Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
منشورات وإصداراتمقالات

الاقتصاد العالمي في قبضة الحرب

اليوم السابع من آذار، وبعد أسبوع واحد فقط من اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ولبنان، لم تعد الأسواق تتعامل مع نظرية الخطر، بل مع واقع جغرافي جديد يعيد تشكيل معادلات العرض والطلب بسرعة صاروخية. فمنذ اللحظة التي أعلنت فيها البحرية الإيرانية إغلاق مضيق هرمز أمام حركة الناقلات ردا على الضربات الأمريكية الإسرائيلية، بدأ الاقتصاد العالمي بالدخول في مرحلة من إعادة التسعير الجذري للأصول كافة، من النفط إلى العملات وصولا إلى المعادن الثمينة.
لكن قبل أن تنفجر الأوضاع في الخليج، كانت هناك إشارة إنذار مبكرة هبطت على الأسواق كالصاعقة. ففي يوم الجمعة الماضي، وقبل ساعات فقط من بدء العمليات العسكرية، كشفت بيانات الوظائف الأمريكية عن تباطؤ مذهل وغير متوقع. معدل التوظيف تراجع إلى 3.3 بالمئة فقط، وهو مستوى لم نشهده منذ أسوأ أيام جائحة كورونا في ربيع 2020، وكانت التوقعات كلها تشير إلى زيادة. الصدمة لم تكن في الرقم فحسب، بل في توقيته. فاقتصاد يفترض أنه يتعافى، ويتلقى دعما من إنفاق حكومي ضخم واستثمارات غير مسبوقة في الذكاء الاصطناعي، يفاجئ الجميع بهذا الجمود العجيب.
هذا التباطؤ في خلق فرص العمل، كما حللته تقارير بلومبرغ ومورغان ستانلي، ليس مجرد تعثر مؤقت، بل هو تحول هيكلي عميق. الشركات الكبرى من أمازون إلى UPS وحتى شوبيفاي أعلنت صراحة توقفها عن التوسع في التوظيف. إنها لا تسرح العمال بكثافة، لكنها ببساطة لا توظف. وهذا ما يسميه الاقتصاديون “سوق العمل البارد”. النتيجة شعور عام بعدم الأمان الوظيفي حتى مع استمرار النمو الاقتصادي الاسمي.
في وكالة موديز بنيويورك، يعكف المحللون على تحديث نماذجهم كل ساعة تقريبا، محاولين فهم التفاعل المعقد بين صدمة العرض النفطية من الخليج وصدمة سوق العمل الأمريكية. تقرير الوكالة الصادر أول أمس يحمل تحذيرا صارما: “أي تعطيل طويل الأمد لمضيق هرمز سيدفع أسعار النفط إلى الارتفاع المستدام، وسيعمق النفور العالمي من المخاطرة”. لكن التقرير الأكثر إثارة للقلق صدر أمس من نفس الوكالة، وكشف أن الوضع تجاوز مجرد تهديد إلى واقع ملموس: فواتير الشحن اليومية لناقلات النفط العملاقة قفزت إلى مستويات غير مسبوقة تتجاوز 350 ألف دولار، مقارنة بنحو 200 ألف دولار قبل اندلاع الأزمة بيوم واحد فقط.
اللافت أن بيانات الوظائف الضعيفة جاءت في توقيت بالغ الحساسية. فلو كانت الحرب قد اندلعت قبل شهر، وكان سوق العمل لا يزال ساخنا، لكان رد فعل الاحتياطي الفيدرالي مختلفا تماما. لكن مع هذا التباطؤ الواضح في التوظيف، تجد البنوك المركزية نفسها في مأزق مزدوج: من جهة، ارتفاع أسعار النفط يغذي التضخم، ومن جهة أخرى، سوق العمل البارد يحد من قدرتها على رفع الفائدة. هذا المأزق تحديدا هو ما يجعل السيناريوهات المتوقعة أكثر تعقيدا من أي وقت مضى.
لكن السؤال الأعمق الذي يطرحه الخبراء اليوم، بعيدا عن الأرقام الصارخة، هو: هل يحتاج الاقتصاد العالمي حقا إلى ارتفاع كبير في النفط كي ينهار؟ أم أن الارتفاع الصغير قد يكون أكثر تدميرا في الظروف الراهنة؟
الإجابة تكمن في عامل واحد غالبا ما يغيب عن التحليلات السريعة: الدَّين. فاليوم يعيش الاقتصاد العالمي في واحدة من أعلى فترات المديونية في التاريخ. الحكومات مثقلة بالديون، الشركات تعمل بهوامش نقدية ضيقة، والأسر تعتمد بشكل متزايد على الاقتراض. في مثل هذه البيئة الهشة، لا يحتاج النظام الاقتصادي إلى صدمة كبيرة حتى يختل توازنه. ارتفاع بسيط في أسعار النفط يمكن أن يطلق سلسلة من التفاعلات الخطرة: ارتفاع النفط يعني ارتفاع تكاليف النقل والإنتاج، وهذا يدفع التضخم إلى الأعلى، ومع ارتفاع التضخم تضطر البنوك المركزية إلى إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية. الاقتصادات ذات الديون المرتفعة تعتمد أساسا على أسعار فائدة منخفضة للبقاء مستقرة. لكن عندما يرتفع النفط ويزيد التضخم، تصبح البنوك المركزية عاجزة عن خفض الفائدة. وهكذا ينشأ التوتر القاتل: اقتصاد مثقل بالديون يحتاج إلى فائدة منخفضة، لكن التضخم يمنع خفض الفائدة. هذه اللحظة بالذات هي التي تبدأ عندها الأزمات المالية. في عالم منخفض الديون، تكون الصورة مختلفة تماما. الميزانيات أقوى، وتكاليف خدمة الدين منخفضة، ويمكن للنمو الاقتصادي امتصاص صدمات الطاقة. لهذا قد يتحمل الاقتصاد ارتفاع النفط بنسبة 20 بالمئة دون أزمة. لكن في عالم مرتفع الديون، قد يكون ارتفاع النفط بنسبة 5 بالمئة فقط كافيا لخلق عدم استقرار مالي.
السبب بسيط: عندما يكون النظام المالي قائما على الرافعة المالية العالية، فإن الآثار الاقتصادية لا تتحرك بشكل خطي، بل بشكل متسارع. التاريخ يعطينا إشارات واضحة. كثير من الأزمات الكبرى حدثت عندما اجتمع عاملان معا: ديون مرتفعة وصدمة في أسعار الطاقة. من صدمة النفط في السبعينيات، إلى ارتفاع السلع قبل أزمة 2008، إلى فترات التوتر خلال أزمة الديون الأوروبية. الطاقة والديون مزيج شديد الخطورة.
في هذا الإطار تحديدا، يقرأ المحللون السيناريوهات المطروحة اليوم. سيناريو الأساس لدى موديز، كما تصفه كارولين هيكتور رئيسة قسم مخاطر الائتمان السيادي في الشرق الأوسط، يفترض أن يكون الصراع “قصير الأجل نسبيا، على الأرجح بضعة أسابيع، وبعدها تستأنف الملاحة عبر المضيق على نطاق واسع”. لكن هذا السيناريو يواجه تحديا يوميا مع استمرار إغلاق المضيق لليوم الثامن على التوالي، وتقارير استخباراتية تفيد بأن إيران تنشر ألغاما بحرية جديدة.
السيناريو الأكثر رعبا، الذي بدأت بنوك الاستثمار تبنيه في نماذجها منذ يوم أمس، هو استمرار الإغلاق لشهر كامل على الأقل. في هذه الحالة، تشير تقديرات مورغان ستانلي إلى أن أسعار النفط قد تقفز إلى 120 دولارا للبرميل، وهو مستوى يعيد إلى الأذهان صدمة النفط الكبرى في عقد السبعينيات. مايك ويلسون، كبير استراتيجيي الأسهم في البنك، كتب مذكرة للعملاء صباح اليوم يقول فيها إن “السيناريو المتشائم للأسهم يبدأ إذا تجاوز النفط 100 دولار لفترة طويلة واقترن ذلك بتباطؤ النمو في الصين”. لكن ويلسون يضيف مفارقة مدهشة: على الرغم من الحرب، يبقي البنك على هدفه لـS&P 500 عند 7800 نقطة نهاية العام، مستندا إلى “افتراضات أقوى للإنفاق الرأسمالي” مدفوعة باستثمارات شركات الحوسبة السحابية العملاقة.
هنا يكمن التناقض الأغرب في مشهد 2026. فبينما تشتعل المنطقة وتتراجع فرص العمل للبشر ويتضخم الدين العالمي، تستمر شركات الذكاء الاصطناعي في إعادة تشكيل الاقتصاد بصمت. تقرير صادر عن مورغان ستانلي أمس حول استراتيجية أسعار الفائدة الأمريكية يقدم تحليلا عميقا لهذا الانقسام. المحللون هناك يرون أن للذكاء الاصطناعي وجهين: على المدى القصير، بينما نبني مراكز البيانات والرقائق، فهو تضخمي. الاستهلاك المتوقع للكهرباء من الذكاء الاصطناعي التوليدي في أمريكا وحدها سيقفز من 100 تيراواط/ساعة هذا العام إلى 360 تيراواط/ساعة بحلول 2028، وكلفة بناء مراكز البيانات الجديدة قد تصل إلى 1.7 تريليون دولار. هذا يعني أن التضخم في أسعار الكهرباء سيبقى فوق 4 بالمئة لعامين قادمين على الأقل. لكن على المدى الطويل، عندما تنضج التقنية وتزيد الإنتاجية، يصبح الذكاء الاصطناعي قوة انكماشية حقيقية. وهذه المفارقة تفسر جزئيا جمود سوق العمل: الشركات توظف الأموال في الرقائق ومراكز البيانات بدلا من البشر.
في خضم كل العاصفة ورائحة الموت التي تنشرها الطائرات وقذائفها الذكية وغير الذكية، يبرز سؤال الدولار. التحليل الأكثر دقة يأتي من مراقبة سوق سندات الخزانة الأمريكية المرتبطة بالتضخم (TIPS). التقرير الذي نشر أمس يشير إلى أن المستثمرين يتوقعون أن الاحتياطي الفيدرالي سيكون قادرا على “النظر من خلال” موجة التضخم الحالية، لأن ارتفاع النفط يؤثر بشكل أساسي على التضخم الكلي وليس الأساسي. البيانات التاريخية تدعم ذلك: كل زيادة 10 بالمئة في أسعار النفط بسبب صدمة عرض ترفع التضخم الكلي 35 نقطة أساس، بينما لا تزيد التضخم الأساسي سوى 3 نقاط أساس فقط. هذا يعني أن الدولار قد يشهد فترة ضعف قصيرة ثم يعاود الارتفاع عندما يدرك المستثمرون أن أمريكا، المصدر الصافي للنفط، أقل تضررا من غيرها.
أما المعادن الثمينة، فالذهب قفز أمس إلى 5400 دولار للأونصة، وهو رقم قياسي جديد يعكس حجم الهلع في الأسواق الناشئة خصوصا. لافت للنظر أن التقرير الإسباني لموقع Portafolio أشار إلى أن المستثمرين في أميركا اللاتينية يتجهون بقوة نحو الملاذات الآمنة بعد توقف تدفق رؤوس الأموال من الأسواق الخليجية.
لكن أكثر تصريح لافت صدر أمس من تيم مور، المدير الاقتصادي في S&P Global Market Intelligence، تعليقا على بيانات مؤشر مديري المشتريات البريطاني. مور قال إن “ارتفاع تكاليف الرواتب كان السبب الرئيس وراء استمرار التضخم في أسعار المدخلات”، مضيفا أن “زيادة أسعار الغذاء وتكاليف التقنية ساهمت في الضغوط التضخمية”. هذه الإشارة إلى “تكاليف التقنية” هي الجديد في المعادلة، فالحرب في الخليج تقرع طبول التضخم القديم، بينما الذكاء الاصطناعي وتباطؤ التوظيف وتراكم الديون يلهبان الأسعار من الباب الخلفي.
وبالمجمل، فما يحدث اليوم في الخليج العربي ليس مجرد حلقة جديدة من مسلسل الصراع المستمر منذ احتلال إسرائيل لفلسطين والأراضي العربية، بل هو اختبار إجهاد حقيقي للاقتصاد العالمي الذي يحاول التعافي من جائحة كورونا ويواجه في الوقت نفسه ثورة صناعية رابعة تلتهم الطاقة وتعيد تشكيل أسواق العمل، بينما تتراجع قدرة البشر على إيجاد وظائف جديدة ويتصاعد الدين العالمي إلى مستويات قياسية. ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم ليس: هل سيرتفع النفط كثيرا؟ بل: هل يستطيع اقتصاد عالمي مثقل بالديون تحمّل حتى ارتفاع صغير في أسعار الطاقة؟
بين إغلاق هرمز وطفرة الرقائق وجمود التوظيف وتراكم الديون، يقف المستثمر العادي حائرا: هل يشتري ذهبا أم أسهما أم دولارات أم يتجه نحو الأصول الحقيقية كالعقار؟ الإجابة، كما يراها خبراء مورغان ستانلي في تقرير الأمس، قد تكون في سندات TIPS لأجل خمس سنوات، التي تقدم عائدا حقيقيا إيجابيا وتتحوط ضد كلا السيناريوهين: التضخم اللزج والتباطؤ الاقتصادي. أما اليقين الوحيد، فهو أن الأيام القادمة ستحمل المزيد من المفاجآت.

دكتور طارق عاشور

أستاذ زائر للاقتصاد في جامعة بيرزيت، وباحث اقتصادي في معهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي. متخصص في سياسات المالية العامة والاقتصاد الكلي، وله أبحاث منشورة تركز على تحليل التحديات الهيكلية للاقتصاد الفلسطيني، بما في ذلك السياسات المالية، وأسواق العمل، وأثر الاحتلال على الأداء الاقتصادي والتنمية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى