التعليم ركيزة الأمن القومي

استضاف معهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي يوم الاربعاء الموافق 19 آب ندوة حوارية بعنوان “التعليم ركيزة الأمن القومي”، تحدث فيها وزير التربية والتعليم العالي الدكتور امجد برهم، وادار الجلسة الاستاذ الدكتور محمد شاهين، بحضور اكاديميين وباحثين وتربويين وصناع سياسات في قاعة المعهد بالبيرة.
انعقدت الندوة والسجال العام في ذروته حول قرار الوزارة اعتماد تصميم التعليم المستند الى مصادر التعليم المفتوحة في الصفوف من الاول حتى الرابع الاساسي مع مطلع العام الدراسي 2026/2027. طوال الاسابيع الماضية دار النقاش حول سؤال واحد تكرر في المجالس ووسائل الاعلام: هل تتخلى فلسطين عن كتابها المدرسي؟ وكان اول ما فعله الوزير انه فكك السؤال نفسه، وقال ان الاجابة عنه لا تفيد ما دامت المقدمة التي بني عليها خاطئة.
مصطلح واحد اشعل السجال كله
قال برهم ان الضجة جرى تضخيمها، وان اصل الالتباس ليس في مضمون القرار بل في التسمية التي شاعت بين الناس. فقد قرئ القرار على انه اعتماد لـ”التعليم المفتوح”، وهو مصطلح راسخ في الذاكرة العربية بدلالة مؤسسية محددة: جامعات مفتوحة، وانتساب، وتعلم عن بعد. اما ما اقرته الوزارة فشيء اخر تماما، وهو تطوير المناهج وتصميم الموقف التعليمي باعتماد مصادر التعليم المفتوحة، اي مواد تعليمية مرخصة للاستخدام والتعديل والمشاركة، قد تكون قصة او صورة او ورقة عمل او مقطعا مصورا او حتى عنصرا من البيئة المحيطة بالطفل.
الفرق بين التسميتين ليس فرقا في اللفظ. الاولى تعني نمط تعليم بديلا يحل محل المدرسة، والثانية تعني تنويع مصادر التعلم داخل الغرفة الصفية نفسها. وقد نقل الخلط بينهما النقاش من ارضيته التربوية الى ارضية لا علاقة لها بالموضوع، فصار الحديث عن انترنت واجهزة وشاشات وفجوة رقمية، بينما النموذج المطبق تعليم وجاهي تفاعلي يجري داخل الصف، ولا يقوم على الانترنت ولا على التعلم عن بعد.
وعلى هذا الاساس شدد الوزير على ان الكتاب المدرسي لم يلغ ولن يلغى. يبقى الكتاب احد مصادر التعلم المعتمدة الى جانب مصادر اخرى ينتقيها المعلم، وتبقى الرزم التعليمية مصدرا معتمدا من الوزارة. اما الورقة والقلم فمكانتهما تتعزز في النموذج الجديد لا العكس، لان جزء كبير من التعلم سيقوم على اوراق العمل والكتابة والتعبير، وهي الاوراق نفسها التي تصل الى اولياء الامور بعد انجازها ليتابعوا من خلالها تقدم ابنائهم.
ما الذي سبق القرار
رد الوزير على المخاوف من ترك التعليم لاجتهادات فردية باستعراض المرجعيات التي وضعتها الوزارة قبل التعميم. هناك اطار لكفايات التعلم في كل مبحث يحدد ما ينبغي ان يتعلمه الطفل بصورة متدرجة من سنة الى اخرى، واطار مواز لكفايات المعلم يحدد القدرات المهنية اللازمة لتحقيق تلك الكفايات. والى جانبهما خطط سنوية لكل مبحث توزع الزمن والموضوعات وتوحد نواة التعلم في المدارس كلها، بحيث ينحصر التنوع في المصادر والانشطة لا في النتائج المطلوبة. اما منصات المصادر فلا تفتح لاضافة اي مادة، بل تضم مصادر خضعت للتحكيم والمراجعة وفق معايير تشمل سلامة اللغة وملاءمة عمر الطفل وانسجام المصدر مع الثقافة والقيم الوطنية.
واشار الى ان القرار لم يصدر من فراغ. سبقته تجربة في 64 مدرسة خلال العام الماضي، ودراسة تقييمية وطنية شملت اولياء الامور والمشرفين والمعلمين والمديرين والطلبة. وكشفت الدراسة نقاط قوة ونقاط ضعف عولجت قبل التعميم، في مقدمتها ضعف تاهيل المعلمين في التجربة السابقة، وهو ما دفع الوزارة الى بناء برنامج تاهيل موسع بالشراكة مع الاشراف التربوي.
وفي الشق الاكثر حساسية في نقاش من هذا النوع، وهو الشق الوطني، بين ان الهوية الوطنية والقضايا الفلسطينية في صميم المادة التدريبية التي يتلقاها المعلمون، وان المراجعة الخارجية للاطر اقتصرت على فحص اتساقها الداخلي ولم تضع المحتوى ولم تحدد الاولويات الوطنية، وان المواد لم تعرض على اي جهة مانحة لاعتمادها، اذ وضعت الاطر اولا ثم طرحت على الشركاء لبحث امكانية دعمها.
حصيلة عامين تحت الازمة
استعرض الوزير حصيلة عمل الوزارة خلال العامين الماضيين، وهي حصيلة تحققت في ظل ازمة مالية خانقة وتحت ضغط اقتحامات الاحتلال واغلاقاته:
- انجاز 47 مدرسة جديدة بكلفة 39 مليون دولار، بينها مدارس للتعليم المهني.
- صيانة وتاهيل 490 مبنى تعليميا بكلفة 11 مليون دولار.
- استمرار العمل في بناء 17 مدرسة ومبنى تضم 154 غرفة صفية، والى جانبها اعمال صيانة وتطوير في نحو 50 مدرسة.
- اجراءات تصميم وطرح واحالة عطاءات تشمل 19 مبنى بواقع 128 غرفة صفية و18 مشغلا.
- انشاء 22 روضة لاستيعاب اطفال نازحين من مخيمي طولكرم وجنين.
- تشغيل نحو 900 مدرسة صيفية شارك فيها قرابة 200 الف طالب لمعالجة الفاقد التعليمي المتراكم منذ الجائحة.
- تخريج الفوج الاول من مدربي المعلمين على تصميم التعليم المستند الى مصادر التعليم المفتوحة في الخامس من آب 2026، ضمن مسار تدريبي يستمر حتى بداية العام الدراسي ويشمل المعلمين والمشرفين ومديري المدارس.
واكد ان الاستثمار في المعلم يبقى في مقدمة اولويات الوزارة، لان اي تطوير تربوي حقيقي يمر من خلاله اولا.
التعليم العالي: الجرح الاعمق والملف الاكثر كلفة
انتقل الوزير الى ملف التعليم العالي، وهو الملف الذي تحول خلال عامين من قطاع خدمي الى قضية بقاء. ففي غزة يقدر تقييم اليونسكو ان 95 في المئة من مؤسسات التعليم العالي اصابها الضرر، وان 22 حرما جامعيا دمر بالكامل، وان الاضرار المباشرة في القطاع تبلغ نحو 373 مليون دولار. الاخطر من الحجر ان التقييم رصد 1112 من العاملين في مؤسسات التعليم العالي بين شهيد وجريح ومعتقل، اي نحو 22 في المئة من القوى العاملة التي شملها، مع ترجيح ان تكون الارقام الفعلية اعلى.
وفي مقابل هذا الدمار عرض الوزير ما تحقق في الحفاظ على استمرارية التعليم الجامعي. فبعد توقف العملية التعليمية في اشهر الحرب الاولى، اعيدت الحياة الجامعية عبر التعليم عن بعد بالتعاون بين الجامعات الفلسطينية والعربية، حتى التحق معظم طلبة القطاع بجامعاتهم، فيما التحق نحو 4500 طالب نازح خارج القطاع، معظمهم في مصر، بجامعات مصرية ودولية بصفة “الطالب الزائر” ضمن اتفاقيات عقدتها الوزارة، مع اعطاء الاولوية لطلبة السنوات الاخيرة، وقد تخرج عدد منهم والتحق بسوق العمل.
غير ان الملف لا يقف عند غزة. ففي الضفة الغربية تواجه الجامعات اقتحامات متكررة وقيود على الحركة وحملات اعتقال في صفوف الطلبة، الى جانب ازمة مالية تضغط على قدرة الاسر على دفع الرسوم وعلى قدرة الجامعات على التشغيل.
واكد الوزير ان الوزارة تعمل مع الجامعات والشركاء على توثيق انتهاكات الاحتلال بحق المؤسسات الاكاديمية وملاحقتها في المحافل الدولية، وعلى تطوير المسارات الجامعية نحو برامج متعددة التخصصات تربط مخرجات التعليم بحاجات سوق العمل.
خطة “التعليم من اجل التنمية”
اوضح برهم ان اختزال خطة الوزارة في ملف مصادر التعليم المفتوحة يظلم بقية مكوناتها. فالملف جزء من خطة “التعليم من اجل التنمية” التي تشمل تطوير الابنية المدرسية، وتعويض الفاقد التعليمي، وتوسيع رياض الاطفال الحكومية، وتعزيز التعليم المهني، وتطوير المسارات التعليمية.
في التعليم المهني تستهدف الحكومة رفع نسبة الملتحقين الى نحو 20 في المئة بحلول عام 2030، مقارنة بنسبة تتراوح حاليا بين 12 و13 في المئة. ويرافق ذلك توجه لتجاوز التقسيم التقليدي بين الفرعين العلمي والادبي نحو مسارات تطبيقية تجمع اكثر من مجال، بما ينسجم مع ما تتجه اليه الجامعات نفسها.
وعلى مستوى التقويم، تعمل الوزارة على اطار ينسجم مع التعليم القائم على الكفايات، يقيس المعرفة والمهارة والقيم عبر مهام واقعية مرتبطة بحياة الطفل بدل قياس قدرته على الاسترجاع. كما اعدت وثيقة مرجعية لتعزيز التربية الاعلامية والمعلوماتية تنمي لدى الطلبة القدرة على التحقق من المعلومة قبل تصديقها او اعادة نشرها، ومن المتوقع ان يتوسع هذا التوجه في الصفوف من الخامس حتى التاسع او العاشر ضمن خطط تطوير المراحل اللاحقة.
لماذا في معهد للامن القومي
اختيار المعهد لاستضافة هذه الندوة ليس تفصيلا شكليا. فالمعهد يتعامل مع التعليم بوصفه ملفا من ملفات الامن القومي بمعناه الواسع: منظومة تحمي وعي الجيل وذاكرته وروايته في مواجهة احتلال يستهدف المدرسة والجامعة والمعلم والطالب، وقد بلغ هذا الاستهداف في غزة حد محو مؤسسات تعليمية كاملة من السجلات.
من هذه الزاوية يصبح النقاش حول مصادر التعلم اكبر من نقاش تربوي. فالسؤال عن مرجعية المعرفة التي يتلقاها الطفل الفلسطيني، ومن يحكمها ومن يحدد معاييرها، سؤال سيادة معرفية قبل ان يكون سؤال ادوات. وهو ما جعل النقاش يتواصل بعد الندوة في الصحافة والاوساط الاكاديمية.
خلاصة
خرجت الندوة بتصويب مركزي: ما جرى ليس الغاء للكتاب المدرسي ولا تحولا الى تعليم الكتروني، بل تطوير في تصميم التعليم يوسع مصادر المعلم ويبقي الكتاب واحدا منها. وما رافق القرار من ضجة عاد في جانب كبير منه الى مصطلح استعمل في غير موضعه.
ويبقى امام الوزارة ثلاثة اختبارات عملية لا تحسمها البيانات التوضيحية: جاهزية البيئة المدرسية قبل السادس من ايلول، واستكمال تاهيل المعلمين بمستوى يجعل التنفيذ متقاربا بين مدرسة واخرى، ونشر الدراسة التقييمية التي بنيت عليها الخطة كي يطلع عليها الباحثون واولياء الامور. وكل ذلك تحت سقف ازمة مالية تحد من قدرة الوزارة على التوسع في التجهيز والبناء، وفي ظل ملف تعليم عال ما زال ينزف في غزة وينتظر قرار دولي بحجم الكارثة.







