التأمين.. كان كافلاً.. أصبح عبئًا

نقلا عن شبكة الرقيب الاعلامية
كتب الدكتور طارق عاشور
في عالم ذا اقتصاد هش، تتقاطع فيه التوترات الجيوسياسية مع سلاسل الإمداد العالمية، يشكل قطاع التأمين المحرك الحاسم لاستمرارية التجارة الدولية. عندما غيرت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران تشكيل خريطة المخاطر في عمليات النقل الدولية وتحديدا في مضيق هرمز، تجاوز الأمر من مجرد ارتفاع في أسعار النفط أو إعادة توجيه السفن، الى إعادة تقييم جذرية لكيفية عمل أسواق التأمين العالمية، تلك الأسواق التي تتحمل مسؤولية نقل مخاطر بتريليونات الدولارات سنويا عبر المحيطات والسماء والأرض.
يمتد قطاع التأمين العالمي ليشكل العمود الفقري للاقتصاد الدولي، إذ يمكّن التجارة والاستثمار من الاستمرار رغم الشكوك. وفق تقرير الاتحاد الدولي للتأمين البحري (IUMI) لعام 2025 الذي يغطي بيانات 2024، بلغت أقساط التأمين البحري العالمية 39.92 مليار دولار، بارتفاع طفيف قدره 1.5% عن العام السابق، موزعة بين التأمين على البضائع (22.64 مليار دولار) والسفن (9.67 مليار دولار) والطاقة البحرية (4.34 مليار دولار). أما سوق إعادة التأمين العالمية، فقد سجلت رأسمال قياسي بلغ 760 مليار دولار بنهاية الربع الثالث من 2025 حسب S&P Global، مما يعكس قدرة على استيعاب الصدمات الكبرى. يسيطر على هذا القطاع عدد محدود من اللاعبين الرئيسيين: سوق لويدز أوف لندن الذي يحتكر نحو 70-80% من تغطيات مخاطر الحرب البحرية عالميا، إلى جانب شركات إعادة التأمين الكبرى مثل سويس ري وميونيخ ري، والنوادي المتبادلة للتأمين على المسؤولية البحرية (P&I Clubs) مثل غارد وسكولد ونورث ستاندارد ولندن بي آند آي كلوب. هذه الكيانات لا تكتفي بتحمل المخاطر، بل تعيد توزيعها عبر آليات إعادة التأمين المتعددة الطبقات، حيث يدفع المؤمن الأولي جزء من الخطر إلى المعيدين للحفاظ على رأسماله.
تعتمد مرتكزات القطاع على ثلاثة أركان أساسية: الاكتتاب الدقيق القائم على تقييم المخاطر الإحصائي والجيوسياسي، واحتياطيات رأس المال القوية، والتنظيم الدولي الذي يفرض معايير صارمة. قيمة التأمين الحقيقية تكمن في قدرته على تحويل المخاطر غير المتوقعة إلى تكاليف محسوبة، مما يسمح للتجارة العالمية – التي تنقل 80% من البضائع عبر البحار – بالاستمرار. غير أن المخاطر في هذا القطاع ليست ثابتة؛ فهي تتأثر بالتوترات الجيوسياسية، التغير المناخي، والتضخم في تكاليف التعويضات. في السنوات الأخيرة، أدى ارتفاع الحوادث الطبيعية والصراعات إلى ضغط على نسب التعويضات المجمعة، التي استقرت عند حوالي 95% في إعادة التأمين غير الحياتي، مما يشير إلى ربحية جيدة لكنها هشة أمام الصدمات.
مع اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران الأخير، شهدت أسواق التأمين البحري تحول دراماتيكي. أعلنت لجنة الحرب المشتركة في لويدز توسيع مناطق المخاطر العالية لتشمل كامل منطقة الخليج، مما دفع أقساط تأمين مخاطر الحرب على هيكل السفن من 0.25% من قيمة السفينة قبل الحرب إلى ما بين 3.5% و10% أو أكثر في بعض الحالات الحرجة، حسب تقارير لويدز ليست ومارش ورويترز. لسفينة ناقلة نفط بقيمة 250 مليون دولار، يعني ذلك ارتفاع تكلفة التغطية لرحلة مدتها سبعة أيام من 625 ألف دولار إلى 7.5 مليون دولار أو أكثر. ورغم أن عدد السفن المتضررة فعليا بقي محدودا – مع نحو سبع إلى ثماني سفن متضررة حتى اذار 2026 – إلا أن الخسائر المتوقعة قفزت إلى نحو 1.75 مليار دولار، وفق تقديرات جيفريز، فيما بلغ التعرض العالمي الكلي نحو 160 مليار دولار حسب Law360 (45 مليار بحري، 70-80 مليار أصول برية، 35 مليار طيران).
هذا الارتفاع في المخاطر المتوقعة ليس مبالغا فيه، بل مبرر تماما؛ إذ يعكس ليس الحوادث الفعلية فحسب، بل التراكم الهائل للمخاطر النظامية. أكثر من ألف سفينة بقيمة هيكلية تفوق 25 مليار دولار كانت متواجدة في المنطقة، وتهديد إغلاق مضيق هرمز – الذي يمر عبره 20% من نفط العالم – يحمل إمكانية خسائر كارثية متعددة الخطوط. هنا تظهر آلية التأمين بوضوح: إصدار إشعارات إلغاء مدتها 72 ساعة من قبل نوادي P&I Clubs الرئيسية (غارد، سكولد، نورث ستاندارد وغيرها)، مما أدى عمليا إلى «إغلاق تجاري» للممر قبل أي إغلاق عسكري، مع تغطيات منفصلة لمخاطر الحرب وتعويضات تصل إلى القيمة الكاملة للهيكل أو البضائع في حال الخسارة الكلية، شريطة الالتزام بالشروط.
رغم الضغوط، حافظت الشركات الدولية الكبرى على ربحيتها. ساهمت أقساط مخاطر الحرب المرتفعة في تعزيز الإيرادات، خاصة لسوق لويدز والمعيدين مثل سويس ري وميونيخ ري، حيث يمكن لهذه الخطوط أن تعوض خسائر أخرى في التأمين البحري التقليدي. تقارير S&P Global وفيتش لعام 2026 تشير إلى استقرار النظرة العامة لإعادة التأمين مع تحذيرات من المنافسة، لكن الصراعات الجيوسياسية تعزز الطلب على المنتجات المتخصصة.
أما تأثير التكاليف على أسعار النفط، فيظهر بوضوح: ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين دفع أسعار برنت إلى مستويات تجاوزت التوقعات السابقة، مما استفاد منه منتجو النفط خارج الخليج مثل الولايات المتحدة وروسيا، بينما تكبد المصدرون الخليجيون والمستوردون في آسيا وأوروبا خسائر. الشركات التأمينية نفسها كانت من بين المستفيدين الرئيسيين، إذ تحولت المخاطر إلى فرصة لإعادة تسعير أعلى، مع الحفاظ على نسب تعويضات مستقرة.
في الختام، يبرز قطاع التأمين العالمي كمرآة صادقة للعولمة الهشة: قادر على امتصاص الصدمات من خلال إعادة التسعير السريع والاحتياطيات القوية، لكنه يعكس في الوقت نفسه هشاشة الاعتماد على ممرات بحرية ضيقة. الخسائر المتوقعة مبررة بالمخاطر النظامية، والربحية تظل قوية لللاعبين الرئيسيين رغم التقلبات. للقارئ العملي، تكمن القيمة في ثلاث مخرجات واضحة: أولاً، ضرورة تنويع سلاسل الإمداد لتقليل الاعتماد على مناطق عالية المخاطر؛ ثانياً، أهمية التعاقد المسبق على تغطيات مرنة تشمل مخاطر الحرب مع مراعاة شروط P&I Clubs؛ وثالثاً، إدراك أن ارتفاع التكاليف ينتقل في النهاية إلى المستهلكين، مما يجعل إدارة المخاطر جزءاً أساسياً من استراتيجية أي عمل تجاري دولي. بهذه الطريقة، يبقى التأمين ليس مجرد تكلفة، بل استثماراً في الاستقرار طويل الأمد، وقدرة على تحويل الصدمات إلى فرص لإعادة هيكلة التجارة العالمية.




