إسرائيل بعد الصندوق: من يحكم ومن يملك التعطيل؟
قراءة في موازين تشكيل الحكومة وحدود التأثير الأمريكي والإقليمي.

بقلم: م. معتصم حميدة.
1 تشرين الثاني/نوفمبر 2026
من يملك أغلبية للحكم، ومن يستطيع البقاء من دونها؟ قد يستمر المأزق الإسرائيلي حتى مع نجاح المعارضة في التعاون داخل الكنيست.
فالمكاسب البرلمانية قد تخفض كلفة الانتقال إلى حكومة، أو تمنح بعض الأطراف بديلا مؤقتا عن دفع ثمن التسوية. ويتوقف المسار على استعداد الشركاء لتعديل تعهداتهم، وعلى نوع الالتزامات التي تطلبها واشنطن والمنطقة من الحكومة الإسرائيلية.
اكتمل فرز المظاريف المزدوجة في 29 أكتوبر، واستقرت الحصيلة المعلنة على 53 مقعدا لمعسكر نتنياهو، و48 لخصومه، و19 للقائمتين العربيتين، مع بقاء الليكود الأكبر بـ27 مقعدا.
وأعلن أحمد الطيبي في 31 أكتوبر استعداد المشتركة لدعم حكومة بديلة من الخارج، ومساندة تغيير رئيس الكنيست ولجنة تحقيق رسمية في إخفاقات السابع من أكتوبر. وأكد يوسف جبارين اتصالات أولية مع المعارضة.
وهذا يفتح تفاوضا على مضمون الدعم ومدته، ويتجاوز افتراض الامتناع وحده.
قانونيا، يكفي في التصويت المعتاد لمنح الثقة تفوق المؤيدين على المعارضين. فإذا اجتمعت أصوات المعارضة والقائمتين العربيتين بلغت 67؛ وإذا امتنع نواب أفيغدور ليبرمان السبعة، مع تأييد الباقين ومعارضة معسكر نتنياهو، أصبحت النتيجة 60 مقابل 53. أما تصويتهم ضد الحكومة فينتج تعادلا بـ60 مقابل 60، فلا تمر الثقة. هنا تظهر قيمة الامتناع، مع بقاء الحساب مشروطا بقبول سائر الأحزاب بهذا الترتيب.
ويبرز حساب نفتالي بينيت. فقد أعلن خلال حملة 2026 رفض حكومة تستند إلى دعم الأحزاب العربية، رغم مشاركته السابقة مع «راعم» عام 2021.
ويربط تقرير «يديعوت أحرونوت» تحفظه بخشية حكومة هشة تنهار سريعا وتعيد نتنياهو أقوى. لذلك، تكتسب الضمانات المتعلقة باستمرار الحكومة والثقة والموازنة أهمية أساسية في حساب كلفة المراجعة.
ويحتاج تغيير موقفه إلى قبول معلن؛ فتعديل تسمية الدعم وحده لا يحل تعارضه مع تعهده الانتخابي.
غير أن آيزنكوت أعلن في 31 أكتوبر شروطا تشمل هوية إسرائيل اليهودية والديمقراطية، والخدمة العسكرية أو الوطنية أو المدنية الإلزامية، وتصنيف حماس تنظيما إرهابيا وتفكيك قدراتها العسكرية والحكومية. وتطالب المشتركة بمسار نحو الدولة الفلسطينية وترفض صيغة الخدمة الإلزامية المطروحة. لذلك لا يكفي الفصل بين دخول الحكومة ودعمها من الخارج؛ إذ ستعود الخلافات عند التصويت على البرنامج والموازنة والتشريعات.
وتختلف حسابات القائمتين العربيتين في المشاركة الوزارية والدعم الخارجي، وفي ترتيب المطالب المدنية والوطنية. ويحتاج التفاهم معهما إلى التزامات بشأن مكافحة الجريمة والسكن والحقوق والأفق الفلسطيني. وتبقى ترجمة الاستعداد المعلن إلى تصويت موحد عملية تفاوض تحترم استقلال القرار داخل كل قائمة.
ويتقدم بالتوازي المسار الحريدي. فقد نقلت «يديعوت أحرونوت» في الأول من نوفمبر عن مصادر قريبة من آيزنكوت سعيه لاستمالة «شاس» و«يهودوت هتوراه». لكن الجمع بينهما وبين ليبرمان يصطدم بملف التجنيد؛ وإخراج ليبرمان من الحساب يعيد الحاجة إلى ترتيب مختلف للأكثرية والامتناع. المطلوب تسوية يستطيع الحريديم قبولها، ويستطيع خصوم الإعفاءات الدفاع عنها أمام جمهورهم.
وتمنح معركة رئاسة الكنيست التعاون فرصة أسبق. تتجه المعارضة إلى محاولة استبدال أمير أوحانا بعد انعقاد المجلس في 10 نوفمبر، بدعم عربي. وقد يفتح نجاحها مجالا لتغيير جدول الأعمال والرقابة والدفع نحو لجنة تحقيق رسمية، مع بقاء خلافات الثقة والتجنيد قائمة.
ويتطلب تحويل التعاون النيابي إلى حكومة مراجعة معلنة لرفض الاعتماد على الدعم العربي، واتفاقا للثقة والموازنة يحدد برنامج التنفيذ المشترك. كما يحتاج إلى حسم الالتزامات في ملفات الهوية والخدمة والأفق الفلسطيني، وضمانات بجدول تنفيذ وآلية لمعالجة الإخلال.
وفي ملف التأثير الأجنبي، أكدت لجنة الانتخابات عدم تأثير التحقيق في النتائج، ورفض الشاباك تعميم الشبهة على الجمهور العربي. ويبقى إثبات المخالفة وأثرها رهنا بالأدلة والإجراءات المختصة، بينما قد يرفع الجدل سياسيا كلفة قبول الدعم العربي.
ويستفيد نتنياهو من استمرار الحكومة القائمة إلى أن تتشكل أخرى، وتتراجع ميزة الانتظار إذا فرض خصومه رقابة ومساءلة أكثر فاعلية. وتفيد التقارير بأن الليكود يسعى لتعطيل الأكثرية المقابلة باستهداف استعداد بعض النواب للتصويت معها. أما استبداله من داخل حزبه فيحتاج إلى قيادة منظمة قادرة على حماية تماسك الكتلة وتحمل كلفة تغيير زعامته.
وهنا تبرز فرضية قابلة للاختبار: قد يمنح نجاح المعارضة في الكنيست بعض أحزابها إنجازات تعرضها على جمهورها، مع الاحتفاظ بتعهداتها بشأن الشراكة الحكومية. وإذا رأت هذه الأحزاب أن مكاسب الرقابة والتشريع تحقق جزءا كافيا من أهدافها، فقد تقل حاجتها إلى تقديم تنازل لتشكيل الحكومة. عندها تطول المرحلة الانتقالية بفعل حوافز متقاطعة، مع استمرار الدعوات إلى إنهائها.
وتقابل ذلك فرضية أن التعاون المتكرر يبني الثقة ويكشف إمكان إدارة الخلاف، فيخفض كلفة الاتفاق الحكومي. ويصبح الانتقال مرجحا عندما تتجاوز المفاوضات ترتيب الأصوات إلى تحديد التزامات الثقة والموازنة وصلاحيات الحكومة. لذلك لا يكفي تزامن التصويت المشترك مع التعثر لترجيح الفرضية الأولى؛ إذ يلزم رصد مواقف أو قرارات تظهر أن حزبا صار أقل استعدادا للتسوية لأن مكاسبه النيابية وفرت له بديلا مؤقتا.
ويرتبط شكل التدخل الأمريكي بطبيعة الالتزام المطلوب ومدة تنفيذه. فقد تكتفي واشنطن بالحكومة القائمة لتنفيذ قرار محدود، بينما يرفع اتفاق طويل يتطلب انسحابا وتمويلا وتعاونا إقليميا قيمة حكومة قادرة على إلزام شركائها. ومع تأييد ترامب المعلن لنتنياهو، قد تتعامل واشنطن معه في ملف وتضغط لتوسيع ائتلافه في آخر.
وتختبر ترتيبات غزة هذه المعادلة، بما فيها تسلسل نزع السلاح والانسحاب الإسرائيلي وعمل الإدارة الفلسطينية الانتقالية وإعادة الإعمار. فإذا طلبت واشنطن جدولا ملزما وتعذر على نتنياهو تمريره بسبب شركائه، ارتفعت حوافز توسيع الحكومة؛ فموافقته لا تضمن التنفيذ ائتلافيا.
ويتداخل ذلك مع توقيت الملف الإيراني. فقد قال ماركو روبيو في 31 أكتوبر إن ترامب لم يتخذ قرارا بضربات جديدة ويفضل الحل الدبلوماسي. وأعلن آيزنكوت أنه سيدعم العمليات خلال المرحلة الانتقالية في حالات التهديد المباشر والفوري الذي لا يحتمل التأجيل. وقد يؤجل تصعيد واسع التفاوض أو يرفع قيمة الوحدة، بينما تمنح التهدئة الأطراف وقتا لاختبار البدائل. ويحتاج تقدير دوافع التصعيد إلى أدلة مستقلة عن قياس مكاسبه السياسية.
وتتصل المصالح الإقليمية بهذا التوقيت. فقد عبّر وزير الخارجية المصري عن قلق شديد من جولة إيرانية جديدة أشد تدميرا، وتتقاطع مواقف القاهرة وعمان في رفض التهجير والضم. وقد تدفع أولوية الأمن وسلامة الطاقة الدول العربية إلى التعامل مع الحكومة القائمة طلبا للاستقرار، أو إلى تشجيع ائتلاف أوسع إذا عُدّ أكثر قدرة على الالتزام. ويتوقف الأثر على التعهد المطلوب وأدوات متابعة تنفيذه.
أما السعودية فيبقى موقفها المعلن رابطا العلاقات الدبلوماسية بقيام الدولة الفلسطينية، وهو شرط يتجاوز تغيير الوزراء. وقد رفض آيزنكوت حل الدولتين في مقابلته المنشورة في 27 أغسطس. لذلك قد تستطيع حكومة جديدة تحسين التعاون الإقليمي في ملفات محددة، وتبقى عاجزة عن تقديم الالتزام السياسي المطلوب فلسطينيا. وتحتاج الحوافز الإقليمية إلى مسار تنفيذ واضح قبل احتسابها عاملا حاسما في تشكيل الائتلاف.
يبقى التعاون على إدارة الكنيست مع استمرار التعثر الحكومي أكثر ترجيحا من حكومة أقلية في المدى القريب، ما لم يعلن بينيت وليبرمان وسائر الشركاء قبول ترتيب للدعم العربي. ويُختبر المسار في أول أسبوعين من انعقاد الكنيست بالتوافق على رئاسته وانتقال المفاوضات إلى الثقة والموازنة. فتقديم التنازلات يرجح أن التعاون يمهد للحكومة، والاكتفاء المعلن بالمكاسب النيابية يدعم إطالة الانتقال. ويتراجع ترجيح التعثر إذا ظهر اتفاق حكومي ملزم أو تسوية للتجنيد، فيما تتقدم الوحدة إذا رفع التصعيد أو اتفاق إقليمي كلفة استمراره.
فلسطينيا، تبدأ أهمية التحرك أثناء التفاوض على الحكومة، وهي الفترة التي تتحدد فيها الصلاحيات وتُكتب الالتزامات ويبحث الشركاء عن القبول الخارجي. وقد تتحسن علاقات إسرائيل الدولية أسرع من تغير سياستها تجاه الأرض والحقوق، فتخف كلفة العزلة مع استمرار سياسات قائمة. لذلك ينبغي العمل على ربط الحوافز بخطوات مسبقة في المقاصة والاستيطان والحماية ووحدة غزة والضفة، وإدخال هذه المطالب في المساومة قبل إغلاقها.
وتوفر المطالب الأوروبية بإطلاق المقاصة ووقف التوسع الاستيطاني وحماية المدنيين، والعقوبات المطبقة على مستوطنين متطرفين، أدوات لربط التعاون مع الحكومة الإسرائيلية بتغيير ملموس.
وعمليا، يمكن لمجلس الوزراء الفلسطيني تكليف فريق من الخارجية والمالية وهيئة مقاومة الجدار والاستيطان، بالتنسيق مع اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، بإعداد ورقة موحدة خلال أسبوعين.
تحدد أولوية حماية الأرض ومنع إضعاف المؤسسات، وتوثق المقاصة والتجمعات المهددة ومتطلبات إغاثة غزة وإعمارها. وتُطرح أولوياتها العاجلة أثناء مفاوضات التشكيل، عبر تنسيق عربي وقنوات مع واشنطن وبروكسل، مع ربط كل طلب بجهة مؤثرة وموعد ومؤشر تحقق وخط أساس للمقارنة.
وتُختبر الحكومة الجديدة في شهرها الأول بارتفاع نسبة المحول من مستحقات المقاصة المثبتة لدى المالية، ووقف إصدار موافقات استيطانية جديدة أو سحب قرارات محددة، وتنفيذ إجراء حماية لتجمع مهدد، يُوثق أثره على الاعتداءات والوصول إلى الأرض. وإذا استمر نتنياهو، تستخدم الملفات نفسها للمتابعة والضغط والمساءلة. ويصدر الفريق تقريرا شهريا يقارن النتائج بخط الأساس.
قد تنتج المساومات حكومة جديدة، أو تمنح الحكومة القائمة وقتا أطول. فكيف يستطيع الفلسطينيون وشركاؤهم التأثير في التفاهمات التي تسبق تشكيل الحكومة الإسرائيلية، وربط حاجة أي حكومة إلى الاستقرار والقبول الدولي بالتزامات قابلة للتنفيذ تجاه الحقوق الفلسطينية؟




