العقيدة الأمنية الإسرائيلية الجديدة “نحو تغيير الهوية الوطنية وطبيعة النظام السياسي”

بروفيسور حسين الديك الخبير بالشأن الاسرائيلي – القدس
منذ هجمات 7 أكتوبر 2023، دخلت إسرائيل مرحلة تحول استراتيجي تتجاوز إعادة تقييم قدراتها العسكرية والاستخباراتية، لتطال الأسس الفكرية والسياسية التي حكمت أمنها القومي منذ تأسيسها. فالمسألة لم تعد مقتصرة على كيفية منع هجوم مفاجئ جديد، بل باتت تتعلق بطبيعة الدولة التي تريد إسرائيل أن تكونها، وحدود علاقتها بالديمقراطية والسلام، وموقعها في النظامين الإقليمي والدولي.
تكمن خطورة هذا التحول في أن العقيدة الأمنية الجديدة، وفق قراءة الممارسات الإسرائيلية، لم تُصغ في وثيقة رسمية معلنة، ولم تخضع لنقاش عام منظم، لكنها تبدو حاضرة في صناعة القرار وتوجيه السلوك العسكري والسياسي. وهنا يبرز سؤال جوهري: هل تعيد إسرائيل بناء منظومتها الأمنية لمواجهة تهديدات متغيرة، أم أنها تتجه نحو تغيير عميق في هويتها الوطنية وطبيعة نظامها السياسي؟
من الدولة الديمقراطية إلى أولوية الهوية اليهودية
تقوم إحدى أبرز سمات هذا التحول على تقديم الهوية اليهودية للدولة على اعتبارات الديمقراطية الليبرالية والمساواة المدنية. ووفق هذا المنظور، يصبح الحفاظ على الطابع اليهودي لإسرائيل أولوية استراتيجية قد تبرر تقليص مساحة الحقوق والحريات، خصوصاً فيما يتعلق بالمواطنين العرب الفلسطينيين.
ويمثل هذا التوجه اختباراً لمبادئ إعلان الاستقلال الإسرائيلي، الذي ربط هوية الدولة اليهودية بالحرية والعدالة والسلام والمساواة في الحقوق الاجتماعية والسياسية. فهل تستطيع إسرائيل الحفاظ على تعريفها لنفسها بوصفها دولة يهودية وديمقراطية، إذا أصبحت الاعتبارات القومية والدينية تتقدم بصورة منهجية على المواطنة المتساوية وسيادة القانون؟
إن التحول هنا لا يتعلق بالسياسات الحكومية وحدها، بل بالتوازن بين الهوية الوطنية والنظام الديمقراطي، وما قد يترتب على اختلاله من تآكل داخلي وتراجع في صورة إسرائيل الدولية.
السلام المؤقت والحرب بوصفها حالة دائمة
من أبرز ملامح العقيدة المفترضة التعامل مع اتفاقيات السلام باعتبارها ترتيبات مؤقتة تحكمها المصالح، لا أساساً استراتيجياً لبناء الاستقرار الإقليمي. وبدلاً من النظر إلى السلام بوصفه غاية سياسية وأداة لتعزيز الأمن والازدهار، يصبح مجرد وسيلة قابلة للمراجعة والتراجع.
ويتصل بذلك صعود تصور يعتبر الحرب حالة أساسية في إدارة الأمن القومي، ويمنح الأولوية للمبادرة الهجومية والضربات الاستباقية على الردع والإنذار المبكر وإدارة المخاطر. وقد تبدو هذه المقاربة استجابة للصدمة الأمنية التي أحدثها السابع من أكتوبر، لكنها تثير تساؤلات حول قدرتها على تحقيق أمن مستدام.
فالحرب الدائمة تفرض تكاليف عسكرية واقتصادية واجتماعية متراكمة، وتحد من قدرة الدولة على الاستثمار في التعليم والتنمية والبحث العلمي. كما أن تحويل الهجوم الاستباقي إلى خيار افتراضي قد يؤدي إلى توسيع دوائر المواجهة بدلاً من احتوائها، ويحول التفوق العسكري من وسيلة لحماية الدولة إلى عامل قد يفاقم عدم الاستقرار.
الجغرافيا والاستيطان وإعادة تعريف الصراع
لا تقف التحولات عند حدود استخدام القوة، بل تمتد إلى تصور الجغرافيا الفلسطينية والإقليمية. فرفض الفصل السياسي والجغرافي والأمني عن الفلسطينيين، والتشكيك في إمكانية إقامة دولة فلسطينية، وتعميق الاستيطان في الضفة الغربية، تعكس توجهاً نحو إدارة الصراع باعتباره واقعاً دائماً لا مساراً سياسياً قابلاً للحل.
وفي هذا السياق، يتحول الاستيطان من مشروع سياسي وجغرافي إلى عنصر في المنظومة الأمنية، فيما يُنظر إلى وجود المستوطنين في مناطق الاحتكاك باعتباره جزءاً من منظومة الدفاع الأمامي. ويثير ذلك تساؤلات بشأن حماية المدنيين، والحدود المعترف بها دولياً، والتداعيات القانونية والسياسية لتوسيع الوجود الاستيطاني.
كما أن التعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها امتداداً لصراع عربي دائم يتجاهل خصوصية الحقوق الوطنية الفلسطينية، ويحد من فرص الوصول إلى تسوية سياسية. وقد يؤدي هذا المنطق إلى تكريس بيئة صراع مفتوح، تتجاوز آثارها الفلسطينيين لتطال استقرار المنطقة بأكملها.
الاستقلال عن واشنطن: طموح استراتيجي أم مخاطرة؟
تطرح العقيدة الجديدة، وفق هذه القراءة، توجهاً نحو تقليل الاعتماد على الولايات المتحدة وتعزيز الاكتفاء الذاتي في الصناعات العسكرية والتكنولوجيا الدفاعية والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.
غير أن هذا الطموح يصطدم بحقيقة أن إسرائيل تعتمد على شبكة واسعة من العلاقات التجارية والعلمية والتكنولوجية والدعم الاستراتيجي الأميركي. ولذلك، فإن تحويل العلاقة مع واشنطن إلى علاقة مصلحية بحتة، أو الانسحاب من أطر التعاون الدولي، قد يرفع كلفة الإنتاج الدفاعي ويزيد مخاطر العزلة التكنولوجية والدبلوماسية.
ولا تكمن المسألة في قدرة إسرائيل على تطوير صناعاتها المحلية فحسب، بل في مدى قدرتها على الحفاظ على تفوقها التكنولوجي ومكانتها الدولية من دون شبكة الشراكات التي ساهمت في تعزيز قوتها.
سوريا والتحولات الإقليمية: اختبار جديد للعقيدة الأمنية
تضيف التحولات في سوريا، وفق القراءة السياسية الواردة في هذه الورقة، تحدياً جديداً إلى الحسابات الإسرائيلية. فالتغير في البيئة السورية، واحتمالات تشكل ترتيبات وتحالفات إقليمية جديدة، قد يدفعان صناع القرار الإسرائيليين إلى إعادة تقييم أولوياتهم الأمنية وعلاقاتهم الإقليمية.
لكن تفسير هذه التحولات باعتبارها تهديداً يستوجب توسيع نطاق المواجهة قد يعزز منطق الحرب الدائمة، بدلاً من فتح المجال أمام مقاربات سياسية ودبلوماسية لإدارة المخاطر. ومن هنا، فإن مستقبل العقيدة الأمنية الإسرائيلية يرتبط أيضاً بكيفية تعاملها مع التوازنات الإقليمية الجديدة، وليس فقط بقدراتها العسكرية.
أمن الدولة أم أزمة الهوية؟
إن التحول الجاري في العقيدة الأمنية الإسرائيلية، إذا استمرت المؤشرات المشار إليها في توجيه السياسات، قد يمثل أكثر من استجابة أمنية لصدمة السابع من أكتوبر؛ فقد يعكس إعادة تشكيل للعلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين الهوية اليهودية والديمقراطية، وبين القوة العسكرية والسلام.
وتكمن المفارقة في أن السعي إلى تحقيق الأمن عبر الحرب الاستباقية الدائمة، وتوسيع الاستيطان، وتراجع الرهان على التسويات، وتقليص الاعتماد على الشراكات الدولية، قد ينتج مخاطر جديدة تتعلق بالعزلة الخارجية والاستنزاف الاقتصادي والانقسام الداخلي.
لذلك، فإن السؤال الاستراتيجي الأهم ليس ما إذا كانت إسرائيل بحاجة إلى مراجعة عقيدتها الأمنية، بل ما إذا كانت هذه المراجعة ستقود إلى إدارة أكثر فاعلية للمخاطر، أم إلى تحول غير خاضع للمساءلة يعيد تعريف هوية الدولة ومستقبلها.
فالدولة لا تُقاس قوتها بقدرتها على خوض الحروب وحدها، بل أيضاً بقدرتها على تحويل التفوق العسكري إلى استقرار سياسي، وبناء علاقات إقليمية مستدامة، والحفاظ على تماسكها الداخلي ومكانتها الدولية. وإذا أصبحت الحرب قاعدة والسلام استثناءً، فقد تجد إسرائيل نفسها أمام أزمة تتجاوز الأمن العسكري إلى سؤال أعمق: أي دولة تريد أن تكون بعد السابع من أكتوبر؟




