العملة المستقرة بالشيكل تحتاج دراسة أثر قبل اي اجتهاد

يغلب على ذاكرتنا عن زمن خليل السكاكيني وعارف العارف وخليل طوطح أن التغيير الكبير، في المناهج أو في التشريعات التي تنظم حياة الناس، كان يمر بجلسات طويلة لأهل الخبرة تصاغ فيها التعديلات، ثم يدرس أثرها وتطبق تدريجيا حتى يطمأن إلى نفعها. وفي أيامنا يحدث أحيانا أن تقتنع جهة بفكرة تمس حياة الناس مباشرة، فيبدأ التطبيق قبل دراسة الأثر. وللإنصاف، الضغوط على المؤسسات اليوم أشد والوقت أضيق، غير أن المنهج يبقى هو المعيار.
وأوضح مثال من الأمس القريب قرار الحد من التعامل النقدي، الذي قدم للرأي العام على أنه يخفف تكدس الشيكل ويرد على اتهامات غسل الأموال. وبعد التطبيق والتوسع في المدفوعات الإلكترونية لم ينخفض المخزون، فهو ما زال فوق 15 مليارا بحسب سلطة النقد نفسها، ولم تتوقف الضغوط على المصارف، فقد أرجئ وقف خدمات المراسلة إلى نهاية العام ولم يلغ.
من هنا يتناول هذا المقال بالدراسة المسبقة مقترح جرى تداوله حديثا بإصدار عملة مستقرة مدعومة بالشيكل، ويختبره بأربعة معايير: أثرها في النقد المتراكم، وفي تدفق النقد الجديد، وفي المواطن، وفي علاقات المراسلة مع المصارف الإسرائيلية. وخلاصته أنها لا تخفض المخزون، وتخفض التدفق فقط إذا قبلها الطرف الإسرائيلي، ونفعها للمواطن محدود في الضفة الغربية وملموس في غزة، ولا تغير شيئا في موعد 31 كانون الأول 2026 ما لم تدخل ضمن حزمة امتثال وتفاوض. فلا تصلح حلا سريعا، والتوصية تجربة مغلقة صغيرة تقاس بنتائج محددة، مع تقديم ثلاثة حلول أقل كلفة وأسرع أثرا.
والعملة المستقرة عبارة عن رمز رقمي يسجل على دفتر إلكتروني مشترك يسمى سلسلة الكتل، وتتعهد الجهة المصدرة باستبداله بقيمة ثابتة من عملة حقيقية. من أودع مئة شيكل لدى المصدر حصل على مئة رمز وبقي المقابل احتياطيا لديه، ويرسلها إلى أي محفظة خلال ثوان وفي أي ساعة، ويستبدلها المستلم بنقد أو رصيد مصرفي. والورقة النقدية وعد البنك المركزي وتنتقل باليد. والرصيد المصرفي وعد بنك يتحرك في ساعات عمل المصارف. والمحفظة الإلكترونية وعد شركة دفع تحتفظ بمقابله في حساب مصرفي، وهي قائمة في فلسطين بموجب قانون المدفوعات رقم 41 لسنة 2022. وللعلم يدرس بنك إسرائيل شيكلا رقميا لن يحل محل النقد. أما العملات المشفرة كبيتكوين فلا جهة تعد بشيء فيها. فالعملة المستقرة وعد جهة خاصة، وقيمتها بقدر جودة احتياطيها.
ويرى غورتون وزانغ (Gorton & Zhang 2023) أنها تشبه أوراق البنوك الخاصة في أمريكا قبل البنك المركزي، ولا تنجح إلا بغطاء كامل من أصول سيادية. وفلسطينيا ينقل الرمز القيمة بسرعة، لكن التسوية النهائية تتم بنقد بنك إسرائيل، فالعملة المستقرة بالشيكل مطالبة على شيكل يقف خلفه بنك إسرائيل ولا تتجاوز قوته.
في المعيار الأول، المخزون، الأثر صفر أو بقدر ما يسمح بنك إسرائيل. فإن بقي الاحتياطي نقدا في الخزائن لم يخرج النقد منها، وإن كان وديعة لدى بنك إسرائيل لزمت موافقته على تحويل الأوراق إلى رصيد، وهو القرار الذي لم يتخذ حتى الآن. وفي الثاني، التدفق، تبلغ الفجوة بين 7 و12 مليارا في السنة، فيجب أن يتحول نحو 28 إلى 40 بالمئة من النقد الداخل إلى مدفوعات رقمية لوقف التراكم. والنقد يدخل من أجور العاملين في إسرائيل والتجارة البينية والصادرات، فالتحول يتوقف على قبول الطرف الإسرائيلي الدفع برصيد أو برمز، ويمر نحو 55 بالمئة من الواردات و85 بالمئة من الصادرات عبر إسرائيل وبالشيكل .
في المعيار الثالث، المواطن، يملك في الضفة الغربية حسابا ومحفظة، ووظيفة الدفع مغطاة أصلا، فلا يضيف الرمز إلا إذا خفض الرسوم أو ربط المحافظ. وفي غزة الفائدة ملموسة، فقد دمر 93 بالمئة من فروع المصارف، وتصل رسوم الصرافين غير الرسميين إلى 40 بالمئة (الأطلسي 2026). غير أن الوصول إلى النقد داخل القطاع قرار إسرائيلي أيضا، والرموز بلا ضمان ودائع ما لم يحمها القانون.
في المعيار الرابع، المراسلة، أرجأ بنكا ديسكونت وهبوعليم وقف التعامل إلى 31 كانون الأول 2026 مقابل إعفاءات تعويض وزارية مؤقتة، ولم يقر الكنيست قانون شركة خدمات المراسلة الذي يجعلها دائمة، وحجتهما مخاطر غسل الأموال وما يترتب عليها من مسؤولية. والرمز لا يغير مسؤولية البنكين، ويضيف أصلا افتراضيا تشترط مسودة بنك إسرائيل لعام 2023 ترخيصه واحتياطيا كاملا. فأثره محايد في أفضل الحالات، وسلبي إذا أطلق دون موافقة مسبقة، وإيجابي فقط إذا صمم مع البنكين ومنحهما بيانات هوية وتتبع لا يوفرها النقد.
وتؤيد التجارب هذه النتيجة. ففي أفغانستان حظر البنك المركزي التداول بها في آب 2022، وفي أوكرانيا أغلق البنك الوطني منافذ تحويل الهريفنيا حين صارت قناة لتهريب الأموال. وفقدت يو إس دي سي ربطها في آذار 2023 لأن 3.3 مليار دولار من احتياطها كانت في بنك منهار. فجودة الاحتياطي هي الضمان، والغطاء القانوني شرط البقاء.
وأفضل أصل مقابل هو وديعة بالشيكل لدى بنك إسرائيل، لكنها تحتاج موافقته، فالمتاح الآن نقد الخزائن، ولأن سلطة النقد لا تملك أدوات المقرض الأخير (Barnett 1998) يقتصر الإصدار على ما تغطيه الخزائن كاملا. وهي ليست بديلا عن الشيكل، فلا تعيد إيراد الإصدار الضائع الذي يقدر ما بين 2 و5 بالمئة من الناتج، وبروتوكول باريس لا يخول سلطة النقد إصدار عملة لوحدها.
والحصيلة أنها ليست الخيار الأمثل، وأولى منها ثلاثة حلول: إعادة الفائض بحسب حجم النشاط الاقتصادي، وإقرار قانون شركة خدمات المراسلة( مع الالتزام بالملاحظات الفلسطينية) قبل 31 كانون الأول 2026، ودفع الأجور رقميا وربط المحافظ. أما التوصيات فعرضها على بنك إسرائيل والمراسلين ضمن حزمة هوية وتتبع كامل مقابل جدول ترحيل ربعي معلن وحصة أعلى، ثم تجربة مغلقة لاثني عشر شهرا بغطاء نقدي كامل وسقف إصدار أولي نحو ملياري شيكل، بمؤشرات نجاح معلنة مسبقا: انخفاض النقد المودع في القطاع التجريبي، واسترداد كامل في يوم عمل، وقبول مكتوب من مصرف إسرائيلي واحد على الأقل. ولا ينتقل المشروع إلى الاستخدام عبر الحدود إلا بقبول مكتوب من بنك إسرائيل ومصرف مراسل. ويبقى خطر لا بد من التحوط له، فلا ضمان بأن لا تدفع إسرائيل لجنة إدارة غزة إلى تبني هذا الخيار وسيلة لفصل غزة ماليا عن النظام المالي الفلسطيني عبر سلطة النقد، ولذلك يصدر أي رمز ويدار بترخيص سلطة النقد ورقابتها في الضفة وغزة معا.
المراجع
Barnett, S. (1998). Monetary policy in the West Bank and Gaza Strip in the absence of a domestic currency. In The Economy of West Bank and Gaza, IMF.
Gorton, G., & Zhang, J. (2023). Taming wildcat stable coins. University of Chicago Law Review, 90(3).
International Monetary Fund (2022). West Bank and Gaza: Selected Issues. Country Report 22/299.
Atlantic Council (2026). Currency policy options for the Palestinian economy.




