من أزمة المعيشة إلى صناديق الاقتراع: انتخابات 2026 وإعادة تشكيل الموازين السياسية الدولية وانعكاساتها على القضية الفلسطينية

د. راسم بشارات – المدير العام لجمعية جسور للهجرة والتماسك الاجتماعي والتعاون الثقافي. دكتوراه في دراسات غرب آسيا، باحث و محلل، مختص في الشأن الفلسطيني واللاتيني. مفوض العلاقات الخارجية لدى منظمة البيدر للدفاع عن حقوق البدو والقرى المستهدفة في فلسطين
لا تبدو انتخابات عام 2026 في إسبانيا والبرازيل والولايات المتحدة وصربيا مجرد استحقاقات ديمقراطية منفصلة، بل تعكس، على اختلاف السياقات السياسية والاقتصادية، تحولات أعمق في علاقة المجتمعات بمؤسسات الحكم، وفي طبيعة التوازنات الحزبية، وفي اتجاهات السياسة الخارجية. فقد تداخلت في هذه الانتخابات قضايا المعيشة والقدرة الشرائية والسكن والعمل والفساد والثقة بالمؤسسات مع أسئلة الهوية والهجرة والسيادة الوطنية وموقع الدولة في النظام الدولي.
وتكتسب الانتخابات الإسبانية المقررة في 29 نوفمبر 2026 أهمية خاصة في هذا السياق، ليس فقط لأنها تأتي في ظل استقطاب سياسي واجتماعي متزايد، بل لأنها تجري في بلد أصبح من أبرز الأصوات الأوروبية المنتقدة للسياسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، والداعية إلى ربط العلاقات الدولية باحترام القانون الدولي وحقوق الإنسان. ومن هنا، فإن نتائجها المحتملة لا تقتصر على تحديد هوية الحكومة المقبلة، وإنما قد تؤثر أيضا في اتجاه السياسة الخارجية الإسبانية، وفي موقع مدريد داخل النقاش الأوروبي بشأن فلسطين وإسرائيل.
وتتيح المقارنة مع الانتخابات البرازيلية والأمريكية والصربية قراءة أوسع للتحولات الجارية؛ فبينما أعادت البرازيل انتخاب لولا دا سيلفا، وأفرزت الانتخابات النصفية الأمريكية تحولا في موازين الكونغرس، وشهدت صربيا صعود قائمة طلابية معارضة على خلفية احتجاجات واسعة، تظل إسبانيا أمام اختبار انتخابي قد يعيد رسم التوازن بين اليمين واليسار، ويؤثر في السياسات الاجتماعية والخارجية على حد سواء.
إسبانيا: أزمة السكن والمعيشة في صدارة المشهد الانتخابي
تدخل إسبانيا الاستحقاق الانتخابي في ظل ضغوط اقتصادية واجتماعية أصبحت حاضرة بقوة في الحياة اليومية للمواطنين. وتتصدر أزمة السكن قائمة هذه الضغوط، مع ارتفاع الإيجارات وأسعار العقارات، وتراجع قدرة قطاعات واسعة، ولا سيما الشباب والأسر ذات الدخل المحدود، على الحصول على مسكن ملائم. ولم تعد المشكلة محصورة في المدن الكبرى مثل مدريد وبرشلونة، بل امتدت إلى مناطق أخرى، وأصبحت مرتبطة بنقاش أوسع حول الأجور، والاستقرار الوظيفي، وتكاليف المعيشة، والفوارق الاجتماعية .
وتتداخل أزمة السكن مع مشكلة القدرة الشرائية، إذ لا تكفي مؤشرات النمو الاقتصادي أو تحسن بعض معدلات التوظيف وحدها لإقناع المواطنين بأن أوضاعهم المعيشية تتحسن. فالمعيار الأكثر مباشرة بالنسبة إلى الناخب هو مدى قدرته على تغطية النفقات الأساسية، وفي مقدمتها السكن والطاقة والغذاء والنقل، وما يتبقى من دخله لتلبية احتياجات أسرته. ولذلك، فإن أي تقييم للأداء الحكومي سيخضع بدرجة كبيرة لمدى نجاح السياسات الاقتصادية والاجتماعية في معالجة هذه الاختلالات.
وتبرز الهجرة بدورها ضمن القضايا المؤثرة في النقاش السياسي، وإن كانت لا تنفصل عن أبعاد اقتصادية واجتماعية أوسع. فالأحزاب اليمينية، وخصوصا حزب فوكس، توظف ملف الهجرة في خطاب يربطه بالأمن والهوية والضغط على الخدمات العامة، بينما تركز قوى اليسار على الاندماج والحقوق الاجتماعية ومساهمة المهاجرين في سوق العمل. وبين هذين الاتجاهين، يحاول الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني تقديم مقاربة تجمع بين تنظيم الهجرة والحفاظ على مسارات الاندماج، في حين يسعى الحزب الشعبي إلى استثمار المخاوف المتعلقة بالأمن والخدمات العامة في منافسته للحكومة.
أما الفساد والثقة بالمؤسسات، فيشكلان عاملا إضافيا في تحديد اتجاهات التصويت. فالقضايا المرتبطة بالشفافية والمساءلة والنزاهة السياسية لا تؤثر فقط في صورة حزب بعينه، بل قد تعزز شعورا أوسع لدى الناخبين بأن المؤسسات لا تستجيب بما يكفي لمطالبهم. وفي بيئة سياسية شديدة الاستقطاب، تصبح هذه القضايا أدوات يستخدمها الخصوم لتقويض شرعية الحكومة أو التشكيك في قدرتها على إدارة الدولة.
الخريطة الحزبية الإسبانية: صراع على إدارة الأزمة واتجاه الدولة
تتمحور المنافسة الانتخابية الإسبانية حول أربعة اتجاهات سياسية رئيسية، تختلف في تشخيصها للأزمات وفي السياسات التي تقترحها لمعالجتها.
يقدم الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني (PSOE)، بقيادة بيدرو سانشيز، نفسه بوصفه المدافع عن دولة الرفاه والسياسات الاجتماعية، وعن استمرار الاستثمار العام وحماية حقوق العمال والفئات الأكثر هشاشة. ويستند الحزب إلى سجل حكومي يتضمن إجراءات اجتماعية واقتصادية، وإلى خطاب يربط النمو الاقتصادي بالعدالة الاجتماعية. غير أن التحدي الأساسي أمامه يتمثل في إقناع الناخبين بأن هذه السياسات قادرة على معالجة أزمة السكن وتكاليف المعيشة، فضلا عن استعادة الثقة لدى قطاعات تشعر بالإرهاق من الاستقطاب السياسي والأزمات الحكومية المتكررة.
في المقابل، يركز الحزب الشعبي (PP) على تقديم نفسه بديلا قادرا على استعادة الاستقرار السياسي وتحسين الإدارة الاقتصادية، مع إعطاء الأولوية لخفض الأعباء الضريبية وتحفيز الاستثمار والقطاع الخاص. ويستفيد الحزب من حالة التململ من أداء الحكومة، لكنه يواجه بدوره سؤالا يتعلق بقدرته على تقديم حلول ملموسة لأزمة السكن والقدرة الشرائية، بعيدا عن الاكتفاء بنقد الحكومة.
أما حزب فوكس (Vox)، فيعتمد خطابا قوميا ومحافظا أكثر تشددا، ويركز على الهجرة والهوية الوطنية والأمن والسيادة، إلى جانب انتقاد السياسات الأوروبية والحكومية في عدد من الملفات. وقد تمنحه حالة الاستقطاب ومخاوف بعض الناخبين من التحولات الاجتماعية والهجرة فرصة لتعزيز حضوره، لكنه يظل أمام تحدي توسيع قاعدته خارج الجمهور الأكثر ميلا إلى الخطاب اليميني المتشدد.
وعلى يسار الحزب الاشتراكي، تحاول القوى المنضوية في إطار سومار (Sumar) الحفاظ على حضورها السياسي من خلال الدفاع عن الحقوق الاجتماعية والعمالية، وتحسين شروط العمل والسكن، وتوسيع الحماية الاجتماعية. وتكمن صعوبة هذا الاتجاه في قدرته على المحافظة على تماسكه التنظيمي، وعلى إقناع الناخبين بأن وجوده داخل الحكومة أو ضمن تحالف يساري قادر على إحداث فارق ملموس في حياتهم اليومية.
وبناء على ذلك، لا يمكن اختزال المنافسة في سؤال من سيحصل على أكبر عدد من الأصوات، بل ينبغي النظر إلى قدرة كل حزب على تشكيل أغلبية برلمانية، أو الدخول في تحالفات تتيح له الحكم. فقد يحصل حزب على المرتبة الأولى دون أن يمتلك العدد الكافي من المقاعد لتشكيل حكومة مستقرة، وهو ما يجعل نتائج الأحزاب الصغيرة والقوى الإقليمية عاملا حاسما في تحديد مآلات الانتخابات.
استطلاعات الرأي واحتمالات تشكيل الحكومة
تعكس استطلاعات الرأي المتداولة حالة تنافس حادة بين الحزب الشعبي والحزب الاشتراكي، مع استمرار حضور فوكس بوصفه قوة مؤثرة في معادلة اليمين، فيما تسعى سومار إلى الحفاظ على تمثيل يسمح لليسار بالمشاركة في تشكيل الحكومة. غير أن قراءة الاستطلاعات لا ينبغي أن تتحول إلى توقع قطعي للنتيجة؛ فهي تقيس اتجاهات التصويت في لحظة محددة، وتتأثر بتوقيت إجراء الاستطلاع، وطريقة اختيار العينة، ونسبة المترددين، ومدى المشاركة الانتخابية.
وتتوقف فرص تشكيل الحكومة على طبيعة التوزيع الجغرافي للأصوات وعلى النظام الانتخابي، فضلا عن المواقف التي ستتخذها الأحزاب الإقليمية والقوى الصغيرة بعد إعلان النتائج. ولذلك، فإن السيناريو الأكثر أهمية ليس بالضرورة فوز هذا الحزب أو ذاك، بل طبيعة التحالف الذي قد ينشأ، وما إذا كان سيقود إلى حكومة مستقرة أو إلى مفاوضات طويلة ومعقدة.
وفي حال تمكن الحزب الاشتراكي من الحفاظ على موقع قوي وتشكيل تحالف مع قوى اليسار والأحزاب الإقليمية، فمن المرجح استمرار الإطار العام للسياسات الاجتماعية والخارجية الحالية، وإن كان ذلك سيظل مرتبطا بتوازنات الائتلاف. أما إذا تمكن الحزب الشعبي من تشكيل حكومة بدعم من فوكس أو بالتحالف معه، فقد تشهد البلاد تحولا في عدد من الملفات الاجتماعية والهجرة والسياسة الخارجية. لكن طبيعة هذا التحول ستتوقف على الاتفاق الحكومي الفعلي، لا على التصريحات الانتخابية وحدها.
الانتخابات الأربع: سياقات مختلفة وأسئلة سياسية مشتركة
أولا: البرازيل وإعادة انتخاب لولا واستمرار التوجه نحو الجنوب العالمي
في البرازيل، أعادت نتائج جولة الإعادة الرئاسية في 25 أكتوبر 2026 انتخاب الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، الذي حصل على 51.79% من الأصوات، مقابل 48.21% لمنافسه فلافيو بولسونارو. وتكشف النتيجة عن استمرار الانقسام السياسي الحاد داخل المجتمع البرازيلي، وعن قدرة التيار اليساري على الحفاظ على السلطة، رغم التحديات الاقتصادية والسياسية التي واجهتها الحكومة.
لم يكن التصويت في البرازيل محصورا في تقييم الأداء الاقتصادي، بل ارتبط أيضا بمستقبل الدولة الاجتماعي وموقعها الدولي. فقد قدم لولا نفسه بوصفه ممثلا لنهج يقوم على التعددية الدولية، وتعزيز دور البرازيل في مجموعة بريكس، وتوسيع العلاقات مع دول الجنوب العالمي، والحفاظ على استقلالية القرار الخارجي. وفي المقابل، طرح فلافيو بولسونارو توجها أكثر تقاربا مع الولايات المتحدة وإسرائيل والأرجنتين، بما في ذلك إعادة العلاقات البرازيلية الإسرائيلية إلى مستوى السفراء، ونقل السفارة البرازيلية إلى القدس، والانضمام إلى ما يسمى “اتفاقيات إسحاق” لتعزيز العلاقات بين إسرائيل ودول أمريكا اللاتينية.
وبذلك، لم تكن الانتخابات مجرد منافسة على إدارة الاقتصاد، بل تضمنت اختلافا واضحا بشأن موقع البرازيل في النظام الدولي، وطبيعة علاقاتها مع القوى الكبرى، ومواقفها من القضايا الدولية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. وقد منحت إعادة انتخاب لولا استمرارية للاتجاه الدبلوماسي الذي تبنته حكومته، وإن كانت قدرة الرئيس على تنفيذ برنامجه ستظل مرتبطة بتوازنات الكونغرس والاعتبارات الاقتصادية والمصالح الخارجية.
ثانيا: الولايات المتحدة والتحول في الكونغرس وحدود التأثير على السياسة الخارجية
أما في الولايات المتحدة، فقد أسفرت انتخابات التجديد النصفي التي جرت في 3 نوفمبر 2026 عن فوز الديمقراطيين بالسيطرة على مجلسي الكونغرس، في تحول مهم في موازين السلطة التشريعية خلال ما تبقى من ولاية الرئيس دونالد ترامب.
وتنبع أهمية هذه النتيجة من أنها تضع الإدارة الأمريكية أمام رقابة تشريعية أشد، وتمنح الديمقراطيين أدوات أوسع لمساءلة الحكومة بشأن ملفات السياسة الخارجية والإنفاق العسكري والعلاقات مع الحلفاء. غير أن هذا التحول لا يعني تلقائيا انقلابا في السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل أو القضية الفلسطينية؛ فالرئيس لا يزال يمتلك صلاحيات واسعة في إدارة السياسة الخارجية، كما أن التوافقات الحزبية والمؤسسية بشأن العلاقة مع إسرائيل لا تزال مؤثرة في الكونغرس.
مع ذلك، فإن سيطرة الديمقراطيين على المجلسين قد تفتح المجال أمام جلسات استماع وتحقيقات تتعلق بالحرب على غزة، والانتهاكات في الضفة الغربية، وعنف المستوطنين، واستخدام الأسلحة الأمريكية، وشروط تقديم المساعدات العسكرية لإسرائيل. كما يمكن أن تعزز فرص طرح مشاريع قوانين أو قرارات تدعو إلى مراجعة بعض أوجه الدعم العسكري، أو إلى فرض شروط أكثر وضوحا على استخدام الأسلحة الأمريكية.
ويعكس هذا التحول نقاشا متناميا داخل الحزب الديمقراطي بشأن العلاقة مع إسرائيل، ولا سيما بين قطاعات تقدمية وشبابية باتت أكثر انتقادا للسياسات الإسرائيلية، وأكثر ميلا إلى المطالبة بربط المساعدات العسكرية باحترام القانون الدولي. لكن الحزب لا يزال يضم تيارات متعددة، ولا يمكن افتراض أن سيطرته على الكونغرس ستؤدي وحدها إلى تغيير جذري في سياسة واشنطن.
ومن المهم أيضا عدم اختزال التصويت الأمريكي في الموقف من إسرائيل وفلسطين؛ إذ لعبت تكاليف المعيشة والتضخم والحرب مع إيران والفساد وأداء الإدارة دورا في تشكيل اتجاهات الناخبين. ومع ذلك، فإن التحول في الكونغرس قد يفتح مساحة سياسية ومؤسسية أوسع لمساءلة السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل، وهو ما لم يكن متاحا بالدرجة نفسها في ظل سيطرة الجمهوريين على المجلسين.
ثالثا: صربيا وصعود الحركة الطلابية وتحول الاحتجاج إلى قوة سياسية
في صربيا، حملت الانتخابات البرلمانية التي جرت في 25 أكتوبر 2026 دلالة مختلفة، إذ حققت القائمة المرتبطة بالحركة الطلابية فوزا بارزا بحصولها على نحو 140 مقعدا من أصل 250، مقابل تراجع قائمة الحزب التقدمي الصربي المرتبطة بالرئيس ألكسندر فوتشيتش.
وجاء هذا الصعود بعد موجة احتجاجات طلابية وشعبية استمرت قرابة عامين، وانطلقت عقب انهيار مظلة محطة السكك الحديدية في مدينة نوفي ساد في نوفمبر 2024، وهو الحادث الذي أدى إلى مقتل 16 شخصاً، وأثار اتهامات تتعلق بالفساد وسوء الإدارة وغياب الشفافية والمساءلة. وتحولت الاحتجاجات تدريجيا إلى حركة سياسية أوسع، رفعت مطالب إصلاح المؤسسات ومكافحة الفساد ومحاسبة المسؤولين.
وتكمن أهمية التجربة الصربية في أن حركة احتجاجية نشأت خارج البنية الحزبية التقليدية استطاعت الانتقال إلى المجال الانتخابي وتحقيق حضور برلماني واسع. وهي بذلك تعكس أزمة ثقة في النخب السياسية القائمة، ورغبة قطاعات من المجتمع في البحث عن بدائل تتجاوز الانقسامات الحزبية المعتادة.
وعلى الرغم من أن القضايا الداخلية، وفي مقدمتها الفساد والإصلاح المؤسسي، كانت المحرك الأساسي لهذا التحول، فإن برنامج القائمة الطلابية تضمن أيضا موقفا واضحا من القضية الفلسطينية، عبر عن رفض التدمير المنهجي للشعب الفلسطيني في قطاع غزة، ودعا إلى تكثيف المساعدات الإنسانية لفلسطين. واستند هذا الموقف إلى الإشارة إلى التجارب التاريخية التي عرفها الشعب الصربي، وإلى رفض اضطهاد الشعوب الأضعف.
لكن ينبغي التمييز بين الموقف الوارد في البرنامج السياسي وبين السياسة الحكومية التي يمكن أن تتبلور بعد تولي السلطة. فصربيا تتحرك ضمن شبكة معقدة من العلاقات مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وروسيا والصين، كما أن أولويات الحركة الطلابية تتركز أساسا على الإصلاح الداخلي ومكافحة الفساد. ولذلك، فإن ترجمة موقفها من فلسطين إلى إجراءات دبلوماسية أو سياسية ملموسة ستظل مرتبطة بتوازنات الحكم والمصالح الخارجية.
المقارنة: أزمات الداخل تعيد تشكيل خيارات الخارج
على الرغم من الاختلاف الواضح بين الأنظمة السياسية والسياقات الاقتصادية في الدول الأربع، فإن نتائج انتخاباتها تكشف عن مجموعة من القواسم المشتركة. أولها أن الأزمات المعيشية والاجتماعية تظل من أهم العوامل المؤثرة في سلوك الناخبين، حتى عندما تتداخل معها قضايا الهوية والسياسة الخارجية. ففي إسبانيا، تتقدم أزمة السكن والقدرة الشرائية؛ وفي البرازيل، تتداخل العدالة الاجتماعية مع مستقبل النموذج الاقتصادي والسياسة الخارجية؛ وفي الولايات المتحدة، تتصدر تكاليف المعيشة وأداء الإدارة إلى جانب الحرب والسياسة الخارجية؛ أما في صربيا، فقد تحولت قضية الفساد والمساءلة إلى نقطة ارتكاز لحركة احتجاجية واسعة.
والقاسم الثاني هو تراجع الثقة بقدرة الأحزاب والمؤسسات التقليدية على الاستجابة للمطالب الاجتماعية. ويتجلى ذلك في صعود قوى احتجاجية أو شعبوية، وفي إعادة تشكيل التحالفات الحزبية، وفي تنامي الاستقطاب بين اتجاهات سياسية متعارضة. كما تكشف النتائج أن التصويت لا يقتصر على تقييم أداء الحكومات، بل يمتد إلى تحديد طبيعة الدولة التي يريدها المواطنون، وموقعها في النظام الدولي.
أما القاسم الثالث، فيتعلق بأن التحولات الداخلية قد تنعكس على السياسة الخارجية، لكن بدرجات متفاوتة. فإعادة انتخاب لولا تعزز استمرارية توجه برازيلي يقوم على التعددية والتعاون مع دول الجنوب العالمي. وسيطرة الديمقراطيين على الكونغرس الأمريكي تفتح أدوات رقابية وتشريعية جديدة، دون أن تضمن تغييرا فوريا في سياسة البيت الأبيض. وفي صربيا، يمنح صعود الحركة الطلابية وزنا سياسيا لمواقفها المعلنة، لكنه لا يحسم اتجاه السياسة الخارجية. أما إسبانيا، فتظل أمام احتمالين متباينين بحسب طبيعة الحكومة المقبلة والتحالفات التي ستدعمها.
ومن هنا، فإن المقارنة بين الانتخابات الأربع لا تعني وجود موجة سياسية واحدة أو اتجاه دولي متجانس، بل تشير إلى أن المجتمعات تعيد التفاوض على العلاقة بين أولوياتها الداخلية وموقع دولها في العالم. وتصبح السياسة الخارجية، في بعض الحالات، جزءا من النقاش الانتخابي الداخلي، وإن لم تكن بالضرورة العامل الحاسم في تحديد نتيجة التصويت.
القضية الفلسطينية في حسابات الانتخابات الدولية: من المواقف السياسية إلى اختبار التنفيذ
تكتسب التحولات الانتخابية في الدول الأربع أهمية إضافية عند النظر إلى انعكاساتها المحتملة على القضية الفلسطينية. فهذه الانتخابات لا تجري في فراغ دولي، بل في مرحلة تتزايد فيها الضغوط السياسية والقانونية والشعبية بشأن الحرب على قطاع غزة، والتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، والانتهاكات الإسرائيلية، ومستقبل حل الدولتين. وقد أصبحت المواقف من إسرائيل وفلسطين أكثر حضورا في النقاشات البرلمانية والحزبية، وإن ظلت أولويات الناخبين المعيشية في معظم هذه الدول أكثر تأثيراً في خياراتهم الانتخابية المباشرة.
إسبانيا: بين استمرار الاعتراف بفلسطين واحتمال مراجعة أدوات الضغط على إسرائيل
تعتبر إسبانيا إحدى الدول الأوروبية التي انتقلت من التعبير السياسي عن دعم الحقوق الفلسطينية إلى اتخاذ خطوات دبلوماسية واقتصادية أكثر تحديدا. فقد اعترفت الحكومة الإسبانية بدولة فلسطين في 28 مايو 2024، وأكدت دعمها حل الدولتين وضرورة احترام القانون الدولي الإنساني. كما اتخذت في عام 2025 إجراءات تتعلق بتقييد نقل المواد الدفاعية وذات الاستخدام المزدوج إلى إسرائيل، ومنع تراخيص عبور بعض المواد العسكرية والوقود ذي الاستخدام العسكري، إلى جانب حظر استيراد المنتجات القادمة من المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وقد اكتسبت هذه الإجراءات أهمية تتجاوز مضمونها المباشر، لأنها أظهرت إمكانية ترجمة المواقف السياسية إلى أدوات تنفيذية على مستوى التجارة والتعاون العسكري. كما عكست وجود اختلاف واضح بين الأحزاب الإسبانية بشأن طبيعة العلاقة مع إسرائيل؛ فقد أيد الحزب الاشتراكي العمالي وسومار وعدد من القوى اليسارية والإقليمية الإجراءات المتعلقة بغزة، في حين عارضها الحزب الشعبي وفوكس خلال التصويت البرلماني على المرسوم ذي الصلة في أكتوبر 2025.
ومن ثم، فإن الانتخابات الإسبانية المقبلة قد تكون ذات أثر مباشر في مستقبل هذه السياسة. فإذا استمر الحزب الاشتراكي في الحكم، بدعم من قوى اليسار والأحزاب الإقليمية، فمن المرجح أن يستمر الإطار العام للاعتراف بفلسطين والدعوة إلى حل الدولتين والضغط الأوروبي على إسرائيل، مع بقاء نطاق الإجراءات مرتبطا بالتوازنات الحكومية والبرلمانية. أما إذا انتقلت السلطة إلى حكومة يقودها الحزب الشعبي بدعم من فوكس، فقد تتجه الحكومة إلى مراجعة بعض الأدوات التي اتخذتها الإدارة الحالية، أو إلى تخفيف حدة خطابها تجاه إسرائيل.
ومع ذلك، لا ينبغي افتراض أن تغيير الحكومة سيؤدي تلقائيا إلى إلغاء الاعتراف الإسباني بدولة فلسطين؛ فالاعتراف الدبلوماسي لا يساوي قرارا إداريا عابرا يمكن التراجع عنه بمجرد تبدل الأغلبية. كما أن المواقف الخارجية تتأثر بالالتزامات الدولية، وبالمؤسسات، وبحسابات الاتحاد الأوروبي والعلاقات الدبلوماسية. ولذلك، فإن السؤال الأكثر واقعية يتمثل في مدى استعداد الحكومة المقبلة للإبقاء على الإجراءات الاقتصادية والعسكرية، وتطويرها، أو مراجعتها.
وتتجاوز أهمية الموقف الإسباني حدود السياسة الوطنية، إذ إن مدريد كانت من الأصوات الأوروبية الداعية إلى مراجعة اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، وربط العلاقات التجارية باحترام حقوق الإنسان والقانون الدولي. وفي حال استمرت الحكومة الحالية أو تشكلت حكومة ذات توجه مشابه، يمكن لإسبانيا أن تواصل الضغط باتجاه موقف أوروبي أكثر تشددا، وإن كانت قدرة الاتحاد الأوروبي على اتخاذ قرارات موحدة تظل مقيدة بالانقسامات بين الدول الأعضاء.
البرازيل: استمرار الدعم السياسي لفلسطين وتعزيز حضور الجنوب العالمي
في البرازيل، تحمل إعادة انتخاب لولا دا سيلفا دلالة واضحة على استمرار التوجه السياسي الذي تبنته حكومته تجاه القضية الفلسطينية. فقد اتخذ لولا مواقف منتقدة بشدة للحرب الإسرائيلية على غزة، ودافع عن حقوق الشعب الفلسطيني، وأكد ضرورة احترام القانون الدولي، كما خفضت حكومته مستوى العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل في ظل الخلافات السياسية المتصاعدة.
وكانت الانتخابات قد كشفت عن اختلاف جوهري بين برنامجي المرشحين في هذا الملف. ففي حين دافع لولا عن استمرار النهج الدبلوماسي الذي يضع البرازيل ضمن الدول المؤيدة لحقوق الفلسطينيين والفاعلة في إطار الجنوب العالمي، طرح فلافيو بولسونارو توجها أكثر تقاربا مع إسرائيل، شمل الدعوة إلى نقل السفارة البرازيلية إلى القدس وإعادة العلاقات الدبلوماسية إلى مستوى السفراء وتعزيز التعاون مع إسرائيل عبر أطر إقليمية ودولية.
وبذلك، فإن فوز لولا لا يمثل مجرد استمرار لحكومة قائمة، بل منع تحولا محتملا في اتجاه السياسة الخارجية البرازيلية كان من شأنه أن ينعكس على علاقاتها بإسرائيل وعلى مواقفها داخل المؤسسات الدولية. كما يتيح استمرار حضور البرازيل في النقاشات المرتبطة بفلسطين ضمن مجموعة بريكس والأمم المتحدة وتجمعات دول الجنوب العالمي.
لكن هذا الاستمرار لا يعني أن البرازيل قادرة وحدها على تغيير موازين القوى الدولية، أو أن مواقفها ستترجم بالضرورة إلى إجراءات اقتصادية أو سياسية حاسمة. فتنفيذ برنامج لولا سيظل مرتبطا بالتوازنات داخل الكونغرس، وبالمصالح التجارية والاستراتيجية للبرازيل، وبطبيعة علاقاتها مع الولايات المتحدة والقوى الدولية الأخرى.
الولايات المتحدة: الكونغرس الجديد ومساحة أوسع لمساءلة الدعم لإسرائيل
تظل الولايات المتحدة الساحة الأكثر تأثيرا في مستقبل القضية الفلسطينية، بالنظر إلى حجم الدعم العسكري والدبلوماسي الذي تقدمه لإسرائيل، وإلى دورها في المؤسسات الدولية وفي إدارة التوازنات الإقليمية. ومن هذه الزاوية، تكتسب سيطرة الديمقراطيين على مجلسي الكونغرس بعد انتخابات 3 نوفمبر 2026 أهمية خاصة، وإن كانت حدود تأثيرها ينبغي ألا يتم المبالغة فيها.
فالتحول في موازين الكونغرس قد يمنح الديمقراطيين قدرة أكبر على فتح ملفات تتعلق باستخدام الأسلحة الأمريكية في غزة، والمساعدات العسكرية المقدمة لإسرائيل، والتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، وعنف المستوطنين، ومدى التزام الحكومة الإسرائيلية بالقانون الدولي. ويمكن أن تظهر هذه القدرة من خلال جلسات الاستماع، والتحقيقات، وطلب التقارير من الإدارة، ومناقشة شروط المساعدات العسكرية، إضافة إلى مشاريع قوانين أو قرارات تستهدف جوانب محددة من العلاقة الأمريكية الإسرائيلية.
ويعكس هذا الاحتمال تغيرا في النقاش داخل الحزب الديمقراطي، حيث لم تعد انتقادات السياسات الإسرائيلية مقتصرة على مجموعات محدودة، بل باتت تحظى بحضور أكبر لدى قطاعات تقدمية وشبابية وناخبين يطالبون بمراجعة الدعم العسكري غير المشروط. ومع ذلك، لا يزال الحزب منقسما، كما أن مواقف عدد من أعضائه لا تزال تؤيد استمرار الدعم لإسرائيل، وإن اختلفت بشأن إدارة الحرب أو شروط المساعدات.
ومن الضروري التأكيد أن سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس لا تعني تغييرا فوريا في سياسة الرئيس ترامب؛ فالإدارة التنفيذية تحتفظ بأدوات واسعة في السياسة الخارجية، ويمكنها الاعتراض على تشريعات أو إعاقة بعض المبادرات. لكن التحول البرلماني قد يغير بيئة النقاش السياسي، ويزيد كلفة استمرار السياسات القائمة دون مساءلة، ويمهد لنقاش أوسع داخل الحزب الديمقراطي بشأن الموقف من إسرائيل في الاستحقاقات الرئاسية المقبلة.
وبالنسبة للفلسطينيين، فإن أهمية هذا التحول تكمن في إمكان الانتقال من الاعتماد على المواقف التصريحية إلى بناء مسار سياسي وقانوني داخل المؤسسات الأمريكية، يركز على مساءلة استخدام المساعدات والأسلحة، ومواجهة الاستيطان، والدفاع عن الحقوق السياسية والمدنية للفلسطينيين. لكن تحقيق ذلك يتطلب عملا سياسيا ومؤسسيا منظما، ولا يمكن اعتباره نتيجة تلقائية لتغير الأغلبية البرلمانية.
صربيا: موقف سياسي معلن يحتاج إلى اختبار الحكم
أما في صربيا، فيحمل فوز القائمة الطلابية أهمية رمزية وسياسية للقضية الفلسطينية، بالنظر إلى ما تضمنه برنامجها من رفض للتدمير المنهجي للشعب الفلسطيني في قطاع غزة، والدعوة إلى تكثيف المساعدات الإنسانية. ويكتسب هذا الموقف دلالة خاصة في ضوء استحضار الحركة للتجارب التاريخية التي عرفها الشعب الصربي، وما يرتبط بها من رفض للاضطهاد والتطهير العرقي واستهداف المدنيين.
لكن التحدي الأساسي أمام الحركة لا يتمثل في إعلان المواقف، بل في ترجمتها إلى سياسة خارجية قابلة للتنفيذ. فصربيا ترتبط بعلاقات ومصالح متشابكة مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وروسيا والصين، كما أن ملفاتها الداخلية، وفي مقدمتها الإصلاح المؤسسي ومكافحة الفساد، ستحتل موقعا متقدما في أولويات الحكومة المقبلة.
ومن ثم، فإن الموقف المؤيد للفلسطينيين يمثل مؤشرا سياسيا مهما، لكنه لا يكفي وحده للحكم على اتجاه السياسة الصربية المقبلة. ويتطلب الأمر متابعة القرارات الحكومية الفعلية، ومواقف صربيا في الأمم المتحدة، وطبيعة علاقاتها الدبلوماسية والاقتصادية مع إسرائيل، ومدى استعدادها لتطوير مساعداتها الإنسانية للفلسطينيين.
ما الذي يمكن أن تكسبه القضية الفلسطينية من هذه التحولات؟
تكشف نتائج الانتخابات الأربع عن فرص متفاوتة يمكن أن تستفيد منها القضية الفلسطينية، لكنها لا تضمن وحدها تغييرا في موازين القوة أو إنهاء الدعم الدولي لإسرائيل.
أول هذه الفرص يتمثل في اتساع المجال السياسي لمساءلة السياسات الإسرائيلية وربط العلاقات معها باحترام القانون الدولي. فالتجربة الإسبانية تقدم نموذجا لإمكانية الانتقال من الاعتراف السياسي بفلسطين إلى اتخاذ إجراءات تتعلق بالتجارة والتعاون العسكري، بينما يتيح التحول في الكونغرس الأمريكي فرصة لزيادة الرقابة على المساعدات والأسلحة. وإذا تطورت هذه الاتجاهات، فقد يصبح الضغط على إسرائيل أكثر ارتباطا بأدوات مؤسسية وقانونية، بدلا من الاكتفاء بالإدانات السياسية.
وتتمثل الفرصة الثانية في تعزيز الحضور الفلسطيني ضمن تحالفات دول الجنوب العالمي، ولا سيما في أمريكا اللاتينية ومجموعة بريكس والأمم المتحدة. فاستمرار حكومة لولا في البرازيل يوفر مساحة دبلوماسية لدعم الحقوق الفلسطينية، وتوسيع النقاش حول العدالة الدولية وازدواجية المعايير، وإبقاء القضية حاضرة في المحافل متعددة الأطراف.
أما الفرصة الثالثة، فتتعلق بتوسيع النقاش داخل المجتمعات الغربية نفسها. فقد أظهرت التحولات داخل الحزب الديمقراطي الأمريكي، وكذلك النقاشات البرلمانية الأوروبية، أن المواقف من إسرائيل لم تعد محصورة في الحسابات الدبلوماسية التقليدية، بل أصبحت موضوعا للنقاش العام والانتخابي والحقوقي. وهذا يتيح للفلسطينيين وحلفائهم فرصة لتطوير خطاب يستند إلى القانون الدولي وحقوق الإنسان، ويخاطب المؤسسات والناخبين والمجتمع المدني، بدلا من الاقتصار على مخاطبة الحكومات.
غير أن هذه الفرص تصطدم بعوائق جدية. فالولايات المتحدة لا تزال تمتلك تأثيرا واسعاً في حماية إسرائيل سياسيا وعسكريا، والاتحاد الأوروبي يعاني انقساما يحول دون اتخاذ مواقف موحدة وحاسمة. كما أن المصالح الاقتصادية والأمنية والتحالفات الاستراتيجية قد تدفع بعض الحكومات إلى الفصل بين خطابها الحقوقي وسياساتها العملية. ويضاف إلى ذلك أن تغير الحكومات لا يعني بالضرورة تغيرا سريعا في السياسات، كما أن المواقف المعلنة في البرامج الانتخابية قد تتراجع أمام حسابات الحكم والائتلافات.
ومن هنا، ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات: الأول هو تغير الخطاب السياسي، أي زيادة التصريحات والانتقادات المؤيدة للحقوق الفلسطينية؛ والثاني هو تغير المواقف المؤسسية، من خلال القرارات البرلمانية والحكومية والاعترافات الدبلوماسية؛ والثالث هو تغير السلوك الدولي الفعلي، عبر اتخاذ إجراءات ملزمة تؤثر في العلاقات العسكرية والتجارية والدبلوماسية مع إسرائيل، وتوفر حماية حقيقية للحقوق الفلسطينية.
وهذا التمييز ضروري حتى لا تتحول نتائج الانتخابات إلى مصدر لتوقعات مبالغ فيها. فالفوز الانتخابي لحزب أو حركة تتبنى موقفا مؤيدا لفلسطين لا يعني تلقائيا أن الحكومة ستتخذ إجراءات حاسمة، كما أن خسارة حزب مؤيد لإسرائيل لا تعني بالضرورة انهيار منظومة الدعم الدولي لها. إن الاختبار الحقيقي يكمن في السياسات التي سيتم اعتمادها بعد الانتخابات، ومدى استمرارها وقدرتها على إحداث أثر ملموس.
الخلاصة
تظهر انتخابات عام 2026 أن الأزمات المعيشية لم تعد مجرد ملفات اجتماعية أو اقتصادية منفصلة عن السياسة، بل أصبحت من العوامل الرئيسية التي تعيد تشكيل الخريطة الحزبية، وتؤثر في شرعية الحكومات، وتفتح المجال أمام صعود قوى جديدة أو عودة قوى تقليدية. ففي إسبانيا، تضع أزمة السكن والقدرة الشرائية الحكومة أمام اختبار صعب؛ وفي البرازيل، منحت إعادة انتخاب لولا استمرارية للنهج السياسي والاجتماعي الذي تبنته حكومته؛ وفي الولايات المتحدة، أفرزت الانتخابات تحولا في موازين الكونغرس يفتح المجال لمزيد من الرقابة والمساءلة؛ أما في صربيا، فقد تحولت الاحتجاجات الطلابية إلى قوة انتخابية قادرة على تحدي النظام الحزبي القائم.
ولا تعني هذه النتائج أن العالم يتجه نحو تحول سياسي موحد، أو أن الانتخابات الأربع تعكس اتجاها واحدا في السياسة الدولية. لكنها تكشف عن تراجع قدرة بعض النخب التقليدية على احتكار المجال السياسي، وعن تنامي تأثير القضايا الاجتماعية والاقتصادية في تحديد مستقبل الحكومات، وعن اتساع النقاش حول دور الدولة وموقعها في النظام الدولي.
وبالنسبة للقضية الفلسطينية، فإن هذه التحولات تحمل فرصا مهمة، لكنها تظل مشروطة بقدرة القوى السياسية المؤيدة للحقوق الفلسطينية على تحويل مواقفها إلى سياسات عملية. فاستمرار النهج الإسباني المؤيد للاعتراف بفلسطين، وإعادة انتخاب لولا، والتحول في الكونغرس الأمريكي، وصعود الحركة الطلابية في صربيا، كلها مؤشرات تستحق المتابعة، لكنها لا تشكل بمفردها ضمانة لتغيير الموقف الدولي أو وقف الانتهاكات الإسرائيلية.
إن ما تحتاج إليه القضية الفلسطينية في المرحلة المقبلة ليس مجرد اتساع دائرة التضامن السياسي، بل تحويل هذا التضامن إلى التزامات قانونية وإجراءات دبلوماسية واقتصادية ومؤسسية، تشمل وقف الاستيطان، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وضمان حماية المدنيين، ووقف نقل الأسلحة التي يمكن استخدامها في ارتكاب انتهاكات للقانون الدولي، وتوفير مسار سياسي جدي يضمن للشعب الفلسطيني حقه في تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة.
وفي المحصلة، قد لا تكون القضية الفلسطينية هي العامل الذي حسم خيارات الناخبين في إسبانيا أو البرازيل أو الولايات المتحدة أو صربيا، لكنها أصبحت اختبارا متزايد الأهمية لمدى اتساق السياسات الدولية مع المبادئ التي تعلنها الحكومات والأحزاب. ومن هنا، فإن القيمة الحقيقية لانتخابات 2026 لن تقاس فقط بمن فاز ومن خسر، بل أيضا بما إذا كانت التحولات التي أفرزتها ستؤدي إلى إعادة النظر في السياسات القائمة، وإلى تضييق الفجوة بين الخطاب السياسي والممارسة الدولية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بحقوق الشعب الفلسطيني والقانون الدولي.




