إسرائيل كإمبراطورية .. الضربة لم تكن اغتيالا بل إعلان

لم يكن قصف الدوحة مجرد محاولة اغتيال لقيادات من حركة حماس، بقدر ما كان إعلاناً صريحاً عن طبيعة إسرائيل الجديدة التي باتت تتصرف كقوة إمبراطورية في الشرق الأوسط. الحدث في جوهره يتجاوز الحسابات التكتيكية ليكشف عن رسائل استراتيجية أوسع، موجهة إلى حماس، والدول العربية، والمجتمع الدولي. إنها رسالة تقول بوضوح: إسرائيل تضرب حيث تشاء، ومتى تشاء، ولا تعترف بقيود أو ردع حقيقي، سواء من الإقليم أو من العالم.
هذا القصف ليس حادثاً استثنائياً، فمنذ سنوات تصر إسرائيل على تصدير صورة القوة المطلقة عبر الاغتيالات والقصف في مختلف العواصم: من بيروت ودمشق، إلى طهران وصنعاء، مروراً بمحاولات في أنقرة ودبي وتونس، وصولاً إلى قلب الدوحة اليوم. سلسلة طويلة من الضربات ضد قادة حماس، وحزب الله، والحرس الثوري الإيراني، والحوثيين، بل وحتى النظام السوري نفسه. جميعها تُنفذ بنفس النمط: ضربات دقيقة بلا خوف من العواقب، وفي ظل صمت عربي وإقليمي، وتواطؤ غربي معلن أو مستتر. الصورة التي تريد إسرائيل ترسيخها هنا أنها “إمبراطورية الشرق الأوسط” التي تتحكم في أمن المنطقة بأكملها، بينما الآخرون لا يملكون سوى التنديد والانتظار.
- أولاً: الرسائل الإسرائيلية
الضربة حملت في طياتها أكثر من هدف مباشر، فهي لم تكن مجرد عملية عسكرية عابرة بل وسيلة للتواصل السياسي والأمني بلغة القوة. إسرائيل أرادت أن تقول كلماتها عبر الصواريخ بدل البيانات الدبلوماسية، ولذلك جاءت الرسائل متعددة الوجهات والغايات، يمكن تفصيلها كالآتي:
- الرسالة الأولى إلى قيادة حماس:
إسرائيل تقول لهم: أنتم وعائلاتكم لستم آمنين حتى في قصوركم وفنادقكم بالخارج. حياتكم مرهونة بمدى استعدادكم للرضوخ لشروطها، خصوصاً فيما يتعلق بمبادرة ترامب الأخيرة التي تنص على تسليم جميع الرهائن دفعة واحدة. بهذه اللغة، تسعى إسرائيل لانتزاع قرار سياسي عبر سلاح الرعب الشخصي، أي عبر ضرب محيط القيادات وأسرهم مع مواجهة تنظيمهم في الميدان.
- الرسالة الثانية إلى العواصم العربية والإقليمية:
الضربة على الدوحة تحمل معنى أن لا حصانة لأحد، حتى العواصم التي تقيم علاقات وثيقة مع الولايات المتحدة أو علاقات غير معلنة مع إسرائيل نفسها. قطر تحديداً ليست بريئة؛ فهي لطالما حافظت على خيوط اتصال مع إسرائيل، وتتحرك تحت المظلة الأميركية، بينما لعبت قناة الجزيرة دور البوق في إثارة الفتن داخل العالم العربي أكثر مما خدمت القضية الفلسطينية. بذلك تقول إسرائيل: “لا منظومة أمنية عربية يمكنها ردعي. أنا الشرطي، وأنا الحكم، وما عداي تفاصيل”. وأقصى ما ستواجهه هو موجة تنديد عربية روتينية، لا تغير من الوقائع شيئاً.
- الرسالة الثالثة إلى المجتمع الدولي:
إسرائيل تريد أن تذكّر أوروبا، التي تتجه نحو الاعتراف بالدولة الفلسطينية في أيلول الحالي، أن هذا القرار لا يساوي شيئاً على أرض الواقع من دون موافقتها. هي صاحبة الكلمة الفصل في المنطقة، ولا قرار أممي أو أوروبي قادر على فرض دولة فلسطينية بالقوة. قصف الدوحة جاء ليقول: “نحن القوة الضاربة هنا، وما يُتخذ في نيويورك أو بروكسل يبقى حبراً على ورق أمام صواريخنا وطائراتنا”.
من زاوية استراتيجية، تكشف هذه الضربة عن صورة إسرائيل كإمبراطورية فعلية وليست مجرد دولة محاصرة. إنها تبتز مصر بملف الغاز، تضرب قطر في قلبها، تقتل في بيروت ودمشق وطهران، وتفرض على أوروبا إيقاعها الخاص. هذا السلوك يعكس ثقة إسرائيل بأن لا أحد قادر على محاسبتها، وأن المظلة الأميركية ستظل توفر لها الغطاء العسكري والسياسي والاستخباري بغض النظر عمن يحكم في واشنطن، جمهوريين كانوا أم ديمقراطيين.
- ثانياً: ما بعد الضربة: اتجاهات المشهد
المشهد بعد قصف الدوحة مفتوح على مسارات متعددة، ولا يمكن حصره في قراءة واحدة. طبيعة إسرائيل الهجومية، وصمت الإقليم، والظرف الدولي المتوتر كلها عوامل تجعل الاحتمالات واسعة، بعضها مباشر وقريب، وبعضها استراتيجي طويل الأمد. ومن أبرز الاتجاهات التي يمكن تصورها:
- تصعيد الاغتيالات الخارجية: من المحتمل أن تتوسع إسرائيل في سياسة الاغتيالات الخارجية، لتؤكد أن لا مكان آمن لقادة حماس أو غيرهم، وربما تطال الضربات عواصم عربية أو حتى أوروبية.
- إضعاف الوساطة القطرية: قد يضعف هذا الهجوم دور قطر كوسيط رئيسي، ويكشفها أكثر كأداة ضمن السياسة الأميركية، وهو ما قد يغير معادلات الوساطة في غزة.
- كسر مسار الاعتراف الأوروبي: الهدف قد يكون إرباك أي تحرك أممي لصالح فلسطين عبر فرض مشهد القوة وتذكير الجميع أن إسرائيل هي اللاعب المركزي الذي لا يمكن تجاوزه.
- التأثير على المفاوضات: الضغوط قد تدفع حماس للرضوخ تحت ضغط الخوف على قادتها وعائلاتهم، أو قد تؤدي إلى العكس تماماً: مزيد من التشدد ورفع سقف الشروط.
- انعكاسات داخلية في إسرائيل: استعراض القوة قد يمنح نتنياهو وحكومته دفعة معنوية قصيرة، لكنه في المقابل يعزز صورة إسرائيل كدولة مارقة خارجة عن القانون الدولي.
- ثالثاً: المؤشرات الحاسمة للمرحلة المقبلة
كي نفهم مسار الأحداث وتداعياتها المقبلة، علينا مراقبة مجموعة من المؤشرات السياسية والإعلامية والدبلوماسية. هذه المؤشرات ليست تفاصيل ثانوية، بل بوصلة ستحدد إن كان قصف الدوحة سيبقى حادثاً معزولاً أم بداية مرحلة جديدة في قواعد الاشتباك. ومن أهم ما يجب متابعته:
- الموقف الأميركي الرسمي: هل سيكتفي بالتحفظ أم يقدم غطاء صريحاً لإسرائيل؟
الموقف الأميركي في جوهره داعم بالكامل، وهو على علم مسبق بكل ما جرى. فمن السذاجة الاعتقاد أن ضربة بهذا الحجم تمت دون معرفة أو ضوء أخضر من واشنطن، خاصة أن أكبر قاعدة عسكرية أميركية في المنطقة موجودة في قطر، وفيها رادارات قادرة على رصد حتى “ذبابه” تدخل المجال الجوي القطري والخليجي. أميركا تملك القدرة على مراقبة كل شاردة وواردة في المنطقة، وبالتالي فإن القول بأن الأمر قرار شخصي لنتنياهو فقط مجرد تضليل. على العلن قد تظهر واشنطن امتعاضاً أو تفاجؤاً، لكنها في الحقيقة شريك في الغارة وسندها السياسي.
- ردود الفعل الخليجية: هل ستظل ضمن دائرة البيانات الخجولة، أم ستتخذ شكلاً عملياً يحدّ من التنسيق الأمني أو الاقتصادي مع إسرائيل؟
رد الفعل الخليجي لن يخرج عن دائرة الشجب والاستنكار والخطابات الإعلامية المكررة. البيانات ستكون حادة لفظياً لكنها تبقى محصورة ضمن السقف المسموح به أميركياً، فلا خطوات عملية ولا قرارات جريئة ستصدر، بل مجرد ضوضاء إعلامية لا تغير شيئاً في المعادلة.
- خطاب حماس: هل سيعكس خوفاً ورغبة في التهدئة، أم تصعيداً جديداً؟
لا يُتوقع أن يتغير خطاب حماس كثيراً بعد الضربة. الحركة ستواصل عنادها ورفضها لأي صفقة كبرى بالشروط الإسرائيلية في المدى القريب. مثلما لم يردعها مشهد الإبادة الجماعية التي يرتكبها نتنياهو في غزة عن التشدد في مواقفها، فلن يردعها مقتل بعض القادة أو أفراد عائلاتهم. فقرار حماس في السلم والحرب والسياسة لم يعد فلسطينياً بحتاً، بل تصوغه العواصم الإقليمية والدولية التي تحتضنها وتتحكم في مساراتها.
- الموقف الأوروبي: هل سيتراجع عن الاعتراف أم يواصل عناداً سياسياً ويثبت أنه قرار سيادي مستقل؟
الاعتراف الأوروبي المرتقب بالدولة الفلسطينية في أيلول الجاري لن يتأثر كثيراً بالحادث. الدول الأوروبية تعرف مسبقاً أن لا شيء سيتغير فعلياً على الأرض من دون موافقة إسرائيل، ولذلك فإن الاعتراف يبقى إجراء رمزي أكثر منه عملي. قد تستغل بعض الدول المترددة الوضع لتأجيل الاعتراف بحجة “الظروف غير الملائمة أو حالة عدم الإستقرار”، لكن التوجه العام في أوروبا سيبقى داعماً للاعتراف ولو في الإطار الشكلي.
الخلاصة
قصف الدوحة لم يكن مجرد اغتيال ناجح أو فاشل، بل كان إعلاناً عن إسرائيل كإمبراطورية تتحرك بلا قيود، تستمد قوتها من المظلة الأميركية، وتفرض منطقها على المنطقة. الرسالة الحقيقية ليست موجهة فقط إلى حماس، بل إلى كل الإقليم والعالم: لا دولة فلسطينية تولد إلا بشروط إسرائيل، ولا أمن لأعدائها في أي مكان، ولا حدود لذراعها. وفي المقابل، يبقى الرد العربي في الغالب أسير البيانات والتنديد، بينما يستمر الاحتلال في اغتصاب الأرض وبناء روايته بالقوة.




