متلازمة ارتفاع الذهب والنفط والاسهم معا

المشرق يغرق في عطلة نهاية الاسبوع بينما تشتعل الاسواق في الغرب، وهناك رقمان لا يجتمعان عادة. الاول ان احتمال رفع الفائدة الاميركية في ايلول تراجع خلال شهر من النصف الى الثلث، بعد ان فقد الاقتصاد 23 الف وظيفة في تموز ونزل التضخم الى 3.4%. والثاني ان عائد السندات لثلاثين عاما لامس 5.33%، اعلى مستوى منذ 2007. حين تنخفض توقعات الفائدة ويرتفع العائد الطويل معا، فالسبب مؤكد انه ليس الفائدة، ولكن هنالك شيء اخر يرتفع.
هذا الشيء نسميه في الاقتصاد علاوة الاجل وهو ما يطلبه المقرض مقابل مخاطر الاحتفاظ بورقة دين حكومية ثلاثين عاما. وهذه العلاوة هي من انفجر هذا الشهر، وذلك يسر ما تلاها: القفزة في الذهب، وارتداد البتكوين، وضعف الدولار، وتعثر اسهم التكنولوجيا.
ولها اربعة مصادر بنيوية: دين تجاوز 40 تريليون دولار بفاتورة فائدة تقترب من تريليون هذه السنة وتعادل للمرة الاولى مخصصات الانفاق على المؤسسة الامنية والعسكرية في الولايات المتحدة ، وانسحاب المشتري الاجنبي بعد ان انشغلت اليابان بعملتها واخذت اوروبا تبيع سنداتها والصين تحول فائضها الى ذهب، وديون الذكاء الاصطناعي التي تزاحم الخزانة على المقرض نفسه، واخيرا رئيس فيدرالي جديد قال انه غير مقيد باسعار السوق، وغياب الوضوح كلفة تسعر في العائد.
من هنا يفهم صعود الذهب رغم محضر فيدرالي متشدد. المهم له ليس العائد الاسمي بل الحقيقي، اي ما يبقى بعد طرح التضخم المتوقع: عائد العشر سنوات 4.70% وتوقعات التضخم 4.3% مقابل 3.4% قبل الحرب، وفارق كهذا يعني ان كلفة الاحتفاظ بمعدن لا يدر عائدا تكاد تختفي. لهذا اغلق الاربعاء عند 4512 دولارا بارتفاع 4%.
والشرارة جاءت من الخزانة وليس من الفيدرالي . صباح امس الاربعاء اعلنت مضاعفة اعادة شراء سنداتها الطويلة من ملياري دولار الى اربعة في العملية ابتداء من 9 ايلول. المبلغ تافه امام 40 تريليون لكن الاشارة ليست تافهة: العائد الطويل صار هدف سياسة. تيسير كمي في وظيفته وان لم يحمل اسمه.
لكن السوق ردت بسرعة. العائد كان 5.33% الثلاثاء، فهبط الى 5.196% بعد الاعلان، ثم عاد الخميس فوق 5.27% ليستقر عند 5.25%، اي عند مستواه قبل الاعلان بالضبط. عاش التدخل جلسة واحدة، وهذا حكم صادر عن السوق: اربعة مليارات في سوق يتجاوز ثلاثين تريليونا دواء سيولة لمرض ملاءة. والظاهرة ليست اميركية وحدها، فعائد السندات اليابانية بلغ اعلى مستوى في ثلاثة عقود والبوند الالماني اعلى مستوى منذ 2011، اي اننا امام اعادة تسعير عالمية لفكرة ان دين الدول الغنية بلا مخاطر.
وهنا تتضح صلة الرحم بين اسواق تبدو متباعدة. العائد الطويل هو سعر الخصم الذي تقاس به الاصول كلها، فاذا تراجع ارتفع كل ما ليس له دخل ثابت. لذلك تحركت ثلاثة اسواق بخبر واحد في ساعة: الذهب 4%، والفضة اكثر من 6% الى 66.97 دولارا، والبتكوين 8% حتى لامس 70 الف دولار. لكن تشابه الحركة يخفي اختلافا جوهريا. خلف الذهب مشتر يشتري ويحتفظ: البنوك المركزية اشترت 288.9 طنا في الربع الثاني بزيادة 62%، في الفصل نفسه الذي خسر فيه المعدن 16%. سلوكان متعاكسان في التوقيت ذاته لا يعنيان اختلاف في التوقعات بل انتقال ملكية: خرج المالك الحساس للفائدة ودخل مالك يبحث عن اصل خارج النظام، فصارت ارضية الذهب مؤسسية وبقي سقفه نقديا. اما قفزة البتكوين فجاءت من تصفية مراكز بيع قاربت ملياري دولار في يوم، اي شراء اجباري من خاسرين، وهو ما زال دون قمته بنحو 43%. من يضعه مع الذهب في خانة واحدة يخلط بين ملاذ ومكبر صوت.
ويبقى النفط القيد الذي يمنع الانفراج. برنت قرب 93 دولارا بعد انتهاء الهدنة الهشة بين واشنطن وطهران ومضيق هرمز ما زال مصيره مجهول، والحلقة تغذي نفسها: النفط يرفع توقعات التضخم، فترتفع العلاوة، فترتفع كلفة خدمة الدين، فتتوسع تدخلات الخزانة، فتضخ سيولة ترفع الذهب. ولهذا لا يخفف الفيدرالي رغم ضعف سوق العمل، فصدمة العرض لا تعالج بسعر الفائدة.
والاسهم الاميركية تتصرف كانها خارج الحساب: S&P500 عند 7708 نقطة ومؤشر التقلب تحت 16. لكن التقلب لم يختف بل انتقل الى سوق السندات حيث يعيش الخطر. والاخطر ان دورة الذكاء الاصطناعي اصبح كالافعى التي تعض ذيلها: الشركات التي ترفع المؤشرات تمول توسعها باصدارات دين ترفع العائد الطويل، وهو نفسه ما يخفض تقييماتها. لهذا تراجع ناسداك 1.3% الثلاثاء حين بلغت العوائد ذروتها.
وفي اوروبا فالمشهد يبدو متناقضا: ستوكس 600 عند مستوى قياسي قرب 657 نقطة وداكس فوق 26100 لاول مرة، بينما بلغت كلفة اقتراض المانيا لثلاثين عام اعلى مستوى منذ خمسة عشر عام. والظاهرتان وجه واحد: التضخم يرفع الارباح بالاسم ويدفع حامل السند الثمن كاملا. ولا تيسير كمي في الافق، فالمركزي الاوروبي رفع في حزيران ويرجح رفعا جديدا في ايلول.
ومقياس الضغط الحقيقي هو الين. بلغ ادنى مستوى في اربعين عاما قرب 164 للدولار، فتدخلت طوكيو وواشنطن معا في 31 تموز للمرة الاولى منذ 1998، ومولت الخزانة الشراء ببيع اليورو لا الدولار. وبنك اليابان عند 0.75% لا يقوى على الرفع لان دينه لا يحتمل كلفة اعلى. ومن هنا اكبر خطر مؤجل: العالم يقترض بالين الرخيص ليضارب في كل شيء اخر، فاذا رفعه في ايلول باع المضاربون في اسواق لا علاقة لها باليابان. تصحيح ايلول ان جاء يبدا من طوكيو لا من واشنطن.
واوضح اشارة في الاسبوع ان الدولار هبط الى ادنى مستوى في اكثر من شهرين واليورو قرب 1.16 دولار رغم ان الفائدة الاميركية هي الاعلى بين الاقتصادات الكبرى. وحين تعجز فائدة مرتفعة عن دعم عملتها فالسوق تسعر مخاطر الموازنة لا فارق العائد. وامامنا محطتان: خطاب وارش الاول في جاكسون هول يوم 28 اب، ثم اجتماع الفيدرالي في 16 ايلول. والاختبار في الخطاب لا في الارقام: هل يعترف بان العائد الطويل مشكلته ام يتركه للخزانة وحدها؟
على هذا الاساس اقرا الاشهر المقبلة. الذهب اقوى الاصول موقعا لان ارضيته لم تعد معلقة بالفائدة، فاذا بقي برنت فوق 85 دولارا واستمر تدخل الخزانة صار اختبار 4800 دولار واردا قبل نهاية العام، والقمة السابقة قرب 5589 ليست بعيدة في النصف الاول من 2027. وفشل تدخل هذا الاسبوع يزيد هذا الاحتمال ولا ينقصه، لان الخزانة ستضطر الى التوسع مجددا، والتدخل الذي يكرر ولا ينجح اقوى حجة للمعدن. اما الاحتمال المعاكس فاتفاق يعيد فتح هرمز ويسحب علاوة الحرب فيعيد السعر الى نحو 4100 دولار، دون ان يكسر الارضية لان المشتري الرسمي يزيد عند الهبوط.
والدولار الى ضعف تدريجي امام اليورو ما دام المركزي الاوروبي يشدد وواشنطن تضخ، وامام الين تنعكس القاعدة لان ضعفه بنيوي لا يعالجه تدخل موسمي. اما الاسهم فهي الحلقة الاضعف رغم قربها من قممها، والخطر ليس في الارباح بل في طرف المنحنى الطويل: عائد 5.25% يمكن التعايش معه، وعند 5.5% مستقرة تصبح التقييمات غير قابلة للدفاع وخاصة في التكنولوجيا التي حملت الارتفاع وحدها. وبين الرقمين خمس وعشرون نقطة اساس، اي جلستان سيئتان. المؤشر الذي يتابعه المستثمر ليس ارباح الشركات ولا قرار الفائدة، بل سعر الدين الاميركي الطويل. هناك تتحدد اسعار الذهب والاسهم والدولار معا.




