هل تصبح المغير ذكرى؟ من حصار القرية إلى تفكيك شرق رام الله.

بقلم: م. معتصم حميدة
باحث في العلاقات الدولية والدبلوماسية.
القرى لا تموت فقط عندما تهدم منازلها أو يطرد سكانها قد يبدأ موتها حين تصبح الأرض بعيدة، والطريق مخاطرة، والموسم مستحيلا، والماء هدفا، والبقاء عبئا اقتصاديا. عندها تبقى القرية على الخريطة، لكنها تفقد تدريجيا وظيفة المكان: أن يحمي سكانه، ويطعمهم، ويبقيهم على صلة بأرضهم.
هذا ما يجري في المنطقة الشرقية من محافظة رام الله والبيرة. ففي السادس عشر والسابع عشر من تشرين الأول 2026، تعرض قاطفو الزيتون في أبو فلاح ودير جرير للاعتداء، وأحرقت أشجار ومركبات، ونفق عشرون رأسا من الأغنام بعدما طعنها مستوطنون في كفر مالك. وفي يوم واحد، رصدت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان خمس عشرة واقعة استهدفت المزارعين ومحاصيلهم في المحافظة. هذه الحوادث ليست متطابقة، ولا تثبت وحدها أنها صدرت عن غرفة عمليات واحدة، لكن نتائجها تتجه في المسار نفسه: إضعاف الوجود الفلسطيني، ورفع كلفة بقائه، ودفعه بعيدا عن الأرض من دون إعلان خطة تهجير رسمية.
تمتد المنطقة الشرقية، من الغرب إلى الشرق تقريبا، عبر أربعة عشر تجمعا وهم:
دورا القرع، بيتين، يبرود، عين يبرود، برقا، سلواد، دير دبوان، المزرعة الشرقية، أبو فلاح، دير جرير، رمون، الطيبة، كفر مالك، وصولا إلى المغير. ولا تقع هذه القرى على خط مستقيم، بل تتوزع على محاور متداخلة تجمع بينها الأراضي الزراعية والمراعي ومصادر المياه والطرق الممتدة نحو الأغوار. لذلك لا يبقى الاعتداء على عين سامية شأنا يخص كفر مالك، ولا يقتصر إغلاق سهل المغير على قرية المغير وحدها. كل موقع يؤدي وظيفة داخل منظومة واحدة للحياة والإنتاج، واستهداف أي جزء منها يضعف المنطقة كلها.
ما تتعرض له هذه القرى ليس سلسلة حوادث منفصلة، بل عملية متدرجة لإعادة تشكيل مجال جغرافي واحد، بما يخدم تمدد المشروع الاستيطاني الإسرائيلي بين وسط الضفة والأغوار.
والمغير ليست استثناء، بل الحالة الأكثر اكتمالا لمسار بدأ يظهر في القرى المحيطة. ففي السادس من تشرين الأول، قال رئيس مجلسها أمين أبو عليا إن القرية تعيش حصارا شاملا، وتحاصرها إحدى عشرة إلى اثنتي عشرة بؤرة استيطانية، فيما يحرم المزارعون من موسم الزيتون للعام الثالث. كما أغلق مدخل السهل الشرقي ببوابة عسكرية، وجرفت، بحسب تقديراته، أكثر من اثنتي عشرة ألف شجرة زيتون في السهل الذي يصل القرية بأراضيها الممتدة نحو الأغوار.
ووفقا لتقديرات رئيس المجلس التي نقلتها «وفا»، أصبح أكثر من اثنين وأربعين ألف دونم من أصل نحو ثلاثة وأربعين ألفا خارج قدرة الأهالي على الوصول المنتظم، ولم يبق لهم فعليا سوى الحيز السكني. وهذه أرقام محلية تحتاج إلى مسح رسمي، لكنها تكشف حجم التحول: القرية لا تخسر أرضا فحسب، بل تفقد القاعدة الاقتصادية التي تسمح لأهلها بالبقاء فيها.
نحن أمام ما يمكن تسميته المحو الوظيفي للمكان:
أن تبقى ملكية الفلسطيني مثبتة في الأوراق، بينما يفقد القدرة على الوصول إلى أرضه واستثمارها وحمايتها. وبعد سنوات، تستخدم قلة الحضور التي صنعها المنع والعنف دليلا معكوسا على أن الأرض متروكة. فالسيطرة لا تنتظر تهجير الفلسطيني من بيته؛ إنها تبدأ بإخراج الأرض من حياته اليومية.
لهذا لا تقاس السيطرة بالدونمات المصادرة وحدها، بل بالقدرة على التحكم في تدفقات الحياة: حركة الناس، ووصول الماء، ونقل المحصول، واستخدام الطريق. من يتحكم في هذه التدفقات يستطيع إخضاع المكان قبل أن يغير ملكيته القانونية. وعندما يخسر المزارع موسمه، ويحرم الراعي من مرعاه، ويتحول الطريق إلى مخاطرة يومية، ترتفع كلفة البقاء حتى تغدو المغادرة خيارا اضطراريا لا قرارا حرا.
والصراع يدور على الزمن أيضا. فكل اعتداء جديد يبدأ من الواقع الذي صنعه الاعتداء السابق: بوابة تتحول إلى أمر واقع، وطريق يفقده المزارعون، وبؤرة تصبح نقطة انطلاق نحو مساحة أخرى. أما الرد الفلسطيني، فيبدأ غالبا من الصفر: إدانة، وزيارة، وحصر أضرار، ثم انتظار الحادثة التالية. وبين مشروع يراكم الوقائع واستجابة تتقطع بعد كل اعتداء، تتغير الجغرافيا بهدوء.
وفي عين سامية يظهر الترابط بين الأرض والماء والاقتصاد. فقد أعلنت مصلحة مياه محافظة القدس في تموز 2026 توقف الضخ بعد اعتداءات متكررة على خطوط المياه، وكان اعتداء الرابع والعشرين من تموز هو الثالث خلال أسبوع. وتعد الآبار مصدرا رئيسيا لأكثر من تسعة عشر تجمعا سكانيا. أي إن استهداف موقع واحد يستطيع إرباك الأمن المائي لقطاع واسع من المحافظة، ونقل قرى كاملة من سؤال السيادة على الماء إلى سؤال الحصول عليه أصلا. ولهذا لا تكفي صيانة الخط بعد تخريبه؛ بل تلزم حماية منشآت المياه وإعداد بدائل تشغيل للطوارئ، لأن الماء هنا جزء من أمن البقاء، لا خدمة فنية فقط.
وقد دفعت المغير ثمنا يتجاوز الاقتصاد. فمن استشهاد الطفل أوس النعسان وجهاد أبو نعيم في واقعة قرب المدرسة تداخل فيها وجود المستوطنين مع تدخل قوات الاحتلال، إلى استشهاد عمر محمد ناجي النعسان والطفل خليل راسم شحادة في الثاني من أيلول 2026، تختلف تفاصيل الفاعل المباشر من واقعة إلى أخرى، ولا يجوز دمجها قانونيا في رواية واحدة. لكن المشهد المحيط يتكرر: اقتحام أو اعتداء استيطاني، وتدخل عسكري يحمي اختلال القوة القائم أو يوجه النار إلى الأهالي، ثم عودة الفلسطيني إلى مساحة أضيق. وبحسب رئيس المجلس، أطلق قناصة من جيش الاحتلال النار عندما تصدى السكان لسرقة الأغنام.
وسواء أكانت كل واقعة نتيجة قرار مركزي أم ثمرة تلاقي أدوار ميدانية متقاربة، فإن الحصيلة واضحة:
عنف استيطاني يفتح المجال، وقوة احتلال تحمي اختلاله، وزمن يثبت أثره، واستجابة فلسطينية متقطعة، وصمت دولي يخفض كلفته. بهذه الطريقة يخرج المكان من حياة الفلسطيني قبل أن يخرج اسمه من سند الملكية.
لكن السؤال الأصعب ليس:
ماذا حدث للمغير؟
بل:
ماذا بعد المغير؟
إذا استمر هذا المسار، فالمرحلة التالية ليست بالضرورة هدم القرية غدا، وإنما بلوغ عتبة اللاعودة الجغرافية؛ أي اللحظة التي يصبح فيها فصل القرى عن أراضيها ومياهها وطرقها واقعا يصعب عكسه، حتى لو بقيت الملكية الفلسطينية ثابتة في السجلات. ستتحول التجمعات إلى جزر سكانية محصورة داخل مخططاتها، بينما تنتقل السيطرة الفعلية على المساحات الواقعة بينها إلى البؤر الاستيطانية وشبكات الطرق والحماية العسكرية. وعندها لا تضيع الأرض وحدها؛ تتفكك وحدة المنطقة، ويضيق الاتصال الفلسطيني بين وسط الضفة والأغوار.
من هنا يكتسب تحذير رئيس مجلس المغير من الانتظار حتى تصبح القرية «ذكرى» معنى يتجاوز البلاغة.
فالذاكرة الفلسطينية تعرف قرى عام 1948 التي بقيت أسماؤها بعدما أزيل أهلها وعمرانها.
وقد وثقت مؤسسة الدراسات الفلسطينية أكثر من أربعمئة قرية دمرت أو هجر سكانها خلال النكبة، فيما تشير الأمم المتحدة إلى اقتلاع أكثر من 750 ألف فلسطيني.
ليس الخطر أن يتكرر مشهد عام 1948 بالصورة نفسها، بل أن تتكرر نتيجته بأدوات أبطأ: بؤرة رعوية، وبوابة عسكرية، ومنع موسم، وتخريب بئر، وطريق غير آمن، واقتصاد يفقد قدرته على إبقاء الناس. قد تختلف الأداة، لكن النتيجة المحتملة واحدة:
إعادة كتابة المكان من دون أهله.
وهنا لا يعود السؤال موجها إلى الاحتلال وحده، بل إلى النظام الدولي الذي بنى مؤسساته بعد الحرب العالمية الثانية على وعد حماية الشعوب ومنع التهجير.
وقد جاء الاختبار الأكثر مباشرة لهذه الفجوة في السابع عشر من تشرين الأول، عندما هاجم مستوطنون قرب الطيبة وفدا ضم دبلوماسيين من بلجيكا وفرنسا وبولندا وممثلين كاثوليك، واعتدوا على رئيس بلدية أولنوا-إيمري الفرنسية برنار بودو، وألحقوا أضرارا بمركبة دبلوماسية بلجيكية. وسبق ذلك بيوم الاعتداء على مصورة «واشنطن بوست» الأميركية هايدي ليفين أثناء تغطيتها موسم الزيتون في أبو فلاح.
وفي التاسع عشر من الشهر نفسه، أعلنت الشرطة الإسرائيلية توقيف عشرة مشتبه بهم على صلة بالتحقيق في موجة الاعتداءات. غير أن الاختبار الحقيقي لا يكمن في التوقيف المؤقت، وإنما في المحاسبة القضائية ومنع تكرار العنف. وتكشف هذه الوقائع مفارقة يصعب تجاهلها: ما يعيشه الفلسطيني يوميا لا يتحول إلى أزمة دولية بالسرعة نفسها إلا عندما تصاب صحفية أجنبية أو تمتد يد المعتدي إلى دبلوماسي. وإذا كانت الصفة الدبلوماسية لم تحم ممثلي الدول خلال زيارة ميدانية، فمن يحمي الفلسطيني الذي يبقى فوق هذه الأرض بعد مغادرتهم؟
بحسب خطاب الرئيس محمود عباس أمام الجمعية العامة في أيلول 2026، باتت نحو 160 دولة تعترف بفلسطين.
لكن ماذا يعني أن يعترف العالم بالدولة، ثم يراقب الأرض التي يفترض أن تقوم عليها وهي تقطع إلى جزر؟
الاعتراف لا ينشئ تلقائيا التزاما عسكريا بالدفاع عنها، لكنه لا يجوز أن يبقى شهادة دبلوماسية. يجب أن يجعل تدمير الدولة المعترف بها مكلفا قانونيا وسياسيا واقتصاديا؛ وإلا أصبح اعترافا بفكرة يجري تدمير شروطها على الأرض.
وقانونيا، أكدت محكمة العدل الدولية في رأيها الصادر في التاسع عشر من تموز 2024 عدم قانونية استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة، وقررت أن على الدول عدم الاعتراف بشرعية الوضع الناشئ عنه وعدم تقديم العون أو المساعدة في استمراره. ومن هنا تستطيع الدول الانتقال من الاعتراف الشكلي إلى الفعل: حظر التعامل مع المستوطنات ومموليها، ومحاسبة مرتكبي العنف، ودعم المساءلة الدولية، وتوفير حضور دبلوماسي منتظم في المناطق المهددة.
فالأزمة ليست في غياب القانون أو المعرفة، العالم يرى الأرض وهي تتغير. الأزمة في غياب كلفة الانتهاك حين يصطدم القانون بموازين القوة. وهكذا تتحول المؤسسات التي أنشئت لمنع المأساة إلى مؤسسات توثقها بعد وقوعها.
لكن مساءلة العالم لا تعفي الفلسطينيين من مسؤوليتهم.
المطلوب قرار من مجلس الوزراء باعتماد مخطط وطني للحماية المكانية والاقتصادية للمنطقة الشرقية، واعتبارها نطاقا ذا أولوية وطنية، وتخصيص موازنة ثابتة له.
وتتولى هيئة مقاومة الجدار والاستيطان تنسيقه ميدانيا مع المحافظة والوزارات والمجالس المحلية، بمشاركة المزارعين وأصحاب الأراضي في تصميمه ومراقبة تنفيذه.
وتبدأ المرحلة الأولى خلال تسعين يوما بسجل جغرافي رقمي موحد للأراضي والطرق والآبار والمراعي الأكثر تهديدا، ليكون أساسا لمخطط حماية وتنمية، لا أرشيفا جديدا للأضرار. ويرتبط كل موقع بتدخل واضح: تأهيل طريق زراعي، أو دعم الزراعة والرعي، أو حماية منشأة مياه وتوفير بديل للطوارئ، أو إعداد ملف قانوني ودبلوماسي. ويصدر تقرير ربع سنوي معلن يوضح ما أنجز، وما تعطل، ومن يتحمل المسؤولية؛ فما لا يقاس يبقى قابلا للتقليل أو الإنكار.
المطلوب أن تصل المؤسسات إلى الأرض قبل الاعتداء، لا أن تصل إلى أهلها بعده.
فمعركة المنطقة الشرقية تدور بين مشروع يراكم الوقائع وسياسة وطنية يفترض أن تستبقها، وبين من يوظف الزمن للسيطرة ومن ينبغي أن يستعيده للحماية.
المغير اليوم ليست قرية تطلب التعاطف، إنها إنذار مبكر لمستقبل شرق رام الله، وربما لوحدة الضفة كلها.
والقرية لا تصبح ذكرى يوم يهدم آخر بيوتها، بل يوم تنقطع آخر علاقة حية بين أهلها وأرضهم.
فإذا لم تتحول الحماية من رد فعل موسمي إلى سياسة دولة ومسؤولية دولية، فقد تبقى أسماء المغير وعين سامية وأبو فلاح ودير جرير على اللافتات، بينما تكون الجغرافيا التي منحت هذه الأسماء معناها قد أعيد تشكيلها من حولها.
عندها لن يكون السؤال:
كيف ضاعت الأرض في عصر يرى فيه العالم كل شيء؟
بل:
كيف سمح عالم يعترف بفلسطين، ويتغنى بالقانون والحضارة وحقوق الإنسان، بأن يصبح إنقاذ قرية فلسطينية أصعب من توثيق اختفائها؟




