اسرائيل تقاضينا ونحن نستنكر

اكتب هذا المقال بصفتي اقتصادي وليس رجل قانون، لكن مهنة تدريس مناهج البحث العلمي علمتني ان اقرأ الادبيات قبل ان احكم. وقد قرات في القانون الدولي والاسرائيلي والفلسطيني ما يكفي لأستغرب امر واحد: كيف لم يتقدم القانونيون والمؤسسات الرسمية حتى اليوم بخطوة جدية تجاه القتل والحرق وتدمير الممتلكات وسرقة المزارعين. ليلة امس سرق مستوطنون محصول الموز في منطقة المسعودية قرب نابلس ودمروا ادوات الري، وقبلها بايام اتلفوا سياج الارض ذاتها. سيكتب في الصباح بيان استنكار، وسيغلق المزارع ملفه على خسارة موسم كامل، ولن يحمل احد هذه الخسارة الى قاعة محكمة.
والمسعودية حلقة في سلسلة اطول بكثير. رصدت الامم المتحدة اكثر من الف وستمئة اعتداء للمستوطنين خلال الشهور الثمانية الاولى من هذا العام. والقائمة تبدا بقتل المدنيين، من احراق عائلة دوابشة في بيتها في دوما الى قتل عائشة الرابي بحجر القي على سيارتها، وتمر باحراق البيوت والسيارات كما جرى في حوارة وترمسعيا، وقطع الزيتون واحراقه في مواسم القطاف، وتجريف الحقول والطرق الزراعية، وتنتهي باقامة بؤر وخيام ومزارع رعوية على اراض خاصة يحمل اصحابها سندات تسجيل. لكل فعل من هذه الافعال اسم في القانون وثمن في القضاء: القتل دعوى تعويض لذوي الضحية، والحرق والتجريف اتلاف مال، والزيتونة المقطوعة كسب فائت لعقود، والبؤرة على ارض خاصة تعد يستحق اخلاء واجرة استعمال عن كل سنة.
في الجهة المقابلة تعمل الالة القانونية الاسرائيلية بانتظام لافت. القاضي موشيه دروري في المحكمة المركزية في القدس حمل السلطة الفلسطينية المسؤولية المدنية عن عمليات الانتفاضة الثانية، ثم قدر التعويض بنصف مليار شيكل تدفع من اموال المقاصة. ومحكمة اخرى الزمت السلطة بثلاثة عشر مليون شيكل لعائلة مستوطنين قتلا في عملية، وفي حزيران الماضي حولت الكنيست هذه الممارسة الى الية سنوية دائمة، يعد فيها وزير المالية كشفا بما دفعته دولته للمتضررين ويقتطع ما يقابله من المقاصة لتسديد احكام المحاكم اولا. وحتى شباط الماضي كانت امام هذه المحاكم مئات الدعاوى ضد السلطة بمطالبات تقارب خمسة وستين مليار شيكل، اي نحو خمسة اضعاف الاموال المحتجزة. رواتب المعلمين والاطباء صارت رهينة جلسات محكمة لا نحضرها.
القاعدة التي تحتج بها اسرائيل، ان من يتسبب بالضرر يعوض عنه، قاعدة مكتوبة بوضوح في القانون الدولي ضدها. المادة الثالثة من اتفاقية لاهاي الرابعة لعام 1907 تلزم الطرف الذي يخالف اللوائح بدفع التعويض. والمادة 43 من اللوائح توجب على دولة الاحتلال ضمان السلامة العامة، والمادة 46 تفرض احترام الحياة والملكية الخاصة، والمادة 47 تحظر النهب. واتفاقية جنيف الرابعة تحمي الاشخاص في المادة 27، وتحظر النهب في المادة 33 وتدمير الممتلكات في المادة 53، وتحظر نقل السكان الى الارض المحتلة في الفقرة السادسة من المادة 49، وتعد التدمير الواسع للممتلكات مخالفة جسيمة في المادة 147، ثم تمنع في المادة 148 اي طرف من اعفاء نفسه من المسؤولية. ومواد لجنة القانون الدولي في مسؤولية الدول تجعل التعويض شاملا لكل ضرر قابل للتقييم المالي بما فيه الكسب الفائت، وتنسب الى الدولة في المادة 11 الافعال التي تقرها وتتبناها. والدولة التي تمد البؤر بالكهرباء والطرق والحراسة ثم تشرعنها تتبنى افعال سكانها. وفي تموز 2024 قررت محكمة العدل الدولية ان على اسرائيل جبر الضرر كاملا لكل المتضررين ورد الاراضي والممتلكات.
اما القانون الاسرائيلي فيفتح ابوابا عملية. مرسوم الاضرار المدنية يتيح مقاضاة المستوطن شخصيا عن الاعتداء في المادة 23 والتعدي على الارض في المادة 29 والاهمال في المادتين 35 و36، ويمنح ذوي القتيل في المادة 78 حق المطالبة بما فقدوه من اعالة، وللمستوطنين بيوت وحسابات وسيارات تخضع لدائرة التنفيذ. ويمكن مقاضاة الدولة عن التقصير في الحماية، فالمحكمة العليا الزمت الجيش في قضية مرار عام 2006 بحماية وصول المزارعين الى اراضيهم. وفي ملف الاراضي الخاصة حكمت المحكمة نفسها في قضية الون موريه عام 1979 بعدم جواز اقامة مستوطنة على ارض فلسطينية خاصة، والغت عام 2020 قانون التسوية الذي اراد شرعنة البناء الاستيطاني عليها. والتعديل الثامن لقانون مسؤولية الدولة عام 2012 استثنى العمليات الحربية وسكان ما سماه ارض العدو، واعتداءات المستوطنين في الضفة لا تدخل في اي منهما. والسوابق موجودة: محكمة اسرائيلية الزمت الدولة بتعويض ستة من ملاك الاراضي حرموا من فلاحتها بسبب بؤرة عمونا، وعائلة دوابشة رفعت امام المحكمة المركزية في الناصرة دعوى بقرابة عشرة ملايين شيكل تتهم الدولة بالاهمال لانها تركت البؤرة التي خرج منها القتلة قائمة.
والقانون الفلسطيني لا يترك المؤسسات بلا تكليف. المادة 32 من القانون الاساسي تجعل الاعتداء على الحريات جريمة لا تسقط الدعوى المدنية الناشئة عنها بالتقادم، وتلزم السلطة بضمان تعويض عادل لمن وقع عليه الضرر. والملحق الرابع من الاتفاقية المرحلية يحرم المحاكم الفلسطينية عمليا من الولاية المدنية على الاسرائيليين، فيصبح الطريق الى المحاكم الاسرائيلية والاليات الدولية واجبا لا خيارا.
المشكلة اذن في التنظيم وليست في الكفاءات. لدينا نيابة عامة، ووزارتا عدل وخارجية، وهيئة مختصة بالجدار والاستيطان، ونقابة محامين من اعلى النقابات علاوة، ومنظمات اهلية بخبرة عقود وشبكات دولية. ما ينقص هو ملف وطني موحد له موازنة وقرار سياسي يعامل التعويض مطالبة مالية سيادية. والتوثيق للاعلام غير التوثيق للقضاء: الثاني يحتاج تسلسلا محفوظا للادلة، وتقريرا طبيا شرعيا في كل حالة قتل، وتقييما يجريه مهندس زراعي ومثمن لكل بيت وسيارة وشجرة، ومحاميا يتابع الملف حتى التنفيذ.
يعترض بعضهم بان اللجوء الى محاكم الاحتلال اعتراف بولايته، ويخشى اخرون الكلفة وضعف فرص الربح. غير ان الفلسطينيين يترافعون امام المحكمة العليا الاسرائيلية منذ عقود في قضايا الارض والهدم دون ان يعد ذلك اعترافا بشرعية الاحتلال، والدعوى الخاسرة تثبت استنفاد سبل الانتصاف المحلية الذي تشترطه هيئات دولية عدة. والكلفة تقاس بالخسارة القائمة: خمسة وستون مليارا من المطالبات في جهة، وصفر تقريبا في الجهة المقابلة.
من يملك الاثباتات يرسم شروط التسوية. اي ترتيب قادم للمقاصة او لاعادة الاعمار سيبدا بمطابقة الحسابات، وستحضر اسرائيل باحكام مصدقة، وسنحضر نحن بارشيف من البيانات والاستنكارات الاعلامية. والمعاملة بالمثل تبدا بخطوة متواضعة: ان يتحول بستان الموز في المسعودية، وبيت دوابشة، وزيتون ترمسعيا، من اخبار عابرة الى ملفات دعاوى.




