسية لفهم سياسة لولا؛ فلسطين بالنسبة إلى البرازيل ليست ملفا منفصلا عن إصلاح النظام الدولي، وإنما إحدى ساحاته العملية.
2026: عندما أصبحت فلسطين مرآة لأزمة الأمم المتحدة
في 22 سبتمبر 2026، وصل المسار إلى مرحلة جديدة، حيث افتتح لولا خطابه أمام الدورة الـ81 بمهاجمة ما وصفه بتراجع قدرة الأمم المتحدة على منع الحروب، وانتقد شلل مجلس الأمن واستخدام حق النقض، قائلا إن مصداقية المنظمة أصبحت في أدنى مستوياتها. وأكد أن العالم أصبح رهينة لعدم قدرة مجلس الأمن على أداء دوره.
ثم انتقل إلى فلسطين، حيث وضع لولا فلسطين داخل تشخيصه لأزمة النظام الدولي، وليس في فصل منفصل عن بقية الأزمات، فقد قال إن أجيالا من الفلسطينيين ستحمل الألم والصدمة الناتجين عن ما وصفه بالإبادة التي ارتكبتها حكومة بنيامين نتنياهو ضد النساء والأطفال في غزة، لكنه في الوقت نفسه أشار إلى أن المدنيين الإسرائيليين دفعوا ثمن تطرف وتعصب هجمات حماس الإرهابية.
ثم انتقل من غزة إلى الضفة الغربية، ومن الحرب إلى الاستيطان، ليقول إن استمرار بناء المستوطنات يجعل حل الدولتين أقل قابلية للتحقق. وأكد أن حل الدولتين يبقى ضروريا لكي يعيش الإسرائيليون والفلسطينيون بأمان.
فرانشيسكا ألبانيزي
في خطاب 2026، لم يكتفِ لولا بانتقاد الحرب والاستيطان، بل دافع علنا عن فرانشيسكا ألبانيزي، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، قائلا إنه لا ينبغي إسكاتها بسبب قولها الحقيقة. كما انتقد استهداف المحكمة الجنائية الدولية وأعضائها، معتبرا أن تقويض المؤسسات القضائية الدولية يشجع على الإفلات من العقاب.
وهذا التطور مهم لأنه يكشف أن المعركة التي يراها لولا لم تعد تدور فقط حول من يسيطر على الأرض، بل حول من يملك القدرة على تعريف الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها وتطبيق قواعد القانون الدولي.
وبذلك تصبح فلسطين نقطة التقاء بين ثلاثة مسارات في السياسة الخارجية البرازيلية: الدبلوماسية، والقانون الدولي، وإصلاح مؤسسات النظام متعدد الأطراف.
الاستيطان: الحلقة التي تربط غزة بالضفة
من أكثر التحولات أهمية في خطاب لولا أن غزة لم تعد منفصلة عن الضفة الغربية. ففي السنوات الأولى بعد عودته إلى السلطة، كان الحديث البرازيلي يركز بصورة أكبر على الدولة الفلسطينية وحل الدولتين. لكن مع مرور الوقت أصبح الاستيطان يحتل موقعا مركزيا في تفسير لماذا يصبح الحل السياسي أكثر صعوبة.
وهذا يتقاطع مع رأي محكمة العدل الدولية الصادر في يوليو 2024، الذي تناول بصورة مفصلة سياسة الاستيطان ومصادرة الأراضي والضم والتهجير وتغيير الوضع الديمغرافي للأراضي المحتلة، إذ أن المحكمة وصفت آثار هذه السياسات بأنها تقوض سلامة الأراضي الفلسطينية وحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير.
لذلك فإن إشارة لولا في 2026 إلى المستوطنات ليست إضافة عرضية إلى خطابه عن غزة؛ إنها جزء من تصور متكامل يرى أن الحرب قد تكون الحدث الأكثر دموية، لكن الاستيطان هو أحد العوامل التي تعيد تشكيل الخريطة السياسية والجغرافية التي يفترض أن يقوم عليها حل الدولتين.
الخاتمة: فلسطين لم تعد قضية لولا… بل اختبارا للنظام الدولي
بين 2023 و2026، تغير موقع فلسطين في خطاب لولا داخل الأمم المتحدة بصورة لافتة. ففي 2023 ظهرت أساسا بوصفها قضية سياسية مؤجلة، مرتبطة بفشل المجتمع الدولي في إنهاء الصراع وإقامة الدولة الفلسطينية. وفي 2024 تحولت إلى عنوان لأزمة إنسانية وحرب واسعة، قبل أن تنتقل في 2025 إلى قلب النقاش حول القانون الدولي واستخدام القوة والإفلات من العقاب. أما في 2026، فقد أصبحت فلسطين جزءا من تشخيص أوسع لأزمة النظام الدولي نفسه؛ إذ وضع لولا معاناة الفلسطينيين في السياق ذاته الذي تحدث فيه عن شلل مجلس الأمن، وتراجع مصداقية الأمم المتحدة، وتآكل قدرة النظام متعدد الأطراف على فرض قواعده.
وهنا تكمن النقلة الأهم. ففلسطين لم تعد في خطاب الرئيس البرازيلي مجرد ملف من ملفات السياسة الخارجية، بل أصبحت اختبارا عمليا للسؤال الذي يكرره لولا منذ عودته إلى السلطة: هل ما زال القانون الدولي يملك القدرة على تقييد القوة، أم أن النظام الدولي أصبح يعمل وفق ميزان القوة أكثر مما يعمل وفق قواعده المعلنة؟. وفي خطابه عام 2026، ربط لولا صراحة بين استمرار الحرب في غزة، والاستيطان في الضفة الغربية، وشلل مجلس الأمن، داعيا إلى استعادة الأمم المتحدة لدورها كضامن للسلام الدولي.
لكن المفارقة التي تكشفها السنوات الأربع أكثر أهمية من تطور اللغة نفسها: فكلما أصبح خطاب لولا أكثر صراحة في إدانة ما يجري في غزة، أصبح التناقض أكثر وضوحا بين التمسك بحل الدولتين وبين الوقائع التي يقول الخطاب البرازيلي نفسه إنها تقوض إمكانية تحقيقه، وفي مقدمتها التوسع الاستيطاني. وفي الوقت نفسه، لم تتحول هذه اللغة إلى قطيعة دبلوماسية شاملة؛ ولذلك يبقى السؤال الحقيقي ليس إلى أي مدى ارتفعت حدة خطاب البرازيل، بل إلى أي مدى تستطيع تحويل هذا الخطاب إلى أدوات تأثير فعلية على الأرض؟
وهذه هي النقطة التي تجعل فلسطين اختبارا للسياسة الخارجية البرازيلية نفسها. البرازيل تريد الدفاع عن التعددية، وإصلاح مجلس الأمن، وتعزيز دور القانون والمؤسسات الدولية، وإعطاء دول الجنوب وزنا أكبر في صناعة القرار العالمي. لكن نجاح هذا المشروع لا يقاس بعدد البيانات أو حدة الخطب، وإنما بقدرة هذه المؤسسات على إنتاج نتائج عندما تكون مصالح القوى الكبرى على المحك.
من هنا، تختصر فلسطين مسار لولا في الأمم المتحدة خلال أربع سنوات: في 2023 كانت دولةً مؤجلة، وفي 2024 أصبحت حربا إنسانية، وفي 2025 تحولت إلى اختبار للقانون الدولي، وفي 2026 أصبحت مرآة لأزمة النظام الدولي نفسه.
ويبقى السؤال الذي تضعه فلسطين أمام سياسة لولا: هل تستطيع البرازيل تحويل تصاعد موقفها الدبلوماسي والقانوني إلى قوة تأثير فعلية، أم أن فلسطين ستظل تكشف، مرة أخرى، المسافة بين ما يستطيع النظام الدولي أن يقوله وما يستطيع فعله؟




