المتغطّي بأمريكا عريان: الاقتصاد الإماراتي وفاتورة الرهان الخاطئ

قالها الرئيس المصري الأسبق لوزير خارجيته في لحظة صدق نادرة: “المتغطّي بالأمريكان عريان”. كان الرئيس انذاك يصف شعوره بعد أن أدرك أن واشنطن تعمل على التخلص منه ومن نظامه، رغم ثلاثة عقود من التحالف. وما كان يخطر في باله أن عبارته ستجد وقعها الأشد تجسيداً بعد سنوات في أبوظبي ودبي. الإمارات التي تنكّرت لعمقها العربي، وآثرت رضا واشنطن وتل أبيب على ما عداها، تجد نفسها اليوم في قلب العاصفة التي آثرت الوقوف على طرفها المريح، فإذا هي أكثر دول الخليج تضرراً، وأكثرها خسارة، وربما أكثرها احتياجاً لمن باعت له ما لا يعوض.
ليس في هذا الكلام شماتة، فالشماتة رذيلة يتعالى عليها التحليل الاقتصادي الجاد. لكن فيه شيئاً أقسى من الشماتة: الأسف. الأسف على دولة باعت الغالي بالرخيص، وقايضت موقعها في أمتها بصفقة ظنت أنها تشتري بها الأمان، فإذا هي تكتشف أن الأمان لا يشترى بالتطبيع، وأن قيمة الحليف تختبر ساعة الأزمة لا ساعة توقيع الوثائق.
قام الرهان الإماراتي على معادلة أفصح عنها الباحثون في مجلة الشرق الأوسط: إسرائيل تكسب الاعتراف والأسواق، والعائلات الخليجية الحاكمة تكسب الحماية والأرباح .
بدت المعادلة متوازنة على الورق. غير أن ما لم تحسبه أبوظبي في خضم مفاوضات اتفاقيات إبراهيم عام 2020 هو أن الحليف الأمريكي قد يشعل حرباً في المنطقة دون أن يستأذن أحداً، وأن الفاتورة ستقع على عاتق من أعطى الشرعية لهذا الحليف في محيطه العربي.
يقول مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي إن الإمارات تحمّلت العبء الأثقل من الضربات الإيرانية الانتقامية بين دول الخليج كلها. والمفارقة أن هذا الثقل جاء بالضبط لأن أبوظبي كانت الأكثر ارتباطاً بالمنظومة الأمريكية الإسرائيلية، فدفعت ثمن لقرار لم تستشر فيه، لحرب لم ترد( او ربما ارادت) خوضها، لصراع افتعله حليفها دون أن يبالغ في التشاور معها.
والأشد مرارة، ما كشفته الأيام التالية. أعلنت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت أن ترامب “سيهتم كثيراً” بمطالبة الدول العربية بتمويل تكاليف الحرب على إيران، في إشارة صريحة إلى النموذج الذي سبق في حرب الخليج 1991 حين جمعت دول المنطقة وحلفاء آخرون نحو 54 مليار دولار . وتقدر تحليلات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية تكلفة العمليات الأمريكية بـ35 مليار دولار في الأسابيع الخمسة الأولى، بمعدل مليار دولار يوميا ، والبنتاغون يطالب الكونغرس بمئتي مليار دولار إضافية. ما يجعل هذا المشهد لافتا هو أن واشنطن وتل أبيب شنتا الحرب منفردتين دون أن تستأذنا أحداً، ثم التفتتا إلى الخليج لدفع الفاتورة. تلك هي الشراكة في صورتها الأكثر صدقاً، وتلك هي المعادلة التي لم يحسن المطبعون قراءة هامشها الأدق.
ولتفهم حجم ما خسرته الإمارات، لنقرأ الأرقام. قبل اندلاع الحرب، توقع صندوق النقد الدولي في تقييمه الأخير نمو في الاقتصاد الإماراتي بحوالي 4.8% عام 2025 ويرتفع إلى خمسة بالمئة عام 2026، وكانت وكالات التصنيف الثلاث الكبرى تمنح الإمارات أعلى درجاتها: AA من ستاندرد آند بورز، وAa2 من موديز، وAA- من فيتش، وكلها برؤية مستقبلية مستقرة. ثم جاءت الحرب.
فقدت الأسواق الإماراتية أكثر من مئة وعشرين مليار دولار من رأسمالها منذ بدء الحرب، مع تراجع مؤشر دبي 16 % ومؤشر أبوظبي 9 % لكن الرقم الأشد دلالة مما يعلن هو ذاك الذي يقرأ في القرارات: خفض المنظمون سقف التذبذب اليومي المسموح به من 10% إلى 5، وهو إجراء لا يلجأ إليه المنظم إلا حين يخشى موجة بيع تفوق قدرة السوق على الاستيعاب، وكان من بين المستهدفين أسهم إعمار العقارية واتصالات الإمارات، رمزا النموذج الاقتصادي الإماراتي.
في الأيام الأولى، أصدر كل من غولدمان ساكس وجي بي مورغان وسيتي غروب وكوميرتس بنك ونومورا توجيهاً لموظفيهم بالعمل من المنزل، فيما شرعت صناديق التحوط في مراجعة حجم انكشافها الإقليمي. حين تبدأ أكبر بنوك العالم في قياس مسافتها من سوق ما، فإنها تعيد رسم خرائط المخاطر بأثر لا يمحوه بيان رسمي.
الضربة الأعمق وقعت على النموذج لا على الأرقام. كانت الإمارات تؤدي دور الرئة الاقتصادية لإيران المحاصرة، إذ بلغت التجارة غير النفطية بين البلدين في السنة الفارسية المنتهية اذار 2025 مستوى قياسي عند 29.1 مليار دولار، منها 21.9 مليار دولار صادرات وإعادة تصدير إماراتية نحو إيران. اليوم تخسر الإمارات هذا المورد، وتتلقى في المقابل صواريخ من الشريك التجاري ذاته، وتواجه ضغط أمريكي لتجميد أصوله بما يعرض بنوكها لصدمات ائتمانية من تشابك علاقات مالية راكمتها على مدى عقود.
تقدر التحليلات الاقتصادية إجمالي خسائر الإمارات في الشهر الأول بستة مليارات دولار تشمل انهيار السياحة وتعطل المؤتمرات والاضطرابات في ميناء الفجيرة، مع ملاحظة بالغة الأهمية أن الضربة الحقيقية تطال النموذج ذاته: دبي وأبوظبي بنتا مكانتهما العالمية على الطيران واللوجستيات والخدمات المالية، وهي تحديداً القطاعات التي تحتمل أشد الصدمات.
وكانت وكالة فيتش قد توقعت قبل الحرب تصحيح في الأسعار يصل إلى15% في السوق العقارية ب دبي التي كانت أصلاً في موضع هشاشة، فيما رصدت وكالة UBS أن دبي تحتل المرتبة الخامسة عالمياً في مخاطر الفقاعة العقارية قبيل اندلاع الأزمة.
ميناء جبل علي يستحق وقفة مستقلة لأن أرقامه تختلف بين ما يعلن وما يقاس. الميناء يُعالج 530 مليون دولار يومياً من التجارة غير النفطية، وميناء خليفة في أبوظبي يُضيف 200 مليون دولار يومياً ، وكلاهما يعتمد على بيئة ملاحية مستقرة لا وجود لها حالياً. بيانات Lloyd’s List تُظهر أن حركة العبور في مضيق هرمز انهارت بنسبة 94 بالمئة عن المعدلات المعتادة في مارس، مع تسجيل 211 عبوراً فقط لسفن شحن منذ مطلع الشهر، وهو رقم لا يمكن لأي بيان رسمي التخفيف من وطأته.
سوق العقارات هو الأكثر تعقيداً في قراءة المشهد. في اذار 2026 — أول شهر كامل تحت ظل الحرب — تراجعت قيمة صفقات العقارات في دبي بنسبة 29.2 بالمئة عن شباط، و12.6 % عن اذار 2025 . لكن اللافت في البيانات، وهو ما لا تظهره الأرقام الإجمالية، أن هذا التراجع يعكس هروب المضاربين والمستثمرين الدوليين أكثر مما يعكس انهياراً في الطلب الفعلي. وكانت وكالة فيتش قد توقعت قبل الحرب تصحيحاً في أسعار العقارات يصل إلى خمسة عشر بالمئة بحلول 2026 بعد ارتفاع 60 بالمئة منذ 2022، ولاحظت وكالة UBS السويسرية أن دبي تحتل المرتبة الخامسة عالمياً في مؤشر مخاطر الفقاعة العقارية .
الحرب إذن جاءت لتُضغط على سوق كانت المؤشرات المستقلة تنبّه أصلاً إلى سخونته المفرطة.
الشرائح الأكثر هشاشة في المحفظة الائتمانية للبنوك الإماراتية هي تمويل التجارة بنسبة 9.5 % من إجمالي الائتمان، والنقل واللوجستيك بنسبة 5.4 %، والعقارات بنسبة 11.3 %، وكلها القطاعات المباشرة التي تعاني الآن. يضاف إلى ذلك أن الودائع غير المقيمة تمثل نحو 9% من إجمالي التمويل المصرفي، وهي بطبيعتها حساسة جداً للمناخ الجيوسياسي ويمكن أن تنعكس بسرعة في لحظات الأزمات.
صحيح أن المصرف المركزي أطلق في اذار أكبر حزمة مرونة له منذ جائحة كوفيد لتحرير سيولة إضافية لدى البنوك ، لكن الأهمية الحقيقية لهذه الحزمة تكمن في توقيتها لا في حجمها: الأنظمة المصرفية لا تُطلق حزم طوارئ إلا حين ترى ضرورة لذلك.
وثّقت رويترز أن مستثمرَين هنديَّين مقيمَين في دبي سعيا فور بدء الضربات الإيرانية إلى تحويل أكثر من مئة ألف دولار لكل منهما من حسابات دبي إلى سنغافورة لتنويع المخاطر. هذه الحادثة المحددة مهمة لأنها نمط لا حادثة فردية: مستشارو الثروات الخاصة في هونغ كونغ يرصدون لأول مرة منذ سنوات تزايداً في الاستفسارات من مديري مكاتب العائلات السابق تموضعهم في دبي ، وإن كان الحكم النهائي على حجم هذا التحول يستلزم بيانات تراكمية لم تكتمل بعد.
في قلب هذا المشهد ذهب محافظ المصرف المركزي الإماراتي الى واشنطن ليطلب خط مبادلة عملة. الاحتياطي الفيدرالي لا يحتفظ بهذه الخطوط إلا مع خمسة مصارف مركزية في العالم كله، ولم يدرج في قائمته الموسعة إبان الجائحة أي مصرف عربي. رغم احتياطيات الإمارات من العملات الأجنبية التي تقدر بـ270 مليار دولار وصناديق سيادية تتجاوز تريليوني دولار، فإن إغلاق المضيق أعاق الإيرادات الدولارية من النفط وبات يولد ضغط متراكم على السيولة. بينما أصرّ السفير يوسف العتيبة على أن الأمر “نداء ثقة لا نداء استغاثة”، وصفه اقتصاديو بلومبرغ بأنه سعي للانضمام إلى “نادي المصارف المركزية ذات الوصول الدائم للسيولة الدولارية”. لكن نوادي هذا النوع لا تقرع أبوابها في الأوقات الهانئة.
بينما يتمسك صندوق النقد الدولي بنمو 3.1 % للإمارات في سيناريوه المرجعي، تضع كابيتال إيكونوميكس اللندنية انكماش بين 5 و 10% في سيناريوهاتها الأكثر واقعية، فيما يتوسط البنك الدولي بنمو 1.3 % مع تحذير صريح من “ندوب اقتصادية طويلة الأمد” . هذه الهوة التي تبلغ ثلاث عشرة نقطة مئوية بين أعلى تقدير وأدناه تعكس متغير واحد واضح كالشمس إلى متى سيبقى مضيق هرمز خارج دائرة الثقة التجارية الكاملة؟
الصحافة السعودية نفسها، غير المعروفة بانتقاد الجيران الخليجيين، نشرت مقالات تصف الإمارات بأنها “حصان طروادة صهيوني” في المنطقة، وصرّح كتّاب بارزون بأن أبوظبي “باعت استقرار المنطقة مقابل طموحات هيمنة إقليمية ورضا تل أبيب” . هذه الصياغات القاسية ليست مزاج عابر، بل تعكس وضعاً موضوعياً يصعب على أبوظبي تجاهله حين تسعى لاستعادة دورها في محيطها.
خلص مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي إلى أن دول الخليج ستُنفق مليارات على تحصين دفاعاتها الجوية في السنوات القادمة، وهو إنفاق سيقتطع بالضرورة من موازنات التحول الاقتصادي وخطط التنويع والمشاريع الكبرى. حتى لو انتهت الحرب غداً وفتح المضيق، فإن ما بعدها لن يكون كما قبلها. الفاتورة الحقيقية ليست ما يحصى في الشهر الأول، بل ما سيستنزف طوال العقد القادم من موارد كانت مُخصصة لبناء المستقبل.
الاحتياطيات موجودة، والنظام المصرفي صامد، والتصنيف السيادي محفوظ حتى الساعة. لكن ما بيع لا يُشترى بالأرقام: الثقة التي تراكمت، والحياد الذي كان رصيداً استراتيجياً، والعمق الإقليمي الذي كان أمانة. من باع هذا كله، يعرف في قرارة نفسه أنه لم يبع بالسعر المناسب. وقد كان مبارك، في إحدى لحظاته النادرة، أكثر صراحة مما يستطيع أن يكون أي محلل اقتصادي.
المراجع
United Nations Development Programme – Regional Bureau for Arab States. (2026, March 30). Economic and social implications of the 2026 Iran war. https://www.undp.org/sites/g/files/zskgke326/files/2026-03/seia_rbas-march_30.pdf
Bank Audi – Group Research Department. (2026, January). UAE economic report. https://pwstg02.blob.core.windows.net/pwfiles/ContentFiles/10868PublicationFile.pdf
Capital Economics. (2026, April). Will the war trigger a debt crisis in Dubai? https://www.capitaleconomics.com/publications/middle-east-north-africa-economics-update/will-war-trigger-debt-crisis-dubai
www.bloomberg.com/news/articles/2026-03-01/iran-strikes-uae-hedge-funds-banks-in-contingency-mode-in-dubai-abu-dhabi
Bloomberg. (2026, April 8). Bankers start weighing UAE return hours after US-Iran ceasefire. https://www.bloomberg.com/news/articles/2026-04-08/bankers-start-weighing-uae-return-hours-after-us-iran-ceasefire
Bloomberg. (2026, April 21). Trump says currency swap with UAE is under consideration. https://www.bloomberg.com/news/articles/2026-04-21/trump-says-currency-swap-with-uae-is-under-consideration
CNBC. (2026, April 21). Trump administration discussing currency swap line with UAE. https://www.cnbc.com/2026/04/21/trump-iran-war-white-house-uae-currency-swap-line.html
Fortune. (2026, April 20). UAE officials reportedly warned they may be forced to use yuan or other currencies if they run low on dollars amid the Iran war. https://fortune.com/2026/04/20/uae-central-bank-dollar-lifeline-fed-treasury-currency-swap-chinese-yuan-iran-war/
Institute for National Security Studies. (2026, February). Saudi Arabia’s new approach to Israel and the normalization process. https://www.inss.org.il/publication/saudi-israel-2026/




