الصدق في الوصف لا يكفي؛ الحكمة في الإدارة هي المطلوب

ثمة درس في غاية الاهمية على الحكومات ان تأخذ به، وهو انه في أوقات الازمات، لا يكفي أن تكون صادقا في وصف الأزمة؛ بل المطلوب أن تكون حكيما في إدارتها. فتصريحات عدة مسؤولين حكوميين فلسطينيين، والتي وصفو فيها الوضع المالي الحالي بأنه تهديد وجودي للمشروع الوطني، أو أن العام 2026 سيكون الأصعب ماليا في تاريخ السلطة الوطنية، نستحضر مباشرة تصريحات وزير المالية الأردني الأسبق أمية طوقان في العام 2012، الذي أثار فزعا في الأسواق وحمل رئيس الوزراء الاردني في حينه إلى دفعه للتراجع عنها. لكن السؤال الذي يفرض نفسه الآن: لماذا يصر المسؤولون على تجاهل تجارب الآخرين، ونشر خطاب الكارثة والخوف بديلا من إدارة الأزمة، خاصة في ظل اقتصاد هش لا يحتمل أي صدمة إضافية في ثقة المستثمرين والأسواق؟
في المقابل، وبدقة متناقضة، كان بعض أطراف العالم يتعامل مع صدمات مماثلة وكأنه يخوض حربا وجودية، متخذا إجراءات حازمة وغير مسبوقة تبدأ من القاعدة وتصل إلى القمة. في العامين 2025 و2026، ومع تصاعد أزمة الطاقة العالمية بسبب تداعيات الحرب الحروب الامريكية الاسرائيلية على الشرق الاوسط وتأثيراتها على امن واسعار الطاقة، لم تقف الدول مكتوفة الأيدي تنتظر معجزة أو منحا خارجية؛ بل شرعت فورا في تنفيذ سياسات ترشيد عميقة ومؤلمة. ففي تايلاند على سبيل المثال، لم يكتفِ رئيس الوزراء بإطلاق حملات توعية، بل تم إلزام الموظفين الحكوميين بالتقليص من استخدام المصاعد والاعتماد على السلالم، إضافة إلى ارتداء قمصان قصيرة الأكمام والتخلي عن البدلات وربطات العنق بما سمح برفع حرارة أجهزة التكييف إلى 27 درجة في جميع المباني الحكومية. ووسط موجات الحر الشديدة، طلبت الحكومة من المواطنين تقليل الاستحمام، لتخفيف الضغط على شبكات الكهرباء والمياه الساخنة. أما في كوريا الجنوبية، فقد أعادت إحياء سياسات عام 1997، داعية المواطنين إلى تقصير فترات الاستحمام وشحن هواتفهم النقالة خلال ساعات النهار فقط، لتخفيف الأحمال على الشبكة الوطنية أثناء الذروة، بالإضافة إلى تفعيل سقف أسعار الوقود لأول مرة منذ عقود. وبينما نستخدم في فلسطين لغة النعي، كانت دول أخرى تنتقل مباشرة إلى إجراءات تقشفية تشمل تجميد فعلي للتوظيف الحكومي، بيع أصول الدولة، فرض ضرائب جديدة، وفي الحالات القصوى إغلاق سفارات بأكملها وتقليص عدد البعثات الدبلوماسية.
ما يثير الاستغراب حقا ليس كوننا نعيش في أزمة، بل أن نفشل في استنباط آليات مالية خاصة للتعامل مع الأزمات، على غرار ما تفعله دول العالم.
هنا لا بد من العودة إلى تجربة فريدة من نوعها. القائد الفلسطيني الراحل فيصل الحسيني لم ينتظر في منتصف التسعينيات منحة أوروبية لشراء أرض في القدس؛ لقد فهم أن معركة القدس هي معركة وجود، فبادر عبر مبادرته (اشتري زمنا في القدس) إلى شراء أراضٍ استراتيجية في المدينة عبر استثمار أموال المغتربين الفلسطينيين والأثرياء العرب، محول االمال الخاص إلى مشروع سياسي مقاوم. لم يكن الحسيني ينتظر لا موافقات، ولا التزامات أي مانح. لقد حاول أدارة أزمة الوقت بتمويل شعبي مباشر، واعتقد أن هذه الروح في الريادة والاعتماد على الذات يجب أن تنتقل اليوم إلى إدارة الأزمة المالية.
وبالرجوع الى النموذج الذي طبقته الحكومة الاسرائيلية عبر ما يسمى سندات المغتربين في العامين 2023 و2024، وخلال الحرب الاسرائيلية على غزة، حيث أعادت إحياء آلية سندات المغتربين والتي تعود لعام 1951. هذه الآلية مكنتها في عام 2023 وحده من تحقيق مبيعات لهذه السندات تجاوزت 2.7 مليار دولار من اليهود والمتعاطفين معها في العالم. فحولت المغتربين من مجرد مصدر لتحويلات عابرة إلى مستثمرين طويلي الأجل في بلدهم، مع عوائد يحددها السوق. نتسائل لماذا لم نفكر نحن، ولو للحظة، بمحاكاة هذه التجربة؟ مع جالية مغتربة من ملايين الفلسطينين حول العالم، حيث أن إصدار سندات وطنية أو صكوك إسلامية عبر منصات رقمية آمنة، موجهة لهذه الفئة، يمكن أن يدر سيولة هائلة ويعيد بناء جسور الانتماء المالي والوطني بين الشتات والدولة الفلسطينية تحت التأسيس.
نعم، الأزمة المالية حقيقية. نعم، إسرائيل تمارس ابتزازا حقيقيا عبر احتجاز أموال المقاصة التي تشكل نحو 70% من الإيرادات العامة الفلسطينية. لكن الخلل ليس في الخارج فقط، بل في الداخل وفي استراتيجية إدارة الأزمة. نحن بحاجة ماسة إلى خريطة طريق للحلول، وليست حبيسة التصريحات الناعية.
وهنالك أعتقاد جازم انه من الضرورة بمكان دراسة جدية لإعادة هيكلة جذرية لصندوق الاستثمار الفلسطيني، الذي يدير أصولًا بمئات الملايين من الدولارات، لكنه عاجز عن أن يكون جسرا بين أثريائنا في الداخل والخارج. يجب أن يتحول هذا الصندوق إلى أداة لخلق مشاريع مشتركة ذات عوائد مجزية، بدلاً من أن يبقى أسيرا لاستراتيجيته الاستثمارية المرتكزة على السوق المحلي، والمرهونة في معظم جوانبها لقيود المقاصة التي تصادرها إسرائيل، فإن مخرجات هذه الاستثمارات تُفاقم المشكلة بدلا من حلّها، ولا تحقق عائدا وطنيا مجزيا.
وهنا لا بد من خطوات حقيقية ( لا تصريحات اعلامية) لتعزيز الإيرادات المحلية وترشيد النفقات. لا يمكن الاستمرار في دفع رواتب القطاع العام التي تلتهم ما نسبته 75% من النفقات الجارية، وهي ترهل إداري لا يمكن تحمله في زمن الأزمة. النظام الصحي يستنزف جزءا كبيرا من الميزانية تتجاوز ٢ مليار شيكل سنويا دون أن يقدم وحسب الكثير من المواطنين والخبراء الخدمات النوعية المأموله، ونظام التعليم بشقيه الاساسي والعالي يحتاج كذلك إلى إعادة هيكلة جذرية ليعيد للفلسطيني مكانته كمنارة للعلم. الإجراءات التقشفية المعلنة لا تزال رمزية، وذات تأثير لا يذكر.
ويبقى السؤال المهم لدى المواطن، لماذا اجراءات تفعيل الدبلوماسية الاقتصادية مع المجتمع الدولي لا زالت باهته، والحديث هنا ليس فقط عن المطالبة بالمنح والمساعدات، بل لترجمة التعهدات الأوروبية إلى برامج إصلاح ورقابة، وإعادة تعريف مصفوفة المساعدات الدولية التي تقدمها حكومات مثل ألمانيا وفرنسا وروسيا للفلسطينيين لتكون أكثر فاعلية. هذا يتطلب منا تقديم خطط إصلاح قابلة للتنفيذ وشفافة، بدلا من إطلاق التحذيرات المذعورة التي تضعف القدرة على التفاوض.
إذا كان المسؤول الفلسطيني لا يريد إثارة الذعر، فليتبع النماذج التي سبقته: إجراءات تقشفية فورية لا تنتظر، شراكات استثمارية إبداعية، آليات تمويل وطنية مثل سندات المغتربين، وإصلاحات مالية هيكلية تبدأ من أعلى الهرم. لقد حان الوقت لإدارة الأزمة، لا النعي الدائم لها. فالصراخ ليس استراتيجية، والتحذير من الموت لا يمنعه.




