مقومات إدارة الأزمات العسكرية في ضوء خبرة الناتو والاتحاد الأوروبي والدروس المستفادة فلسطينياً

د. معين الكوع
الباحث في معهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي
تعتبر إدارة الأزمات العسكرية من أكثر مجالات العمل الأمني والسياسي تعقيداً، لأنها لا تتعلق فقط باستخدام القوة أو نشر القوات، بل ترتبط بمنظومة متكاملة من القرار السياسي، والتفويض المؤسسي، والقدرات العسكرية، والشرعية القانونية، والتنسيق بين الفاعلين، وعليه انطلق في هذه المقالة من تحليلي لأهم الكتب في هذا المجال لكلوديا فاهرون-هوسي، بعنوان “عمليات إدارة الأزمات العسكرية التي يقوم بها حلف الناتو والاتحاد الأوروبي: عملية صنع القرار” والذي يؤكد على أن إدارة الأزمات العسكرية لا يمكن فهمها بوصفها فعلاً وعملاً عسكرياً مباشراً، بل باعتبارها عملية قرار متعددة المستويات، تبدأ من تشخيص الأزمة، وتمر بتحديد الجهة الأنسب لإدارتها، وتنتهي بتفويض جهة أو أكثر لتنفيذ العملية العسكرية. وعلى الرغم من أن الكتاب يتحدث عن تجارب الناتو والاتحاد الأوروبي، إلا أن إطاره النظري يمكن الاستفادة منه على المستوى الفلسطيني، وهو ما سأختم به هذه المقالة على شكل دروس مستفادة قائمة على إطار علمي بحت وليس رؤية شخصية.
ينطلق الكتاب من إشكالية مهمة تتمثل في أن كلاً من حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي يمتلكان القدرة على تنفيذ عمليات عسكرية لإدارة الأزمات، خصوصاً خارج أراضيهما، وبالرغم من ذلك لا توجد دائماً تقسيم عملي واضح بين المؤسستين؛ ففي بعض الأزمات بتم تفويض المهمة المهمة إلى الناتو، وفي أزمات أخرى إلى الاتحاد الأوروبي، وفي حالات معينة يعمل الطرفان بشكل متوازٍ. وعليه، لا يكون السؤال المركزي: هل توجد أزمة تستدعي تدخلاً عسكرياً؟ بل يصبح السؤال الأهم: من الجهة الأكثر ملاءمة لإدارة هذه الأزمة تحديداً؟
إن أول مقوم من مقومات إدارة الأزمات العسكرية هو “ملاءمة الجهة المنفذة لطبيعة الأزمة،” فالدول لا تختار المؤسسة المنفذة عشوائياً، بل وفقاً لما يمكن تسميته بــ”خصائص الوكيل،” والذي يقصد به أن المنظمة الدولية، سواء كانت الناتو أو الاتحاد الأوروبي، يتم تقييمها من حيث مدى قدرتها وملاءمتها للتعامل مع أزمة معينة، فقد تكون أزمة ما بحاجة إلى قوة عسكرية صلبة وسريعة الانتشار، وهنا يصبح الناتو أكثر ملاءمة، وقد تكون أزمة أخرى بحاجة إلى مزيج من الأدوات العسكرية والمدنية والسياسية، وهنا قد يكون الاتحاد الأوروبي أكثر قدرة على التعامل معها، وبذلك، فإن الإدارة العسكرية الفاعلة للأزمة تبدأ من الاختيار الصحيح للأداة المؤسسية.
أما المقوم الثاني فهو “القدرات المادية،” والتي تشمل القوات، والطائرات، والسفن، وأنظمة القيادة والسيطرة، والاستخبارات، والقدرة على الانتشار السريع؛ فالأزمة العسكرية لا يتم غدارتها بالتصريحات السياسية وحدها، بل تحتاج إلى موارد فعلية قابلة للاستخدام في الميدان، ومن دون هذه القدرات، يصبح القرار السياسي بالتدخل محدود الأثر، ولهذا تبرز أهمية الناتو في بعض الحالات التي تتطلب قدرات عسكرية متقدمة، مثل فرض حظر جوي، أو تنفيذ عمليات بحرية، أو إدارة عمليات قتالية معقدة.
إلى جانب القدرات المادية، يبرز المقوم الثالث وهو “القدرات غير المادية،” والتي يقصد بها الخبرة المتراكمة، والمعرفة المؤسسية، والقدرة على التخطيط، والخبرة السابقة في إدارة عمليات مشابهة، والسمعة الدولية، والقبول السياسي، وهي عناصر لا تقل أهمية عن السلاح والعتاد، لأن إدارة الأزمة تحتاج إلى خبرة في تحويل القرار السياسي إلى خطة عملياتية قابلة للتنفيذ، فالمنظمة التي سبق أن أدارت أزمات مشابهة تمتلك ذاكرة مؤسسية تساعدها على تقليل الأخطاء، وتسريع التخطيط، وتحديد المخاطر المتوقعة.
أما المقوم الرابع فيتمثل في “وضوح التفضيلات السياسية،” فحتى إذا توفرت القدرات العسكرية، فإن العملية قد تفشل إذا لم يكن هناك توافق سياسي حول أهدافها. إدارة الأزمة العسكرية تحتاج إلى إجابة واضحة عن أسئلة أساسية: ما الهدف من التدخل؟ هل المطلوب حماية المدنيين؟ أم منع تمدد الصراع؟ أم مكافحة القرصنة؟ أم حفظ السلام؟ أم دعم الاستقرار بعد النزاع؟ إن غياب التوافق حول الهدف يجعل العملية عرضة للتردد، والتناقض، وتعدد مراكز القرار، ولذلك تؤكد كلوديا فاهرون-هوسي في كتابها المذكور سابقاً أن تفضيلات الدول الأعضاء وتفضيلات المنظمة المنفذة يجب أن تكون متقاربة بما يكفي لإنجاح العملية، وبالتالي يرتبط ذلك لالمقوم الخامس، وهو “آلية التفويض واتخاذ القرار”. تسخدم الكاتبة مقاربة “الأصيل-الوكيل،” حيث تمثل الدول الأعضاء الطرف الأصيل الذي يملك القرار السياسي، بينما تمثل المنظمة الدولية الوكيل الذي يُفوض بتنفيذ العملية، ومن هذا المنظور، لا تبدأ إدارة الأزمة من ساحة القتال، بل من قاعة القرار، إذ يجب أن تحدد الدول من الذي سينفذ، وبأي صلاحيات، وتحت أي قيادة، ووفق أي أهداف. وكلما كان التفويض واضحاً، زادت قدرة الجهة المنفذة على العمل بكفاءة، وأما التفويض الغامض فيؤدي غالباً إلى ارتباك في التنفيذ، وتداخل في الصلاحيات، وضعف في المساءلة.
ومن المقومات المهمة أيضاً “دور الدول المحورية في صناعة القرار،” فالدول الكبرى داخل الناتو والاتحاد الأوروبي، مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا، تؤثر بقوة في قرار التدخل العسكري، وهذا يعني أن إدارة الأزمات العسكرية ليست مجرد عملية مؤسسية محايدة، بل تتأثر بموازين القوى، والمصالح الوطنية، والتقديرات الاستراتيجية للدول الفاعلة، ولذلك، فإن فهم أي عملية عسكرية لإدارة أزمة يتطلب دراسة مواقف الدول المؤثرة، وليس الاكتفاء بدراسة المنظمة التي تنفذ العملية.
كذلك تعتبر “بنية القيادة والسيطرة،” مقوماً أساسياً في إدارة الأزمات العسكرية، حيبث لا يمكن تنفيذ عملية عسكرية ناجحة من دون تسلسل قيادي واضح، وخطط عملياتية، ومراكز تنسيق، وآليات اتصال، وأوامر تنفيذ، فالأزمة بطبيعتها تتسم بالسرعة والضبابية وعدم اليقين، ولذلك تحتاج إلى قيادة قادرة على اتخاذ القرار، وتوزيع الأدوار، وتعديل الخطط وفق تغيرات الميدان، فضعف القيادة والسيطرة يؤدي إلى الفوضى، ويزيد احتمال الأخطاء، ويضعف ثقة الأطراف السياسية والعسكرية بالعملية.
أما المقوم الثامن فبتمثل في “القدرة على الاستجابة السريعة،” فالزمن في الأزمات العسكرية ليس عنصراً ثانوياً، بل قد يكون العنصر الأكثر حسماً واهمية، حيث أن التأخر في التدخل قد يؤدي إلى اتساع رقعة الصراع، أو ارتفاع عدد الضحايا، أو فقدان السيطرة على مسار الأزمة، وعليه، فإن الجهة التي تمتلك قوات جاهزة، وخططاً مسبقة، وآليات انتشار سريعة، تكون أكثر قدرة على إدارة الأزمة من الجهة التي تحتاج إلى وقت طويل لتجهيز القرار والقدرات، وهذا ما يجعل الجاهزية العملياتية أحد معايير اختيار الجهة المنفذة.
ويُضاف إلى ذلك مقوم “الشرعية القانونية والسياسية،” فالعمليات العسكرية لإدارة الأزمات تحتاج إلى غطاء قانوني وسياسي، سواء من خلال قرارات دولية، أو موافقة الدول المعنية، أو توافق بين الحلفاء. إن الشرعية لا تمنح العملية فقط أساساً قانونياً، بل توفر لها قبولاً دولياً، وتقلل من كلفتها السياسية والإعلامية، وتساعد في حشد الدعم، فالعملية التي تفتقر إلى الشرعية قد تتحول من أداة لإدارة الأزمة إلى سبب جديد لتعقيدها.
وأخيراً، يبرز مقوم “التنسيق وتجنب الازدواجية المؤسسية،” حيث توضح كلوديا فاهرون-هوسي في كتابها المذكور سابقاً، أن الناتو والاتحاد الأوروبي يتداخلان في مجال إدارة الأزمات العسكرية، وأن غياب تقسيم واضح للعمل قد يؤدي أحياناً إلى تنافس أو ازدواجية. وعليه، فإن الإدارة الناجحة للأزمة تتطلب تحديداً دقيقاً للأدوار: من يقود؟ من يدعم؟ من يوفر القدرات العسكرية؟ من يتولى الجوانب المدنية أو السياسية؟ ومن ينسق مع الأطراف الدولية الأخرى؟ إن غياب هذا التنسيق قد يؤدي إلى هدر الموارد، وإضعاف الفاعلية، وإرباك الرسائل السياسية والعسكرية.
بناءً على ما سبق، يتضح أن إدارة الأزمات العسكرية الناجحة لا تقوم على القوة وحدها، بل على حسن تنظيمها وتوجيهها وتفويضها، فالسؤال الجوهري في إدارة الأزمة ليس فقط، هل توجد أزمة تستدعي التدخل؟ بل، من الجهة الأكثر ملاءمة لإدارة هذه الأزمة؟ وما طبيعة التفويض الممنوح لها؟ وما مدى توافر القدرات، والخبرة، والشرعية، والتنسيق السياسي والعملياتي؟ هذه الأسئلة تكتسب أهمية خاصة في السياق الفلسطيني، لأن الحالة الفلسطينية تختلف عن السياقات التقليدية للدول كاملة السيادة، ففلسطين لا تمتلك سيادة كاملة على الأرض والمعابر والحدود والمجال الجوي والموارد الأمنية، كما أن عملها الأمني يجري في بيئة سياسية وقانونية شديدة التعقيد، تتداخل فيها القيود التي يفرضها الاحتلال، والانقسام الجغرافي والسياسي، والضغوط الدولية، والحاجة الدائمة إلى الحفاظ على النظام العام وحماية السلم الأهلي.
ومن هنا، فإن الاستفادة الفلسطينية من هذه التجربة لا تعني نقل نموذج الناتو أو الاتحاد الأوروبي بصورة حرفية، بل تعني تكييف منطقه المؤسسي مع الواقع الفلسطيني، فالأزمات التي تواجهها المؤسسة الأمنية الفلسطينية ليست في الغالب أزمات عسكرية تقليدية عابرة للحدود، بل هي أزمات مرتبطة بفرض القانون، وحماية النظام العام، ومنع الفوضى، والتعامل مع الاحتجاجات، وملاحقة الجريمة، وإدارة التوترات المحلية، وضبط السلاح غير القانوني، والاستجابة للحوادث الأمنية الطارئة، ولذلك، فإن معيار النجاح لا يكون في حجم القوة المستخدمة، بل في القدرة على استخدام القوة بصورة قانونية، منضبطة، متناسبة، ومقبولة مجتمعياً.
إن أول درس يمكن استخلاصه فلسطينياً هو ضرورة تحديد الجهة الأمنية الأكثر ملاءمة لكل أزمة، فكما يميز الكتاب بين الناتو والاتحاد الأوروبي وفقاً لخصائص كل منهما، يحتاج السياق الفلسطيني إلى تمييز واضح بين أدوار الأجهزة الأمنية المختلفة، فليست كل أزمة من اختصاص الجهاز نفسه، وليست كل حالة ميدانية تحتاج إلى النمط ذاته من التدخل، فبعض الأزمات ذات طبيعة شرطية تتطلب حضور الشرطة المدنية، وبعضها يرتبط بالنظام العام ويحتاج إلى تدخل قوات الأمن الوطني أو الأمن الوقائي ضمن صلاحيات محددة، وبعضها يتطلب معالجة استخبارية أو جنائية أو مجتمعية، ولذلك، فإن الإدارة الرشيدة للأزمة تبدأ من سؤال بسيط لكنه مهم، بتمثل في، من الجهاز الأكثر اختصاصاً وملاءمة لهذه الأزمة تحديداً؟
والدرس الثاني يتمثل في أهمية وضوح التفويض القانوني والمؤسسي، ففي الحالة الفلسطينية، حيث تتعدد الأجهزة الأمنية وتتشابك الصلاحيات، يصبح التفويض الواضح شرطاً أساسياً لتجنب الازدواجية أو التنافس أو تضارب الأوامر، فكل أزمة أمنية يجب أن يتم إدارتها وفق سلسلة قيادة محددة، وصلاحيات واضحة، وقواعد اشتباك منضبطة، ومسؤولية مؤسسية قابلة للمساءلة، فغياب التفويض الواضح قد يؤدي إلى ارتباك في الميدان، أو استخدام مفرط للقوة، أو تضارب بين الأجهزة، أو ضعف في الرسالة الرسمية أمام الجمهور، ولذلك، فإن وضوح القيادة والسيطرة ليس جانباً إدارياً خالصاً، بل هو شرط لحماية الشرعية الأمنية والسياسية.
أما الدرس الثالث فيتعلق بالتنسيق بين الأجهزة الأمنية، فالتعدد الأمني في الحالة الفلسطينية يمكن أن يكون مصدر قوة إذا أُدير ضمن منظومة تكاملية، لكنه قد يتحول إلى مصدر ضعف إذا غابت آليات التنسيق. ومن هنا، فإن إدارة الأزمات تتطلب غرفة عمليات مشتركة، وتبادلاً سريعاً للمعلومات، وتحديداً مسبقاً للأدوار، ووجود ناطق رسمي أو قناة إعلامية موحدة، إضافة إلى آلية تقييم بعد انتهاء الأزمة؛ فالأزمة لا تحتمل تعدد الرسائل، ولا تضارب التعليمات، ولا التنافس على الظهور، وكلما كان التنسيق أكثر وضوحاً، زادت قدرة الأجهزة الأمنية على احتواء الأزمة بأقل كلفة سياسية ومجتمعية.
والدرس الرابع هو أن الشرعية في السياق الفلسطيني لا تُقاس فقط بالقانون، بل أيضاً بالقبول المجتمعي؛ فالمؤسسة الأمنية الفلسطينية تعمل داخل مجتمع يعيش ضغوطاً سياسية واقتصادية ووطنية استثنائية، ولذلك فإن أي تدخل أمني يجب أن يراعي الحساسية الشعبية، والكرامة الإنسانية، والحقوق المدنية، وطبيعة العلاقة بين المواطن والمؤسسة الأمنية، ف فرض القانون لا يعني فقط السيطرة على الميدان، بل يعني أيضاً الحفاظ على ثقة المجتمع، والقوة التي تنجح ميدانياً وتفشل اجتماعياً قد تنتج أزمة أعمق من الأزمة الأصلية.
كما أن التجربة التي تناقشها كلوديا فاهرون-هوسي في كتابها المذكور حول الناتو والاتحاد الأوروبي، تلفت الانتباه إلى أهمية القدرات غير المادية، مثل الخبرة، والتدريب، والاتصال، وإدارة المعلومات، والقدرة على قراءة البيئة، وهذا مهم جداً في الحالة الفلسطينية، لأن إدارة الأزمة لا تعتمد فقط على الإمكانات التسليحية أو العددية، بل على قدرة القيادات الأمنية على التقدير السليم، والتواصل مع الجمهور، والتنسيق مع المحافظين والبلديات والمؤسسات الأهلية والعشائر ووسائل الإعلام، وغيرها من الجهات الفاعلة على الساحة الفلسطينية، ففي كثير من الأزمات الداخلية، يكون النجاح مرهوناً بالتفاوض، والاحتواء، والوساطة، والاتصال المجتمعي، وليس فقط بالتدخل الأمني المباشر.
وتبرز هنا أهمية الإعلام والاتصال الرسمي أثناء الأزمة، فكما أن العمليات العسكرية تحتاج إلى قيادة وسيطرة، فإن إدارة الرأي العام تحتاج أيضاً إلى قيادة اتصالية واضحة، ففي السياق الفلسطيني، قد تتحول الحادثة الأمنية المحدودة إلى أزمة ثقة إذا تعددت الروايات أو تأخر التوضيح أو غابت الشفافية، ولذلك، يجب أن تكون إدارة الاتصال جزءاً أصيلاً من إدارة الأزمة، لا ملحقاً بها، حيث يشمل ذلك تحديد متحدث رسمي، وصياغة رسائل دقيقة، وتوضيح الأساس القانوني للإجراءات، وتقديم المعلومات في الوقت المناسب، والاعتراف بالأخطاء عند وقوعها، ومنع انتشار الشائعات دون اللجوء إلى خطاب تهديدي أو دفاعي مفرط.
وعليه، فإن الدرس الأهم فلسطينياً هو أن إدارة الأزمات الأمنية والعسكرية يجب أن تتحول من رد فعل ميداني إلى منظومة مؤسسية متكاملة، وهذه المنظومة ينبغي أن تقوم على الاختصاص، والتفويض، والتنسيق، والتناسب في استخدام القوة، والمساءلة، والاتصال الفعال، وحماية ثقة الجمهور، ففلسطين، بحكم وضعها السياسي غير المكتمل، لا تستطيع أن تعتمد على منطق السيادة الكاملة في إدارة أزماتها، لكنها تستطيع أن تطور نموذجاً مهنياً لإدارة الأمن الداخلي وفرض القانون يقوم على وضوح الأدوار وتكامل الأجهزة واحترام المجتمع.
في الختام، فإنني يمكنني القول أن قيمة تجربة الناتو والاتحاد الأوروبي بالنسبة لفلسطين لا تكمن في بعدها العسكري المباشر، بل في منطقها المؤسسي، والذي يتمثل في اختيار الجهة الأنسب للمهمة، وضبط التفويض، وتنسيق الفاعلين، وربط القدرة بالشرعية، وهذا هو جوهر ما تحتاجه الحالة الفلسطينية، ليس تعظيم القوة، بل ترشيد استخدامها؛ وليس تعدد الأجهزة بوصفه عبئاً، بل تحويله إلى تكامل وظيفي؛ وليس إدارة الأزمة بمنطق السيطرة فقط، بل بمنطق القانون، والثقة، والاستقرار، وحماية السلم الأهلي.




