ندوة بعنوان “إدارة التعافي وإعادة الإعمار ما بعد الإبادة: نحو نموذج حوكمة هجينة”

نظّم معهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي اليوم الثلاثاء الموافق 25 نوفمبر 2025، ندوة سياسية بعنوان “إدارة التعافي وإعادة الإعمار ما بعد الإبادة: نحو نموذج حوكمة هجينة” قدّمها الباحث والأكاديمي الدكتور إبراهيم ربايعة، وافتتحها مدير عام المعهد اللواء متقاعد حابس شروف مرحبا بالحضور ومؤكدا أهمية هذه الندوات في ظل المرحلة الفلسطينية الراهنة، خصوصا فيما يتعلق بملف إعادة الإعمار بعد حرب الإبادة وضرورة الحفاظ على الهوية الوطنية والسيادة في مواجهة الطروحات الدولية، وكان في إدارة الندوة الباحث في معهد فلسطين: عمار عبيد.
ناقشت الندوة أهمية تبنّي نموذج حوكمة هجينة لإدارة مرحلة التعافي وإعادة الإعمار في قطاع غزة بعد الحرب، بما يضمن استدامة العملية وفاعليتها. واستعرض ربايعة، حجم الدمار الواسع الذي طال البنية التحتية والقطاعات الصحية والتعليمية والخدمية، إلى جانب الخسائر البشرية الكبيرة في الطواقم المهنية.
تناولت الندوة الأضرار الجسيمة التي لحقت بالبنية التحتية في القطاع، حيث تم تدمير أكثر من 90% منها، مما أدى إلى تراكم أنقاض تقدر بأكثر من 61 مليون طن. كما تم التطرق إلى الأضرار القطاعية المتخصصة، والتي شملت تدمير وتعطيل 38 مستشفى و165 جامعة ومؤسسة تعليمية، بالإضافة إلى 670 مدرسة، مما أثر بشكل كبير على الخدمات الأساسية المقدمة للمواطن. وأبرزت النقاشات الاستهداف الممنهج للكوادر البشرية، حيث استشهد 1670 كادراً طبياً، و140 من كوادر الدفاع المدني، و176 من العاملين بالبلديات، بينهم 4 رؤساء بلديات. كما فقدت الأونروا 203 من موظفيها، فيما استشهد 1023 من العاملين في قطاعي التعليم والتعليم العالي.
وكشف ربايعة عن الفجوة بين الخطة الفلسطينية ورؤية ترامب في التوجهات الاقتصادية طبيعة التمويل. من ناحية، تقترح الخطة الفلسطينية على دعم مالي دولي يتم جمعه في صندوق مستقل تحت إشراف دولي-فلسطيني-عربي- إسلامي، بهدف تحقيق تنمية مستدامة شاملة تمتد لخمس سنوات وتشمل ثلاثة مراحل. هذه الخطة تركز على المساعدات المالية الموجهة لإعادة الإعمار والتنمية. أما رؤية ترامب، فتتبنى نهجاً مختلفاً يقوم على استثمارات خارجية بدلاً من المساعدات، مع التركيز على إنشاء مناطق اقتصادية خاصة داخل قطاع غزة. هذه المناطق تشمل صناعات خفيفة وخدمات رقمية وطاقة واتصالات ولوجستيات…؛ يتم تنفيذ هذه المشاريع وفق ضمانات استثمارية محددة تهدف إلى تعزيز النشاط الاقتصادي الدولي بشكل مباشر دون التركيز على إعادة الإعمار التقليدية؛ وبعيداً عن مصالح الشعب الفلسطيني. بالتالي، يمكن القول إن الفجوة الرئيسية تكمن في طبيعة التمويل والتوجه الاقتصادي؛ حيث تسعى الخطة الفلسطينية إلى دعم شامل ومستدام يعتمد على التعاون الدولي، بينما تركز رؤية ترامب على استثمارات محددة وموجهة نحو شركات عالمية – أوروبية وامريكية خاصة.
وأضاف الضيف، ان نماذج الاعمار التي تُفرض في سياقات متعددة تفرض تحديات كبيرة، من أبرزها فرض الوصاية الدولية التي تعيق استقلالية القرار الوطني، إلى جانب الفجوة الواضحة بين الالتزامات المعلنة والتمويل الفعلي المطلوب لتحقيق الأهداف المرجوة. محذراً من تغييب الدور الفلسطيني في عمليات إعادة الإعمار باعتباره من أبرز العوامل التي تُضعف تحقيق إعادة إعمار شاملة وحقيقية. مضيفاً، إن تجربة إعادة الإعمار عام 2014 تُعد مثالًا واضحًا على هذا النموذج، حيث تم تجاوز الحكومة الفلسطينية رغم وجود خطط ورؤى رسمية لإعادة الإعمار في تلك الفترة. هذه التجربة تسلط الضوء على الحاجة إلى تمكين الدور الفلسطيني بشكل أساسي في أي عملية إعادة إعمار قادمة بالتنسيق مع الدول العربية والدول الصديقة، مع ضمان توفير التمويل اللازم وتنفيذ الالتزامات الدولية بشكل جاد وشفاف.
في نهاية الندوة، ركز الحضور في مداخلاتهم على أهمية تعزيز الجهود المحلية لتوطين قضايا إعادة الإعمار في قطاع غزة بالتوازي مع مخيمات شمال الضفة الغربية، مشددين على ضرورة الابتعاد عن التأثيرات السياسية للدول المانحة التي قد تعيق تحقيق الأهداف التنموية. كما أشاروا إلى المخاطر المرتبطة بالتهجير تحت ذرائع إقامة مناطق إيواء جديدة، والتي قد تكون خطوة أولى نحو تهجير السكان من مناطقهم الأصلية. وأكد المشاركون على أهمية إشراك القطاع الخاص الفلسطيني في عمليات إعادة الإعمار والتعافي المبكر، بما يضمن تحقيق الاستدامة الاقتصادية والاجتماعية. ودعوا إلى تعزيز التنسيق مع الدول العربية لدعم هذه الجهود، بما يسهم في تحسين الظروف المعيشية للسكان المتضررين وتحقيق التنمية المستدامة في المناطق المتأثرة.







