التداعيات الاقتصادية للحرب الامريكية الاسرائيلية على الاقتصاد العالمي

الحرب الأميركية الاسرائيلية على ايران في اواخر شباط لم تكن مجرد مواجهة اقليمية بل تحولت خلال اشهر الى صدمة هيكلية اعادت تشكيل التدفقات التجارية والمالية العالمية ، وكشفت عن هشاشة لم تكن محسوبة في سيناريوهات مؤسسات التمويل الدولية . قبل هذه الحرب توقع صندوق النقد الدولي في تقرير افاق الاقتصاد العالمي في كانون الثاني نمو عالمي بنحو 3.4 % مدعوم بتراجع التضخم واستقرار السلع الاولية، لكن الهجمات على المنشآت النووية ومواقع النفط الايرانية واعلان طهران اغلاق مضيق هرمز فعليا دفعت المؤسسات الى مراجعة توقعاتها جذريا ، ففي تحديث نيسان خفض الصندوق النمو المتوقع الى 3.1 %بافتراض انتهاء القتال سريعا، لكن استمرار التوتر وتحول المضيق الى منطقة محظورة على شركات التامين جعلا السيناريو الاكثر واقعية هو نمو يتراوح بين 2.2 و2.5 % وفق تقرير الاستقرار المالي العالمي، والفارق بين السيناريوين مقاسا بحجم اقتصاد عالمي يبلغ 120 تريليون دولار يعني خسارة سنوية تتراوح بين 700 مليار وتريليون دولار اي ما يعادل ناتج هولندا او تركيا. البنك الدولي كان اكثر تشاؤما في تقرير حزيران اذ خفض توقعاته الى 2.5 %مع احتمال هبوطها الى 1.3 % في حال تفاقمت الاوضاع واقترنت بتشديد نقدي جديد، محذرا من ركود خفيف بحلول الربع الاول من 2027 اذا بقي النفط فوق 110 دولارات للبرميل ستة اشهر متتالية ،اما وكالة فيتش للتصنيف الائتماني فخفضت توقعات النمو الى 2.4 %مع نظرة سلبية لتصنيفات دول الشرق الاوسك وخصوصا الخليج ومصر وباكستان، مشيرة الى تضرر الاقتصادات النامية المستوردة للطاقة بشكل غير متناسب حيث تضاعفت فواتير الغذاء والوقود مما اضطر حكوماتها الى خفض الانفاق على البنية والصحة.
اما اسعار النفط فقد نشر الاحتياطي الفيدرالي ورقة بحثية في ايار الماضي حللت مرونة الاقتصاد الاميركي، وخلصت الى ان استجابة الناتج المحلي الاميركي اليوم لا تمثل سوى واحد على عشرين مما كانت عليه في ازمة 1980 ، لكنها حذرت من ان استنزاف المخزونات الاستراتيجية الاميركية باكثر من 35 %منذ بداية الحرب قد يقلص هامش المناورة اذا تجدد القتال ما يجعل اي تصعيد جديد اكثر كلفة . اما التضخم فكان واضحا اذ قفز مؤشر اسعار المستهلكين في منطقة اليورو الى 3.2 % في ايار مدفوعا بارتفاع الطاقة 10.9 % مما دفع البنك المركزي الاوروبي لرفع سعر الفائدة على الودائع من 2 الى 2.25 % في حزيران، وهي خطوة غير متوقعة استجابة لصدمة خارجية منذ ازمة اليورو، فيما بقي الاحتياطي الفيدرالي مترددا بين ضغوط الرئيس ترامب لخفض الفائدة وبيانات التضخم التي استقرت عند 2.8 %في ايار بفضل الافراج عن النفط وزيادة الانتاج المحلي الى مستويات قياسية تجاوزت 13.5 مليون برميل يوميا.
الجانب الاكثر اثارة للقلق الذي لم ينل تغطية كافية هو انهيار سلاسل توريد الاسمدة، فالخليج مسؤول عن ربع صادرات اليوريا العالمية، ومع اغلاق هرمز ارتفعت اسعارها 60 %وفق وكالة ستاندرد اند بورز مما دفع نحو 70 %من المزارعين الاميركيين في استطلاع حكومي الى الابلاغ عن عدم قدرتهم على شراء الكميات الكافية وهو ما سينعكس على اسعار المحاصيل في 2027 وقد يحول الازمة الى ازمة غذاء عالمية اعمق.
تباين الاثر اقليميا كان لافتا، فبينما استفادت الولايات المتحدة من ارتفاع الاسعار كما اشار كبير اقتصاديي صندوق النقد الدولي بيير غورانشا، في حين تكبدت الصين خسائر فادحة بسبب اعتمادها على واردات النفط عبر هرمز حيث تشير تقديرات غير رسمية من معهد البحوث المالية الصيني الى هبوط النمو الصيني الى 4.2 % في 2026 بدلا من 4.8 % المتوقعة مما سيقلص الطلب العالمي على السلع الوسيطة، في المقابل قد تجني روسيا بين 45 و151 مليار دولار من ايرادات اضافية في 2026 نتيجة ارتفاع الخام وتراجع الخصم على نفط الاورال الى اقل من 15 دولارا مما يعيد تشكيل موازين القوى داخل بريكس.
وفيما يخص الديون السيادية؛ حذر بنك التسويات الدولية في بازل من ان 9 دول تعاني ازمات ديون حادة و23 دولة في خطر مرتفع و28 في خطر متوسط ، ومع ارتفاع الفائدة عالميا ستصبح خدمة الديون اكثر كلفة خاصة للدول الافريقية واللاتينية المقترضة بالدولار اذ ارتفع مؤشر الدولار 4 % كملاذ امن، مما زاد اعباء السداد.
عدم اليقين هو الخاسر الاكبر حيث قفز مؤشر عدم اليقين السياسي الاقتصادي لجامعة ستانفورد 35 % في الربع الثاني من 2026، وهي اعلى قراءة منذ كوفيد مما دفع الشركات الى تاجيل استثمارات بقيمة 200 مليار دولار وفق غرفة التجارة الدولية الحرب اذن لم تقتصر على اسعار الوقود بل فتحت تغيرات هيكلية في التجارة كاعادة توجيه مسارات الشحن عبر راس الرجاء الصالح بتكلفة اعلى 30 % واعباء مشروع خط نابوكو الاوروبي الناقل للنفط، وتعزيز الصين والهند لمخزونهما عبر اتفاقيات مع روسيا وفنزويلا هذه التحولات ستستغرق سنوات لكن تكلفتها الفورية يدفعها المستهلك في كافة دول العالم سواء بارتفاع اسعار الخبز والوقود والمواد الاساسية.
الخلاصة ان الخسارة المباشرة تقع في مئات المليارات، لكن الاثر التراكمي على الاستثمار والانتاجية ونقل التكنولوجيا خلال ثلاث سنوات قد يقترب من 2.5 تريليون دولار اي 2 % من الثروة العالمية، ولن تعوضه اي زيادة في اسعار النفط لان الكعكة العالمية اصبحت اصغر.الحرب لم تنقل الثروة بقدر ما اتلفت جزءا منها واعادت رسم خريطة المخاطر التي ستظل حاضرة لسنوات حتى لو هدأت الطبول غدا، ومع ذلك يبدو ان القيادة الاميركية والاسرائيلية تراهن على مكاسب سياسية قصيرة المدى لا تتناسب مع حجم الدمار الاقتصادي الذي احدثته حربها، فالتاريخ الاقتصادي يعيد دائما درسا واحدا هو ان الحروب لا تنتج ثروات بل تستهلكها، لكن يبدو ان هذا الدرس يحتاج الى اعادة قراءة في دوائر صنع القرار.




