مبنى البريد في شارع صلاح الدين لم يكن مجديا

في عام 1990 بكت طالبة في ممر السكن بجامعة برينستون لان الف دولار كانت تفصلها عن ترك الدراسة، فاقرضتها زميلتها المبلغ دون سؤال. بعد ثلاثة عقود وزعت تلك الطالبة، ماكينزي سكوت، اكثر من ستة وعشرين مليار دولار، وحين سئلت عن فلسفتها في العطاء عادت الى ذلك الممر، والى سن مكسورة ثبتتها بلاصق طقم الاسنان لانها لم تملك اجرة الطبيب. ذاكرة صغيرة صنعت قرارا بالمليارات. ونحن نملك ذاكرة بحجم وطن، ولم نصنع بها قرارا واحدا يليق بها.
تعيدني هذه القصة الى مطلع الثمانينيات، الى متجر في القدس الغربية كنا نجلب منه القرطاسية لمكتبتنا في نابلس. امام المتجر قطعة ارض مهجورة مررنا بها مرات، ثم وجدناها في احدى الزيارات حديقة عامرة. اتذكر ما قالته صاحبة المتجر (دوريت) لوالدي، رحمه الله، ان زوجين يهوديين ثريين من الولايات المتحدة دفعا نصف مليون دولار لشرائها وتحويلها الى حديقة عامة. كان المبلغ يومها ثروة طائلة، وكان المشهد درسا لم افهمه كاملا الا بعد سنوات.
ما رأيته يومها طرف خيط طويل. منذ مطلع القرن الماضي والصندوق القومي اليهودي يضع في بيوت اليهود حول العالم صندوق ازرق صغير تجمع فيه القروش لشراء ارض فلسطين. قروش الفقراء في وارسو ونيويورك تحولت الى سندات ملكية في مرج ابن عامر وسهل الحولة. لم يسأل احد صاحب القرش هل الصفقة مجدية، كان يكفيه ان يعرف ان الارض صارت لشعبه. ولم يقف المشروع عند القروش. في عام 1951 اطلق بن غوريون سندات اسرائيل ليقترض من يهود العالم بدل ان يستجديهم، فتجاوزت مبيعاتها اربعة وخمسين مليار دولار حتى عام 2025، واشترى المستثمرون في الولايات المتحدة وحدها سندات بمليار دولار في الاسابيع الخمسة الاولى من الحرب الاخيرة على غزة. حول الدين الى ولاء، والولاء الى مصانع وطرق ومستوطنات.
وجبل ابو غنيم شاهد على المسارين معا. كان الجبل غابة خضراء تصل بيت لحم بالقدس، فاقتلعت اشجاره عام 1997 بقرار من حكومة نتنياهو الاولى لتقوم عليه مستوطنة هار حوما، التي تجاوز سكانها خمسة وعشرين الفا. وحين احتج العالم ردت الحكومة بان معظم ارض الجبل مملوك ليهود. ارض اشتريت بالمال اليهودي وصارت حجة لاغلاق البوابة الجنوبية للقدس وقطع التواصل بين المدينة وبيت لحم.
وحين قامت الدولة صار المال المهاجر اكثر جرأة. الطبيب الامريكي موسكوفيتش حول ارباح صالة بنغو في بلدة صغيرة بكاليفورنيا الى مستوطنات كاملة. اشترى ارضا في رأس العامود فقامت عليها معاليه هزيتيم، واشترى ارضا في ابو ديس لتقوم عليها كيدمات تسيون، وموّل بيت اوروت على جبل الزيتون. مستوطنة تبدأ بشيك رجل واحد ثم تحرسها دولة. واشترى عام 1985 فندق شبرد الذي كان ملكا للحاج امين الحسيني، ثم هدمه ليقيم مكانه وحدات استيطانية رغم اعتراض واشنطن نفسها. ورومان ابراموفيتش ضخ عبر شركات مسجلة في جزر العذراء البريطانية اكثر من مئة مليون دولار في جمعية العاد، اي قرابة نصف تبرعاتها خلال ثلاثة عشر عام، فاشترت بيوت في سلوان وموّلت قضايا اخلاء اهلها. وشيلدون اديلسون، ملك الكازينوهات، وضع ماله في كلية طب تحمل اسمه في جامعة مستوطنة اريئيل، ليمنح مستوطنة قامت على ارض سلفيت شرعية اكاديمية. وفي نيويورك يجمع صندوق الخليل التبرعات لمستوطني البلدة القديمة في الخليل، على بعد خطوات من الحرم الابراهيمي.
والاخطر ان هذا المال يشتري الرواية مع الارض. العاد تدير الحفريات في سلوان وتسميها مدينة داود، ويزورها اكثر من مليون سائح كل عام يخرجون منها دون ان يسمعوا اسم عائلة فلسطينية واحدة عاشت هناك. وعطيرت كوهنيم خاضت سنوات في المحاكم لانتزاع فندقي الامبريال والبتراء عند باب الخليل، في قلب البلدة القديمة. يصادر الحجر اولا، ثم يعاد تعريفه، ثم يقدم للعالم تراثا لغيرنا.
وفي الطرف الاخر من المعادلة يقف مبنى البريد في شارع صلاح الدين. عرض قبل وقت ليس ببعيد على مستثمر فلسطيني (ما زال حيا) فرده لانه غير مجد، فاشترته جمعية استيطانية. حسبها المستثمر بمنطق العائد على رأس المال، وحسبتها الجمعية بمنطق العائد على المشروع الوطني. خسرنا المبنى في دفتر الحسابات قبل ان نخسره في دائرة الطابو. وهذه الحادثة تختصر علاقة اكثر رؤوس اموالنا بفلسطين: يدفعها الطمع حين تلوح الصفقة، ويحبسها الخوف حين يلوح الخطر، ونادرا ما يحركها الانتماء. ومن يحتج بالخوف من المصادرة وقوانين الاحتلال، فليتذكر ان الجمعيات الاستيطانية تعمل في البيئة القانونية ذاتها، وتربح لانها تحضر قبل غيرها ومعها المال والمحامون والنفس الطويل.
ولنكن صريحين مع انفسنا. في سنوات التأسيس الاولى للسلطة تسابق كثير من اصحاب المال على الوكالات الحصرية والامتيازات والاحتكارات، وقلة منهم سألت ماذا تبني لفلسطين. وبلغ بعضهم الشيخوخة وفي حساباتهم ما يكفي لاعمار حي كامل في القدس، فرحلوا ولم يوقفوا لها شبرا، الا من رحم ربي. مؤسسة التعاون التي ولدت في جنيف عام 1983 بمبادرة رجال مثل عبد المحسن القطان وحسيب صباغ، ومؤسسة القطان من بعدها، صنعتا منجزات حقيقية في التعليم والثقافة وترميم البلدات القديمة. لكن ما انفقته التعاون في ثلاثة واربعين عام، نحو مليار دولار، يعادل ثلاثة وعشرين مليون في السنة لشعب كامل، فيما وضع رجل واحد مئة مليون في حي واحد من القدس.
غير ان اللوم لا يقع على الاثرياء وحدهم. نحن، مؤسسات وفصائل ونخبا، لم نفكر بالقدر الكافي في تقريب كل فلسطيني منا. تركنا الجيل الثاني والثالث في سانتياغو وديترويت ودبي يكبر على حكايات الجدات، ولم نمد له جسرا يحول الحكاية الى التزام. لم نطرق ابوابهم الا في المواسم والكوارث، ولم نعطهم مؤسسة يأمنونها، ولا حسابا شفافا يرون فيه اين ذهب دولارهم. الانتماء الذي لا يغذى يذبل، والمال الذي لا يجد قناة نظيفة يبقى في البنوك. كتب غسان كنفاني في عائد الى حيفا ان “الانسان في نهاية الامر قضية”، ونحن تركنا الملايين بلا قضية يمسكونها بايديهم، فامسكت بهم الغربة.
ما نحتاجه وكالة فلسطينية للوقف والارض، مستقلة عن الحكومة والفصائل، يقودها مجلس امناء من رجال اعمال وقضاة واقتصاديين مشهود لهم، وتنشر حساباتها المدققة كل عام. تبدأ بسجل للعقارات المعروضة للبيع في القدس ومحيطها يرصده محامون موثوقون، وبتمويل جاهز يمكنها من الشراء في ايام قبل ان تسبقها الجمعيات الاستيطانية، ثم تؤجر العقارات لاهلها بما يغطي صيانتها ويعيد تدوير العائد. وتطلق صندوق اخضر فلسطيني: حصص وقفية تبدأ من عشرة دولارات لنحو خمسة عشر مليون فلسطيني في الوطن والشتات، يحمل صاحبها شهادة رقمية بحصته في عقار مسمى في القدس، فيشتري الناس للقدس زمنا ومترا. وتصدر سندات شتات فلسطينية او صكوك وقفية بعائد متواضع، تمول بها مساكن ومدارس في القدس وفلسطين واعمار غزة ، فيجد المستثمر الذي يطلب العائد والمغترب الذي يطلب الانتماء اداة واحدة تجمعهما. ويقابل كل دولار صغير دولار من كبار الاثرياء، فيتحول الثري من محسن منفرد الى شريك يضاعف جهد شعبه. وتطلق حملة لوصية الثلث التي يجيزها الشرع، مع خدمة قانونية مجانية لكبار السن في بلدان اقامتهم. وتمنح، على طريقة ماكينزي سكوت، تمويل غير مشروط لمؤسسات مقدسية اثبتت جدواها.
مات رجال الخزان في رواية كنفاني صامتين، وظل سؤال ابي الخيزران معلق فوق الصحراء: “لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟”. اثرياء فلسطين اليوم خارج الخزان، والقدس وفلسطين في داخله تختنق. من حقها ان تعاتبهم، ومن واجبنا ان نعاتب انفسنا قبلهم. تلك الطالبة في برينستون لم تنس الف دولار اعارتها اياها زميلة، ونحن مدينون لوطن اعارنا اسماءنا ولم نرد له شيئا بعد.



