دعوا الخبز لخبازه

طالعت اليوم في احد الصحف المحلية، احد المقالات باقتراح يبدو للوهلة الاولى طموحا: تحديث العقيدة الامنية الفلسطينية وبناء نظرية شاملة للامن القومي تدمج في صلبها مواجهة الفصل العنصري. عنوان يغري بالقراءة، ووعد كان يستحق الاحتفاء لو وفى به صاحبه. غير ان القارئ ما ان يتجاوز العنوان حتى يكتشف انه لا يقف امام نظرية ولا عقيدة ولا استراتيجية، بل امام قائمة من العناوين المتجاورة – امن قانوني، وامن دبلوماسي، وامن مجتمعي، وامن اقتصادي، وامن معرفي – تلقى عليه بوصفها بناء نظريا، وهي في حقيقتها فهرس محتويات بلا محتوى.
اول ما يلفت في النص انه يستخدم العقيدة الامنية ونظرية الامن القومي والاستراتيجية بوصفها مترادفات، وينتقل بينها داخل الفقرة الواحدة بلا تعريف واحد. والفرق بين هذه المستويات ليس ترفا اكاديميا: فالعقيدة مبادئ تشغيلية توجه استخدام القدرات، والنظرية اطار تفسيري يحدد المتغيرات والعلاقات السببية، والاستراتيجية جسر بين الغايات والوسائل في ظل ندرة الموارد ووجود ارادة مضادة. من يخلط الثلاثة لا يحدث نظرية، بل يكتب انشاء بمفردات اكاديمية. والاخطر ان النص يقفز فوق السؤال الذي تبدأ منه كل نظرية امن قومي في الدنيا: من هو الفاعل الامني اصلا؟ سلطة بلا سيادة ولا احتكار للقوة ولا سيطرة على حدود او سجل سكاني او عملة؟ حركة تحرر؟ منظومة وطنية جامعة غير قائمة مؤسسيا؟ يتعامل الكاتب مع سؤال التأسيس هذا وكأنه تفصيل يمكن ارجاؤه، فيبني الطابق العاشر قبل ان يحفر الاساس.
ثم ان تقسيم الامن الى قطاعات ليس اختراعا يحسب للنص، بل استنساخ غير معلن – وغير مهضوم – لقطاعات مدرسة كوبنهاغن في الدراسات الامنية. لكن تلك المدرسة قدمت مع قطاعاتها جهازا تحليليا كاملا: موضوعا مرجعيا يحمى، وفاعلا يؤمنن، وجمهورا يقنع، وشروطا تجعل الامننة تنجح او تفشل. اما النص فيأخذ العناوين ويترك الادوات، فلا آليات سببية قابلة للاختبار، ولا ترتيبا للاولويات، ولا مقايضات صريحة بين القطاعات حين تتعارض، ولا قيود موارد تفرض الاختيار. ومثال واحد يكفي لكشف الفراغ: حين تصطدم الملاحقة القانونية الدولية بردود مالية من الاحتلال تضرب المقاصة والايرادات، اي القطاعين يرجح النص ولماذا وبأي كلفة؟ لا جواب، لان صاحب الاقتراح لا يتصور اصلا ان قطاعاته قد تتصادم، والحال ان جوهر التفكير الاستراتيجي هو ادارة هذا التصادم بالذات.
وفي العمق، يقوم النص على خطأ تصنيفي بسيط لكنه قاتل: مواجهة الفصل العنصري في جوهرها استراتيجية توصيف قانوني-سياسي وادوات مناصرة دولية – توثيق وملاحقة وتحالفات ورواية. ادوات مشروعة ومهمة بلا شك، لكنها ليست عقيدة امنية. العقيدة تجيب عن اسئلة القوة والحماية والردع والقيادة والسيطرة وقواعد الاشتباك، ولا يقترب النص من اي منها. تحويل اطار مناصرة الى عقيدة امنية يشبه من يعيد تسمية دائرة العلاقات العامة اركان حرب، ثم يطالبنا بان نصدق ان شيئا قد تغير.
ولا يكتفي النص بذلك، بل يوسع مفهوم الامن حتى يبتلع كل شيء: الهوية والرواية والحقوق والانسان، ويوزع المسؤولية الامنية على الوزارات والجامعات والقطاع الخاص والاعلام والمجتمع المدني. وحين يصبح كل شيء امنا لا يبقى امن، اذ يفقد المفهوم قدرته التمييزية ولا يعود بالامكان ترتيب اولوية ولا تخصيص مورد. لكن الخلل الاخطر هنا سياسي لا تحليلي: فأمننة الجامعات والاعلام والمجتمع المدني تعني عمليا اخضاعها لمنطق الاجهزة ووصايتها، في سياق تشكو فيه هذه الفضاءات اصلا من تغول امني موثق. يقترح النص، بحسن نية على الارجح، توسيع ولاية الامن على المجتمع باسم حمايته، وهذه وصفة جربها الاقليم ونعرف جميعا نتائجها، وهي نقيض ما يعلنه النص نفسه من ربط الامن بالحقوق والحريات.
اما الغائب الاكبر فمدهش بحق: نص كامل عن تحديث العقيدة الامنية الفلسطينية لا يذكر التنسيق الامني بكلمة واحدة، ولا بنية اوسلو التي جعلت الاجهزة جزءا وظيفيا من منظومة سيطرة الاحتلال لا نقيضا لها. وهذا ليس حذرا، بل تهرب من الموضوع ذاته. والامر نفسه في البعد الاقتصادي، حيث يختزل النص الامن الاقتصادي في تقليل التبعية وتعزيز الصمود – شعار بلا ادوات. كيف يتحقق امن اقتصادي لكيان بلا عملة وطنية، تجبى نحو ثلثي ايراداته العامة لدى خصمه عبر آلية مقاصة قابلة للاقتطاع والاحتجاز في اي لحظة، ويحكم تجارته الخارجية مظروف جمركي يملكه الاحتلال بموجب بروتوكول باريس؟ من لا يشتبك مع هذه البنية لا يكتب في الامن الاقتصادي بل في التمنيات الاقتصادية، ويعامل التبعية بوصفها سلوكا تعالجه العزيمة لا بنية قانونية-مؤسسية تحتاج تفكيكا محسوبا.
ثم ان توزيع المسؤولية على الجميع ليس بناء استراتيجية بل تذويبا لها: حين يكون الجميع مسؤولا لا يكون احد مسؤولا. لا موازنة في النص ولا تسلسل ولا نظرية تغيير ولا جهة قيادة محددة الصلاحيات. والاهم انه يكتب استراتيجيته وكأن الخصم متفرج لا يرد، بينما الواقع ان الاحتلال يرد فعليا وبمنهجية: يصنف المؤسسات الحقوقية ارهابية، ويقتطع المقاصة، ويسن تشريعات عقابية، ويضغط على الدول والمؤسسات الدولية. الاستراتيجية تفاعل بين ارادتين متضادتين، ومن لا يدرج رد الخصم وكلفته في حساباته لا يكتب مصفوفة امن قومي بل قائمة امنيات مرتبة تحت عناوين.
وحتى منطق النص الداخلي لا يسلم: فهو يقرر ان مواجهة الفصل العنصري ليست هدفا بحد ذاتها بل احدى استراتيجيات ادارة التهديد، ثم يعيد بناء العقيدة كلها حولها بوصفها المبدأ الناظم، فتتحول الوسيلة الى غاية وينقض النص مقدمته بيده. والاعمق من ذلك انه لا يلحظ التوتر بين اطارين لا يجمعان بقرار: اطار الفصل العنصري وهو اطار نضال حقوق ومواطنة يفترض ضمنا وحدة الحيز السياسي، واطار التحرر الوطني وبناء الدولة وهو اطار سيادة وحدود. الجمع بينهما ممكن نظريا لكنه يتطلب عملا مفاهيميا شاقا في تحديد الغاية السياسية النهائية، والنص يمر فوق هذا الصدع وكأنه غير موجود. ثم يختم بادعاء ان نظريته تستند الى مؤشرات واضحة للقياس، من دون ان يقدم مؤشرا واحدا ولا خط اساس ولا فرضية قابلة للدحض. القياس عنده كلمة تزين الخاتمة لا منهج يحكم البناء.
لسنا هنا في وارد التشكيك في النوايا، فالدعوة الى تفكير امني اوسع دعوة محقة في مبدئها. لكن الامن القومي علم له مصفوفته: فاعل وقدرات وتهديدات وموارد واولويات وخصم يرد، وليس سلة توضع فيها الكلمات المحببة الى القلوب. والنية الحسنة لا تعفي من شرط المعرفة، بل ان اخطر ما يصيب النقاش العام هو ان تحتل العناوين الكبيرة نصوص لا تحمل من العلم الا مفرداته. وبعد، فرجاء واحد لا غير: دعوا الخبز لخبازه. ابدعوا فيما تعرفون، ولا تتنطعوا فيما لا تعرفون.




