آراء النخب الاكاديمية في العدد الثامن لمجلة أمننا القومي

يعكس العدد الثامن من مجلة “الأمن القومي” تحوّلًا نوعيًا في مقاربة مفهوم الأمن، خاصة في السياق الفلسطيني، حيث لا يقتصر على التهديدات العسكرية، بل يتوسع ليشمل الأبعاد الاقتصادية، الرقمية، المعرفية، الثقافية، والحقوقية. هذا الاتساع المفاهيمي لا يُعبّر فقط عن تطور في أدوات التحليل، بل يعكس وعيًا متقدمًا بأن التهديد الإسرائيلي بات يتسلل عبر أدوات ناعمة لا تقل فتكًا عن السلاح.
في هذا السياق، قدّم د. بيار الخوري دراسة لافتة تدعو إلى بناء استراتيجية اقتصادية فلسطينية بديلة من خلال استثمار التراث الكنعاني، بوصفه رصيدًا حضاريًا يمكن تحويله إلى رافعة إنتاجية تحرّر الفلسطيني من التبعية للنموذجين الريعي والاستهلاكي، وتؤسس لبنية اقتصادية ذات طابع هويّاتي. في الاتجاه ذاته، قدّم د. زيدان كفافي قراءة أثرية في التاريخ الفلسطيني القديم، تعيد الاعتبار للرواية الفلسطينية من خلال التنقيب العلمي في طبقات الجغرافيا والتاريخ، وتقويض المرتكزات الأركيولوجية للرواية الصهيونية.
من ناحية أخرى، تناول د. محمد نجيب بوطالب ظاهرة رفض الفلسطيني للهجرة، محلّلًا دوافعها النفسية والاجتماعية والسياسية، ومبرزًا كيف يتحول التمسّك بالأرض إلى سلوك مقاوم رغم الإغراءات أو التهديدات. وتطرّقت د. خلود العبيدي إلى المقاربة الحقوقية لاتفاق أوسلو في ضوء مشروع “اليهودية المتطرفة”، معتبرة أن الاتفاق لم يُنهِ النزاع بل حوّله إلى أداة شرعنة للتمييز والاقتلاع، داعية إلى بناء مرجعيات قانونية جديدة أكثر اتساقًا مع الواقع ومع القانون الدولي الميداني.
أما د. فؤاد ربايعة، فقد قدّم تحليلًا نقديًا للمناهج الإسرائيلية من خلال تفكيك محتوى دراسي موجّه لطلاب “مدارس الاحتلال”، موضحًا كيف تُبنى المفاهيم المعادية للفلسطيني في عقل الطفل الإسرائيلي منذ المراحل الأولى، ما يستوجب رصدًا مؤسساتيًا فلسطينيًا لمواجهة هذا التراكم الخطابي. وضمن إطار العمل المجتمعي، تناول د. سامي عطاالله أبو غولة تجربة العمل المؤسسي المسيحي في غزة خلال الأزمات، مبرزًا مرونة هذه المؤسسات في التكيّف مع الضغط، وقدرتها على تقديم نموذج تشاركي وفعّال في الخدمة المدنية.
في الجانب التكنولوجي، قدّم د. عامر أبو هنية دراسة حول الذكاء الاصطناعي والدفاعات السيبرانية، مستعرضًا نماذج هجومية ودفاعية من تجارب عالمية، وداعيًا إلى بناء بنية سيبرانية فلسطينية مرنة ومتعددة الشركاء. ويكمل د. أمجد علي الخضر هذا المسار بقراءة معمّقة لتقنيات الرقابة الرقمية الإسرائيلية، لا سيما في تقاطعها بين الاستخدامين الأمني والتجاري، واقترح إطلاق “مدونة سيادة رقمية فلسطينية” لحماية الأفراد والمؤسسات من الانتهاكات التكنولوجية المنظمة.
وفي بعدٍ اجتماعي متصل، قدّمت د. ربى صوافطة قراءة في المساواة بين الجنسين في سوق العمل الفلسطيني، معتبرة أن تحقيق العدالة الجندرية في المجال الاقتصادي ليس مسألة تحسينية بل من عناصر الأمن البشري والاستقرار الاجتماعي، خاصة في ظل تزايد معدلات البطالة والعنف الاقتصادي.
على الرغم من تنوع المواضيع، فإن ما يجمع هذه الدراسات هو محاولتها إعادة تعريف “الأمن القومي” الفلسطيني باعتباره منظومة شاملة تتعامل مع الاحتلال الإسرائيلي كفاعل متعدد الأبعاد والأدوات، لا كلاسيكي في عنفه فقط. من هنا، تتضح قيمة العدد ليس فقط في ما يطرحه من معارف، بل في ما يقدّمه من مناهج تحليلية تؤسس لمقاربة استراتيجية غير تقليدية. ولا يمكن تجاهل دور الباحثين الحاضرين في هذا العدد في ترسيخ هذا التوجه، وهم يجمعون بين التخصص والالتزام الوطني.
هذا العدد لا يقدّم أرشفة معرفية فحسب، بل يشكّل خارطة فكرية يمكن ترجمتها إلى سياسات ومبادرات، يؤكد طبيعة إصدارات المجلة من حيث الترابط، العمق، والوضوح المنهجي




