هشاشة الاستقرار في الاردن والجبهة الشرقية لاسرائيل

ترجمة وتعليق اللواء: احمد عيسى
نشر معهد القدس للأمن والاستراتيجية (JISS) يوم الاربعاء الموافق ١٩/٨/٢٠٢٦دراسة للباحثين جابي سيبوني وأبرز وينر بعنوان (هشاشة الاستقرار في الاردن والجبهة الشرقية لاسرائيل)
الفكرة الأساسية
الضغوط الاقتصادية والسياسية الداخلية والتغلغل الإيراني تزيد المخاطر على أطول حدود لإسرائيل. وعلى إسرائيل أن تستعد لاحتمال عدم الاستقرار من خلال تعزيز دفاعاتها وقدراتها الاستخبارية وجاهزيتها العملياتية على الجبهة الشرقية.
المقدمة
نشأت المملكة الأردنية نتيجة الترتيبات السياسية التي أقامتها بريطانيا في الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الأولى. وفي مارس/آذار 1921 قسمت بريطانيا عمليًا أراضي الانتداب، ومنحت عبد الله بن الحسين، نجل الشريف حسين، نحو 78% من أراضي الانتداب في كيان منفصل عُرف باسم إمارة شرق الأردن.
وفي عام 1946 حصلت الإمارة على استقلالها الكامل، وأصبحت المملكة الهاشمية الأردنية.
ولم يكن إنشاء الأردن مجرد ترتيب إداري، بل كان أيضًا استجابة للطموحات الهاشمية التي لم تتحقق في سوريا. وكانت بريطانيا تريد قيام سلطة مستقرة شرق نهر الأردن، تكون صديقة نسبيًا للنفوذ البريطاني وتشكل منطقة عازلة بين أرض إسرائيل والعراق وشبه الجزيرة العربية.
الأردن اليوم أكثر من مجرد دولة مجاورة لإسرائيل؛ فهو جسر مهم بين المشرق العربي والخليج والغرب. وعلاقاته مع دول الخليج وأوروبا والولايات المتحدة تمنحه دورًا إقليميًا مهمًا. لكن هذه العلاقات لا تضمن الاستقرار.
يعاني الأردن من اعتماد كبير على المساعدات الخارجية، وضعف اقتصادي مزمن، وبطالة مرتفعة بين الشباب، ودين عام مرتفع، وشح حاد في المياه، إضافة إلى استضافة أعداد كبيرة من اللاجئين العراقيين والسوريين والفلسطينيين.
وتبلغ الحدود البرية بين إسرائيل والأردن 309 كيلومترات، وهي أطول حدود برية لإسرائيل، وتمتد من منطقة الجولان جنوبًا عبر غور الأردن والبحر الميت ووادي عربة حتى إيلات.
وقد حافظت معاهدة السلام الموقعة عام 1994 على قدر كبير من الاستقرار لأكثر من ثلاثة عقود، مع استمرار التعاون الأمني والاستخباري بين البلدين، ومساهمة إسرائيل في تزويد الأردن بالمياه والطاقة.
لكن خلف هذا الاستقرار توجد ضغوط عميقة.
فهناك انقسام ديموغرافي وأيديولوجي داخل الأردن؛ إذ يستند النظام تقليديًا إلى العشائر البدوية في شرق الأردن، بينما تشكل أصول فلسطينية نسبة كبيرة من السكان. كما توجد تيارات إسلامية وراديكالية، بما فيها جماعة الإخوان المسلمين وعناصر جهادية.
ويعتبر المقال أن أحداث 7 أكتوبر 2023 والحرب اللاحقة زادت حدة هذه التناقضات، وأدت إلى مظاهرات واسعة في الأردن تطالب بإلغاء معاهدة السلام مع إسرائيل.
ويقول الكاتبان إن الإخوان المسلمين يستثمرون المشاعر الوطنية الفلسطينية لتحدي الملك وتصويره باعتباره متعاونًا مع إسرائيل والغرب.
ومع ذلك، يؤكد المقال أن وجود عوامل عدم الاستقرار لا يعني أن النظام عاجز عن إدارتها. فقد تمكن النظام حتى الآن من احتواء أزمات عديدة، ومنها التعاون في اعتراض هجمات إيرانية على إسرائيل، والتحرك ضد البنية المسلحة المرتبطة بالإخوان المسلمين، والحفاظ على قدر من الاستقرار الداخلي.
المشكلة الأساسية، وفق المقال، هي أن هامش المناورة الأردني قد يضيق إذا أصبح الأردن ساحة غير مباشرة للصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، ولا سيما مع تعرض القواعد والقوات الأمريكية في الأردن للتهديد.
الاقتصاد بوصفه نقطة الضعف الأساسية
يرى الكاتبان أن الاقتصاد الأردني ربما يمثل أكبر نقاط الضعف.
فالأردن دولة تعتمد بدرجة كبيرة على المساعدات والمنح الأمريكية والخليجية، وتحويلات الأردنيين العاملين في الخارج.
ومع محدودية الموارد الطبيعية، يعتمد الاقتصاد على الخدمات والسياحة والمساعدات الخارجية. ويجعل ذلك المملكة شديدة الحساسية أمام أي تغير في البيئة الاقتصادية الدولية.
كما أن البطالة المرتفعة، وخاصة بين الشباب، بدأت تهدد العقد الاجتماعي التقليدي مع العشائر البدوية، الذي اعتمد لفترة طويلة على الوظائف الحكومية.
وتؤدي إسرائيل دورًا مهمًا في منع تدهور الاقتصاد الأردني، من خلال اتفاقيات المياه والغاز. لكن هذه العلاقة تحمل مفارقة: فجزء من المجتمع الأردني ينظر إلى الاعتماد على “الغاز الإسرائيلي” و”المياه الإسرائيلية” باعتباره إهانة وطنية.
التغلغل الإيراني والتهديد من الشرق والشمال
يرى المقال أن إيران وحلفائها يحاولون بصورة متزايدة اختراق الأردن.
فطهران تنظر إلى الأردن باعتباره حلقة ضعيفة يمكن من خلالها زيادة الضغط على إسرائيل من الشرق.
وبعد تراجع بعض البنى الإيرانية والميليشيات الموالية لها في سوريا والعراق، أصبحت طرق التهريب عبر الأردن، بما في ذلك استخدام الطائرات المسيّرة، أكثر أهمية.
وتحوّل الحدود الأردنية-السورية إلى ساحة مستمرة لمواجهة تهريب المخدرات والأسلحة. ويرى المقال أن شبكات تهريب الكبتاغون والأسلحة ليست مجرد شبكات إجرامية، بل يمكن أن توفر التمويل والتسلل والنفوذ، وأن تؤدي إلى إضعاف الدولة الأردنية.
وبالنسبة لإسرائيل، فإن الخطر يكمن في أن تتحول الحدود الشرقية، التي كانت نسبيًا هادئة، إلى جبهة نشطة تستخدمها إيران أو وكلاؤها.
ويعتبر المقال أن الحدود الإسرائيلية-الأردنية طويلة وصعبة الدفاع عنها، وأن إسرائيل اعتمدت لسنوات على التعاون الوثيق مع الجيش الأردني، وعلى افتراض أن عمان ستمنع وصول الأسلحة والإرهابيين إلى الحدود.
ويرى الكاتبان أن هذا الاعتماد ساهم في إهمال الحاجز الحدودي، وتقليص بعض القدرات الاستخبارية، وإسناد المنطقة أحيانًا إلى وحدات أقل قدرة.
ومن هنا يطرح المقال سيناريو بالغ الخطورة:
“البجعة السوداء”
هجوم مفاجئ متعدد النقاط على الحدود، تشارك فيه مركبات مسلحة تحمل رشاشات وصواريخ مضادة للدروع، أو مجموعات إرهابية تعبر مساحات مفتوحة من وادي عربة وغور الأردن.
ويحذر الكاتبان من أن الطريق 90 يمر في بعض المناطق على مسافة مئات الأمتار فقط من الحدود، وأن وجود تجمعات سكانية معزولة قربه يجعلها عرضة لهجوم مفاجئ قد يشبه هجوم 7 أكتوبر.
ماذا ينبغي لإسرائيل أن تفعل؟
يقترح المقال استراتيجية متعددة الطبقات.
1. الحفاظ على النظام الهاشمي
استقرار النظام الأردني مصلحة أمنية إسرائيلية أساسية.
لذلك ينبغي لإسرائيل الاستمرار في تزويد الأردن بالمياه والطاقة، ومساعدته في علاقاته مع واشنطن، وتعزيز مشاريعه الاقتصادية.
لكن المساعدة، بحسب المقال، يجب أن تقترن بمطالب واضحة من عمان:
* مكافحة تهريب الأسلحة.
* الحد من التحريض ضد إسرائيل.
* تحمل المسؤولية السيادية عن أراضي الأردن.
* الحد من نشاط الجماعات المسلحة.
أي أن المعادلة المقترحة هي:
“السلام من خلال القوة”.
٢-بناء حاجز حدودي متعدد الطبقات
بدأت إسرائيل في ديسمبر/كانون الأول 2025 بناء حاجز جديد على الحدود الأردنية.
ويقترح المقال أن يتضمن:
* سياجًا ذكيًا.
* أجهزة استشعار ضد الأنفاق.
* كاميرات ورادارات.
* أنظمة كشف واعتراض للمسيّرات.
* قدرات نارية محلية.
* قوات رد سريع
٣- تعزيز الفرقة الشرقية
يرى الكاتبان أن إنشاء الفرقة الشرقية في يونيو/حزيران 2025 كان خطوة صحيحة، لكنها تحتاج إلى دمج:
الاستخبارات + العمليات + الدفاع الإقليمي في قيادة واحدة.
والأهم من ذلك، ألا تعتمد إسرائيل فقط على المعلومات التي تقدمها المخابرات والجيش الأردنيان، بل أن تطور قدرة استخبارية إسرائيلية مستقلة داخل الأراضي الأردنية.
ويطرح المقال هدفًا واضحًا:
اكتشاف نشاط الميليشيات أو الخلايا الإرهابية على مسافة 20–30 كيلومترًا من الحدود قبل وصولها إليها.
٤-تحويل المزارع إلى جزء من منظومة الأمن
يعطي المقال أهمية خاصة لما يسميه مشروع المزارع في غور الأردن.
فهذه المزارع، بحسب التصور المطروح، ليست مجرد مشاريع زراعية، وإنما يمكن أن تكون:
* نقاط مراقبة.
* حضورًا مدنيًا دائمًا.
* مصادر إنذار مبكر.
* حلقات وصل بين الجيش والمستوطنات والمناطق المفتوحة.
1. حماية الطريق 90 والتجمعات السكانية
يقترح المقال:
* جدرانًا وحواجز في النقاط الحساسة.
* قوات رد سريع قادرة على الوصول خلال دقائق.
* وحدات احتياط مدرعة.
* هاونات وطائرات مسيرة ومروحيات هجومية.
* تحصين المستوطنات.
* اتصالات مستقلة.
* قدرات طبية مستقلة.
* مخابئ محصنة.
كما يدعو إلى تدريبات تحاكي هجومًا مفاجئًا متعدد النقاط.
٥- القدرة على الضرب داخل الأردن
وهذه من أكثر النقاط حساسية في المقال.
فالكاتبان لا يكتفيان بالدفاع عن الحدود، بل يدعوان إلى قدرة إسرائيلية على إحباط التهديد في عمق الأراضي الأردنية عندما يكون هناك خطر واضح وفوري.
أي الانتقال من مفهوم:
“الدفاع على الحدود”
إلى:
“إحباط التهديد قبل وصوله إلى الحدود”.
٧- زيادة الاستيطان على الحدود
يدعو المقال أيضًا إلى زيادة عدد السكان والمجتمعات الإسرائيلية على الحدود الأردنية، واستخدام أطر مثل النحال، والمدارس الدينية، والأكاديميات التمهيدية للخدمة العسكرية، إضافة إلى مزارع زراعية ومراعي.
ويعتبر الكاتبان أن الاستيطان نفسه عنصر من عناصر الأمن.
ثانيًا التعليق
أرى أن أهم ما في المقال ليس توصياته العسكرية التفصيلية، بل الفرضية الاستراتيجية التي ينطلق منها.
وهي:
إسرائيل لا تستطيع أن تبني أمنها على افتراض أن الأردن سيبقى مستقرًا إلى الأبد.
وهذه نقطة مهمة جدًا.
لكنني أعتقد أن المقال يحتاج إلى قدر من التفكيك.
1. المقال يخلط بين “هشاشة الأردن” و”احتمال انهيار النظام”
هذه أهم ملاحظة.
نعم، الأردن يعاني من:
* اقتصاد هش.
* اعتماد على المساعدات.
* أزمة مياه.
* بطالة.
* ضغوط ديموغرافية.
* استقطاب فلسطيني–شرق أردني.
* ضغط إيراني.
* نشاط إسلامي.
لكن الانتقال من هذه المعطيات إلى استنتاج أن النظام الهاشمي معرض قريبًا لانهيار جوهري يحتاج إلى إثبات أكبر.
بل إن المفارقة هي أن النظام الأردني أظهر تاريخيًا قدرة كبيرة على إدارة الأزمات والتكيف معها.
وهذا يغير الاستنتاج الإسرائيلي.
المشكلة ليست بالضرورة:
“ماذا لو سقط النظام؟”
بل:
“ماذا لو بقي النظام لكنه أصبح أضعف؟”
وهذا السيناريو في رأيي أكثر أهمية.
أي أن الأردن قد لا يتحول إلى دولة فاشلة، وإنما إلى دولة تستطيع السيطرة على معظم أراضيها، لكنها تفقد تدريجيًا القدرة على منع جميع الأنشطة المعادية لإسرائيل التي تنطلق من أراضيها.
وهذا أخطر وأكثر واقعية.
٢- المقال مهم لأنه ينقل مفهوم “الجبهة الشرقية” من الجغرافيا إلى السياسة
حتى الآن كان التصور الإسرائيلي التقليدي تقريبًا:
الأردن دولة مستقرة + معاهدة سلام + تعاون أمني = حدود آمنة.
المقال يقول:
لا.
الأمن الإسرائيلي لا يمكن أن يعتمد على النظام السياسي في الجانب الآخر من الحدود.
وهنا توجد خلاصة استراتيجية بالغة الأهمية:
1. لكن المقال يقلل من خطورة السياسة الإسرائيلية نفسها على استقرار الأردن
هذه في رأيي أهم ثغرة سياسية في المقال.
الكاتبان يفسران الكثير من المعارضة الأردنية لإسرائيل باعتبارها نتيجة للتحريض أو الإسلام السياسي.
لكن هناك عاملًا آخر لا يمكن تجاهله:
القضية الفلسطينية نفسها.
الأردن دولة ترتبط ديموغرافيًا وسياسيًا بالقضية الفلسطينية بصورة استثنائية.
لذلك فإن أي تصور إسرائيلي يتعامل مع الضفة الغربية، أو غزة، أو القدس، بطريقة تزيد الضغط على الفلسطينيين، ستكون له انعكاسات مباشرة على استقرار الأردن.
حسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين قد تكون من العوامل التي تزيد الضغط على النظام الأردني.
ولهذا فإن أمن الأردن ليس قضية عسكرية إسرائيلية فقط؛ بل هو مرتبط مباشرة بإدارة الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي.
وهذه نقطة أعتقد أنها غائبة نسبيًا عن المقال.
.
فإذا بقيت القضية الفلسطينية بلا أفق سياسي، فإن الضغط لا يبقى في:
غزة → إسرائيل
بل ينتقل إلى:
غزة/الضفة → الأردن → النظام الهاشمي → الأمن الإسرائيلي.
أي أن الجبهة الشرقية نفسها تصبح جزئيًا امتدادًا للصراع الفلسطيني الاسرائيلي




