Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
منشورات وإصداراتمقالات

لا قبر لهيثم بعد… !!!الاحتلال يحتجز الجثمان والحقيقة.

بقلم: م. معتصم حميدة.

في الرابع من حزيران 2026، أصيب الفتى هيثم عز الدين عمر حميدة، ابن الثامنة عشرة، في بلدة بيتين. اتصل بصديقه ثم بخاله، وأخبرهما بأنه أصيب في قدمه ولم يعد قادرا على السير نقل صديقه الخبر إلى والده، فحاول الاتصال به مرارا حتى أجاب هيثم أخيرا.

قال لوالده: «سامحني يابا».

سمع الأب أصوات جنود بالقرب من ابنه وهم يصرخون عليه ويشتمونه، فسأله: هل الجيش عندك؟

أجاب هيثم: نعم.
ثم كرر: «سامحني يابا».

كان عدد من أفراد عائلته وأهالي بيتين قريبين من المكان، لكن الظلام حال دون رؤية ما كان يجري.

وبعد نحو دقيقتين من انتهاء المكالمة، سمعوا ما لا يقل عن طلقتين وبعد قرابة ساعة، استطاع عمه الأكبر الوصول إلى سيارة الإسعاف الإسرائيلية، ولم يتمكن في اللحظة الأولى من التعرف عليه بسبب التورم الشديد في رأسه ووجهه.
وبحسب ما نقله عن المسعف الإسرائيلي، كان هيثم يعاني إصابات خطيرة ومتعددة، بينها إصابات في الرقبة والصدر.

هذه ليست رواية تقدم بديلا عن التحقيق، ولا حكما قانونيا مسبقا إنها وقائع تؤيد سجلات الاتصال حصول مكالماتها وتوقيتها، بينما يروي الأب والصديق والخال مضمونها، ويروي عم الشهيد ما عاينه، ويؤكد عدد ممن كانوا قريبين من المكان سماع إطلاق النار.

وهي تثير شبهة جدية بوقوع قتل غير مشروع قد يرقى إلى إعدام ميداني لشاب مصاب لم يكن قادرا على السير.

ادعى الجيش الإسرائيلي أن جنوده أطلقوا النار بعد رصد أشخاص يلقون زجاجات حارقة باتجاه مركبات إسرائيلية لكن هذا الادعاء لا يجيب عن الأسئلة المتعلقة بهيثم: ماذا جرى بعد إصابته وعجزه عن السير؟ لماذا كان الجنود يصرخون عليه خلال اتصاله الأخير؟ وما تفسير الإصابات الخطيرة في رقبته وصدره؟ ولماذا لا يزال جثمانه محتجزا، بما يمنع فحصا طبيا شرعيا مستقلا يساعد على التحقق من ظروف الوفاة؟

لم تقف عائلة هيثم عند حدود المناشدة، فقد وكلت محامين مختصين لمتابعة استرداد جثمانه وكشف ظروف استشهاده، ووجه المحامون مراسلات إلى الجهات الإسرائيلية المختصة، لكن العائلة لم تتلقى حتى كتابة هذه السطور، او ردا جوهريا يحسم مصير الجثمان أو يحدد موعد تسليمه كما تواصلت مع المؤسسات الوطنية الفلسطينية، مطالبة بتحرك قانوني وسياسي جاد.

وأبلغت الشرطة الإسرائيلية العائلة بفتح تحقيق، واستدعت والد هيثم وعمه وخاله وصديقه الذي تحدث إليه هاتفيا، واستمعت إلى أقوالهم، لكن العائلة لم تتلق معلومات واضحة عن مسار التحقيق أو نتائجه، فكيف يمكن اعتبار التحقيق كاملا، بينما يبقى الجثمان، وهو الدليل المادي الأهم، محتجزا لدى الجانب الذي يخضع سلوك جنوده للتحقيق؟

التحقيق الذي يستمع إلى الشهود، بينما يبقى الشاهد المادي الأخير محتجزا، هو تحقيق ناقص مهما طال زمنه، فجثمان هيثم ليس حقا عائليا في الدفن وحده، بل دليل مادي يمكن أن يساعد في كشف كيفية القتل ومن يحتجز الجثمان لا يؤجل الدفن فقط ، بل يحتجز الحقيقة التي يحملها.

قصة هيثم ليست حالة منفردة فوفقا لآخر بيان منشور ومتاح، والصادر عن الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء ومؤسسات الأسرى في 26 آب 2026، بلغ عدد الشهداء المحتجزة جثامينهم والمعروفة هوياتهم 799 شهيدا، بينهم 81 طفلا وعشر شهيدات. وقد أعاد الاحتلال في فترات مختلفة جثامين عدد من الشهداء، ما يؤكد أن الاسترداد ممكن، لكنه يطرح سؤالا مؤلما: لماذا تحتاج كل عائلة إلى سنوات من الانتظار والالتماسات حتى تحصل على حق أصيل؟

تقدم إسرائيل ذرائع أمنية لتبرير هذه السياسة، لكن وظيفتها الفعلية تتجاوز أي إجراء مؤقت. فالجثمان يتحول إلى أداة للمساومة والضغط، وتمتد السيطرة من حياة الفلسطيني إلى موته وحق عائلته في دفنه. وتبقى الأسرة خاضعة للقرار الإسرائيلي؛ فلا تملك موعد الوداع، ولا مكان القبر، ولا حق إغلاق دائرة الحداد.

ولا يتعلق الأمر بنداء أخلاقي فقط، بل بالتزامات يقررها القانون الدولي الإنساني. فقواعده توجب احترام الموتى وصون كرامتهم، وترتبط بحق العائلات في معرفة مصير أبنائها، كما تلزم أطراف النزاع بالسعي إلى تسهيل إعادة رفات الموتى بطلب ذويهم واحترام الدفن الكريم والمعتقدات الدينية. لذلك لا يجوز تحويل أجساد الموتى إلى أوراق تفاوض لمعاقبة الأحياء.

وإلى من يبررون هذه السياسة داخل المجتمع الإسرائيلي: هل تقبل أي عائلة إسرائيلية أن يبقى جثمان ابنها محتجزا، وأن تحرم من قبر تزوره أو فحص يكشف كيف مات؟ إذا كان هذا الألم غير مقبول لعائلة إسرائيلية، فكيف يصبح مقبولا عندما تكون العائلة فلسطينية؟ كرامة الموتى لا تتغير بتغير الهوية.

لكن مخاطبة الاحتلال لا تعفي المؤسسات الفلسطينية من مسؤوليتها. لا يجوز أن يبقى الملف عبئا تحمله كل عائلة وحدها، أو قضية تستعاد في المناسبات ثم تعود إلى الأدراج. المطلوب مرجعية وطنية موحدة لاسترداد الجثامين وكشف الحقيقة، بقرار رسمي وصلاحيات معلنة وآلية للمساءلة؛ توحد التوثيق والمتابعة القانونية، وتتواصل مع العائلات دوريا، وتنفذ خطة تصعيد قانوني ودبلوماسي محددة المراحل.

ولا يقاس الأداء بعدد الاجتماعات والصور والبيانات، بل بعدد الملفات التي تحركت والجثامين التي عادت. وإذا كانت المؤسسات المختصة تملك خطة، فمن حق الأهالي أن يعرفوا من يقودها وما الذي تحقق منها. وإذا لم تكن هناك خطة، فمن يتحمل مسؤولية غيابها؟

وإيانا والعبث بمشاعر أهالي الشهداء المحتجزة جثامينهم عبر وعود لا تسندها معلومات واضحة، أو لقاءات تنتهي بصور وبيانات ثم تترك العائلات وحدها في الانتظار. هذه العائلات لا تطلب تعاطفا موسميا، إنها تطلب أن يعود أبناؤها، وأن تعرف كيف قتلوا، وأن تدفنهم بكرامة.
مضت أكثر من أربعة أشهر على استشهاد هيثم، وما زال بلا قبر؛ جثمانه محتجز، والحقيقة محتجزة معه.

وهذه ليست استعارة أدبية، بل إدانة سياسية وقانونية مفتوحة: احتلال يحتجز الجثمان والدليل، ومؤسسات وطنية لم تحول الاسترداد بعد إلى سياسة دائمة تملك خطة وأدوات ومواعيد للمحاسبة.

أعيدوا هيثم ورفاقه إلى عائلاتهم؛ فكرامة الوطن لا تقاس فقط بكيف يصون حياة أبنائه، بل أيضا بقدرته على ألا يترك موتاه رهائن، وحقيقتهم محتجزة، وأهاليهم وحدهم في الانتظار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى