Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
منشورات وإصداراتتحليلات

انتكاسة ترامب في مرآة العالم: حسابات الحلفاء والخصوم

دفعت نتائج انتخابات التجديد النصفي الأميركية في 3 نوفمبر 2026 حلفاء واشنطن وخصومها إلى إعادة حساباتهم. فانتقال أغلبية مجلسَي الكونغرس إلى الديمقراطيين يضع ترامب أمام قيود داخلية أشد، ويطرح على العالم سؤالاً يتجاوز هوية الفائز: ماذا يستطيع الرئيس أن يمنح حلفاءه أو يفرض على خصومه خلال العامين المتبقيين؟ وتكشف ردود الفعل الأولى أن الارتياح لخسارته لا يعني اتفاقاً على البديل. فكل طرف يقرأ النتيجة من موقعه، ويبحث فيها عن فرصة لتحسين شروط التعامل مع واشنطن.

يبقى ترامب رئيساً، ويحتفظ بصلاحيات واسعة في السياسة الخارجية. لكن الأغلبية الجديدة تستطيع، بعد تولّيها مهامها في كانون الثاني المقبل، تشديد الرقابة على إدارته والتأثير في التشريعات والإنفاق. ولهذا فإن التغيير الأرجح هو ارتفاع كلفة بعض قراراته واضطراره إلى التفاوض بشأنها. وقد ذكّر بالفعل بامتلاكه حق النقض. وفي تقديري، ستُقاس أهمية النتيجة خارجياً بقدرة الكونغرس على تحويل الاعتراض إلى إجراءات، وباستعداد الرئيس للتعامل معها أو البحث عن وسائل لتجاوزها.

في إسرائيل، تمس النتيجة رهانات نتنياهو الشخصية. فقد سارع يائير لبيد ويائير غولان إلى استخدامها ضده، معتبرَين أن سياساته أضرّت بالتأييد الأميركي لإسرائيل. والمغزى أن العلاقة الوثيقة بترامب تصبح أقل قدرة على تعويض التوتر مع الديمقراطيين في الكونغرس. وقد ترتفع الضغوط المتعلقة بالمساعدات والسلاح، لكن احتمالها لا يساوي تحققها. أما التحدي أمام نتنياهو، وهو يخوض معركة تشكيل الحكومة المقبلة، فيتمثل في إقناع الداخل الإسرائيلي بأن قربه من الرئيس لا يزال مكسباً، وأن هذا القرب لن يحمّل إسرائيل كلفة إضافية في صراع ترامب مع الكونغرس.

وفي الملف الأوكراني، يظهر اختلاف الرهان بوضوح. أكد المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف، في 5 نوفمبر، أن ترامب سيواصل ممارسة صلاحياته وسياسته الخارجية. وفي المقابل، عبّر زيلينسكي في مقابلة مع التلفزيون الألماني عن أمله في أن يتيح التوازن الجديد دعماً أميركياً أكبر لبلاده. ويمكن قراءة الموقف الروسي بوصفه تمسكاً بقناة التعامل مع الرئيس، فيما ترى كييف فرصة لتقوية موقعها عبر الكونغرس. غير أن الدعم يحتاج إلى قرارات وتمويل وتنفيذ، لذلك قد تتحسن قدرة أوكرانيا على التفاوض قبل أن تصلها مساعدات جديدة، وقد تزداد صعوبة أي تفاهم أميركي روسي يواجه اعتراضاً واسعاً في واشنطن.

أما أوروبا، فتفاوتت رسائلها بين الترحيب والتأكيد على الاستمرارية. رحّب رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز بالنتيجة، ورأى نظيره النرويجي يوناس غار ستوره صعود أصوات أقرب إلى مواقف بلاده، بينما شددت الحكومة اليونانية على استمرار التحالف مع الولايات المتحدة. ويشير هذا التفاوت إلى أن الحسابات الوطنية تظل حاضرة داخل المعسكر الغربي. وقد تستفيد العواصم الأوروبية من شركاء أكثر استعداداً للتنسيق داخل الكونغرس، لكن مصلحتها تقتضي أيضاً بناء قدرة على التعامل مع واشنطن تتجاوز انتظار تحسن العلاقة كلما تغيرت الأغلبية.

وجاء الرد الصيني أكثر تحفظاً، إذ وصفت الخارجية الانتخابات بأنها شأن أميركي داخلي، وأكدت مواصلة تنفيذ تفاهمات الرئيسين وإدارة الخلافات. ومن هذه الزاوية، يبدو أن بكين تعطي استقرار التفاهمات أولوية على إظهار الارتياح لتعثر ترامب. فقد يحد انشغاله الداخلي من قدرته على فتح مواجهات جديدة، لكنه قد يزيد أيضاً صعوبة تنفيذ التزاماته. ولذلك لا يكفي ضعف الرئيس لاعتباره مكسباً صينياً، فالقيمة العملية لأي اتفاق تتوقف على ما تستطيع إدارته تنفيذه والمحافظة عليه.

وفي إيران، وصف رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف النتيجة بأنها رفض أميركي للحرب. وتمنح هذه القراءة طهران حجة للقول إن استمرار المواجهة يحمّل الإدارة ثمناً داخلياً. لكنها قد تقود إلى تقدير خاطئ إذا فُهمت على أن ترامب أصبح عاجزاً عن التصعيد، فقد دافع عن قرار الحرب رغم إقراره بأثرها الانتخابي. والأجدى لإيران اختبار ما إذا كانت الضغوط ستدفعه إلى تسوية قابلة للاستمرار، مع تجنب افتراض أن حاجته إلى إنجاز تعني قبوله بأي شروط.

فلسطينياً، لا تمحو خسارة ترامب ذاكرة الخذلان في عهدَي الديمقراطيين والجمهوريين. فقد استخدمت واشنطن الفيتو ضد مشاريع لوقف إطلاق النار في غزة في عهدَي بايدن وترامب، بما يفسر الحذر من تعليق آمال كبيرة على تبدل الأغلبية. ومع ذلك، نتشبث بكل فرصة قد تنقذ حياةً أو تخفف معاناةً أو تفتح طريقاً لحماية حقوقنا. وقد تتيح النتيجة توسيع التأييد داخل الكونغرس لحماية المدنيين ومساءلة استخدام السلاح الأميركي، إذا اقترنت بتحرك فلسطيني ومطالب واضحة. أما الثقة، فتحتاج إلى أفعال تثبت أن أصحاب المواقف الجديدة مستعدون للدفاع عنها حين تصطدم بالسياسات الإسرائيلية. وفي تقديري، يبقى الأمل ضرورياً للاستمرار، لكنه لا يعفينا من تذكّر التجربة والحكم على المواقف بنتائجها.

وتوحي هذه المواقف بأن المرحلة المقبلة ستجمع بين فرص تفاهم جديدة واحتمالات تعطيل أكبر. وقد يسعى ترامب إلى اتفاق خارجي يقدمه إنجازاً يعوض انتكاسته، أو يتمسك بالمواجهة ليؤكد قدرته على المبادرة. ويمكن متابعة اتجاهه من خلال قرارات التمويل والسلاح ومضمون التفاوض، لا حدة التصريحات وحدها. وما ينبغي للحلفاء والخصوم إدراكه أن ضعف الرئيس داخلياً قد يجعله أكثر احتياجاً إلى التسوية، وأقل قدرة على ضمان استمرارها في الوقت نفسه. لذلك فإن الرابح خارج الولايات المتحدة سيكون الطرف الذي يحوّل التوازن الجديد إلى نتائج ملموسة، من دون المبالغة في توقع ما تستطيع الانتخابات وحدها تغييره.

دكتور فؤاد ربايعة

دكتور العلاقات الدولية والعلوم السياسيه في معهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى