من هاتف إلى صهريج وقود: ثلاثون عاما بين اقتصاد السوق وشركة حكومية

لم يكن قرار مجلس الوزراء الاخير قبل أيام بالمصادقة على تشكيل مجلس إدارة تأسيسي لشركة حكومية للمحروقات مجرد خبر عابر. كان، بالنسبة لي ، بمثابة صدمة ارتدادية في الزمن( اعتذر عن الوصف المبالغ فيه، ولكن هو كذلك). استحضرت فجأة ما قبل أكثر من ثلاثين عاماً، حين كان الدكتور محمد مصطفى، رئيس الوزراء الحالي، خبيرا دوليا مكلفا من البنك الدولي ببناء قطاع الاتصالات الفلسطيني من الصفر. كنت في تلك الحقبة اشارك كممثل لفلسطين في مؤتمر الاتصالات لدول منظمة التعاون الإسلامي في عمان، قدمت بحماس المهندس الفلسطيني الذي يرى المستقبل وقتها ورقة علمية، عن تطور أنظمة الاتصال الخلوي، في زمن كانت فيه فكرة “هاتف في الجيب” تضاهي دهشة الذكاء الاصطناعي اليوم. هناك، في أروقة شركة الاتصالات الاردنية ، قابلت د. محمد مصطفى، صدفه حين كنت ازور بعد زملاء الدراسة هناك وحين عرف بوجود مهندس فلسطيني، أصر على لقائي. اتصلت بي مديرة مكتبه، ورتبت لقاء في مكتبه بالرام، انتهى بتوظيفي في شركة الاتصالات الفلسطينية الناشئة. لم أستمر طويلاً، إذ سرعان ما اصطدمت بتضارب المصالح بين عملي في القطاع العام وعملي هناك، فغادرت. لكن تلك التجربة ظلت عالقة في ذهني كنموذج لبناء وطني قائم على السوق الحر والمنافسة والشراكة مع القطاع الخاص. والآن، وبعد أن توارى دوري كمهندس تقني وبرز دوري كاقتصادي، اقرأ ان الرجل نفسه يصادق على إنشاء شركة حكومية عملاقة في قطاع المحروقات. فهل هذه مفارقة تاريخية أم تحول فكري أم مجرد ضرورة يفرضها واقع استثنائي؟
الدستور الفلسطيني، في مادته 21 من القانون الأساسي المعدل لسنة 2003، واضح وحاسم: “النظام الاقتصادي في فلسطين يقوم على أساس مبادئ الاقتصاد الحر، ويجوز للسلطة التنفيذية إنشاء شركات عامة تنظم بقانون”. هذا النص الاستثنائي، الذي يمنح الحكومة ترخيصاً بالتدخل في السوق الحر، هو بالضبط ما تستند إليه الحكومة اليوم. لكن السؤال الأعمق: هل كل ما هو جائز دستوريا هو مطلوب اقتصاديا؟ الفرق بين الجائز والمطلوب هو جوهر علم الاقتصاد، وهو الفارق الذي يغيب أحيانا في قراراتنا. وفي حالة شركة المحروقات، لم يصدر حتى الآن أي قانون ينظم عملها، والمجلس التأسيسي مكلف فقط بإعداد الإطار القانوني والفصل المالي، مما يعني أننا أمام شركة حكومية تدار بقرارات تنفيذية قبل أن تخضع لرقابة تشريعية.
لنستعرض قليلا تاريخ هذا القطاع. عندما وقعنا بروتوكول باريس الاقتصادي مع إسرائيل عام 1994، كان الخوف الإسرائيلي الأكبر أن نتحول إلى “ثقب أسود” – أي أن نستورد محروقات بأسعار مدعومة (مثلاً من دول عربية) ونعيد بيعها داخل إسرائيل بأسعار أقل، مما سيضر بالسوق الإسرائيلية. لذلك، ألزمونا بتلوين البنزين والسولار بألوان خاصة، كما ألزمونا بهامش سعري في فلسطين مرتبط مباشرة بالسعر داخل إسرائيل، بحيث لا يمكن أن يقل سعر الوقود في فلسطين عن السعر الإسرائيلي بأكثر من نسبة ضئيلة. هذه الآلية، والتي صاحبها قرارات حكومية استسهلت جباية الضرائب خالصة دون تعب ( بلو ومضافة) ، جعلت من قطاع المحروقات الفلسطيني رهينة للسياسات الإسرائيلية، وخاضعاً لتسعير لا يعكس تكاليفنا الحقيقية ولا قوى العرض والطلب المحلية. وهنا المفارقة الكبرى: لقد كنا، ومنذ اتفاق باريس، نملك الحق في استيراد المحروقات من خارج إسرائيل (من مصر أو الأردن أو السعودية)، لكننا تكاسلنا وأركزنا على القطاع الخاص الإسرائيلي. وقعنا اتفاقيات حصرية لا مبرر اقتصادي لها، سواء بحصر العطاءات في شركة إسرائيلية واحدة، أو بتثبيت الأسعار شهرياً بينما تتذبذب يوميا في الأسواق العالمية. هذه الممارسات حوّلتنا من طرف سيادي إلى مجرد زبون كبير، يفقد أي قدرة على المساومة أو التنويع.
في خضم هذا الواقع، أنشئت الهيئة العامة للبترول كجهة منظمة لهذا القطاع، لكنها لم تكن أبداً جهة محايدة بالكامل. فهناك شراكة غير معلنة ولا خاضعة للتدقيق الكافي بين الهيئة وبعض الشركات الخاصة في مجالات النقل والتخزين والتوزيع. هذه الشراكة أفرزت وضعاً تتداخل فيه المصالح الخاصة مع المهام التنظيمية، وابتعدت عن مبادئ الشفافية والمنافسة. وقد يكون من دوافع قرار إنشاء الشركة الحكومية الجديدة هو كسر هذه الشراكة أو تجاوزها، لكن السؤال: هل استبدال احتكار خاص بآخر حكومي هو الحل الأمثل، أم أن الحل هو إصلاح الهيئة وتفعيل دورها الرقابي والتنظيمي، وفصل المصالح بشكل واضح؟
هذا القرار ليس الأول( من وجهة نظري الخاصة) من نوعه في الاقتصاد الفلسطيني،والذي اعتقد انه يقوم على مبدأ التجربة والخطأ. قبل أسابيع فقط، صرفت الحكومة 2000 شيكل جزئياً من الراتب لكل موظف. ذلك القرار الذي بدا في ظاهره تخفيف للأزمة وضمن الامكانات المتاحة، انتهى، كما يعرف ( وتوقع) كل اقتصادي، إلى نتائج عكسية: انخفاض التحصيل الضريبي (لأن الموظفين أنفقوا المبلغ على احتياجات أساسية لم تولد إيرادات ضريبية إضافية)، وتخلف عدد كبير من الموظفين عن سداد فواتير الخدمات الأساسية (كهرباء، ماء، هاتف) وأقساط القروض البنكية. هذا هو ما نعرفه في علم الاقتصاد بـ “الدورة العكسية” أو “مفارقة الادخار” في زمن الأزمات، حيث السياسات التي تهدف إلى تحفيز الطلب الكلي قد تؤدي، إذا لم تكن مدروسة بدقة من حيث حجم المضاعف المالي ومدى سيولة السوق، إلى نتائج معاكسة تماماً. قرار صرف 2000 شيكل اتخذ بسرعة، وبدا شعبويا في عدالته، لكنه أغفل دراسة الأثر الاقتصادي الكلي. الخوف أن يكون قرار إنشاء شركة المحروقات من ذات النمط: قرار متسرع، لم تسبقه دراسة جدوى اقتصادية عميقة. وهنا لا بد من التمييز بين دراسة الجدوى من منظور اقتصادي وآخر من منظور محاسبي، فالفارق شاسع: الاقتصادي يهتم بالتكلفة البديلة، والآثار التوزيعية على مختلف الشرائح، والعوائد الاجتماعية غير المباشرة، بينما المحاسبي يهتم فقط بموازنة الإيرادات والمصروفات المباشرة. فهل أجريت دراسة جدوى اقتصادية حقيقية للشركة الوطنية للمحروقات؟ ومن قام بها؟ وهل نُشرت أو ستُنشر؟ التجربة تقول إن معظم قراراتنا الاقتصادية الكبرى تفتقر إلى هذا المنظور الواسع.
في غياب دراسة جدوى واضحة، تبرز مخاوف مشروعة. أولا: كيف ستمول هذه الشركة؟ هل من الموازنة العامة التي تعاني أصلاً عجز مزمن وتأخر في الرواتب، أم من قروض، أم من شراكة مع القطاع الخاص؟ ثانيا: ما هي علاقتها بهيئة البترول؟ هل ستحل محلها أم تعمل بالتوازي؟ إن بقيت الهيئة منظمة والشركة مشغلة، فكيف سيُحسم تضارب المصالح حين تتنافس الشركة الحكومية مع شركات خاصة في النقل والتخزين والتوزيع؟ ثالثا: من سيراقب أداء الشركة؟ مجلس إدارة تعينه الحكومة أم جهة رقابية مستقلة أم المجلس التشريعي (الغير موجود أصلا)، ام مؤسسات رقابية لا تملك المعرفة والخبرة الكافية في هذا المجال؟ رابعا: ما هي ضمانات الشفافية في التعيينات والعقود والمشتريات؟ تجارب الدول المحيطة، أظهرت أن الخلط بين دور المنظم والمشغل يفضي إلى تضارب مصالح، وأن نجاح أي شركة حكومية يتوقف على استقلاليتها وشفافيتها. كما أن تجربة قطاع الإسمنت في فلسطين، حيث تحول إلى نموذج للريع تحت غطاء وطني، تثير المزيد من القلق. ولعل أكثر ما يخيف هو أن غياب الحوكمة الرشيدة يحول الشركة إلى آلة لاستنزاف المال العام وتوليد طبقة جديدة من المستفيدين، بدلاً من أن تكون أداة للتنمية.
هنا لا بد من استحضار آراء اقتصادية فلسطينية بارزة. فقد حذر الصديق الدكتور المرحوم سمير عبد الله، المدير السابق لمعهد أبحاث السياسات الاقتصادية (ماس)، في أكثر من دراسة منشورة من “الخلط بين دور المنظم والمشغل في قطاع الطاقة، لأنه يفضي إلى تضارب مصالح منهجي ويخلق كيان بيروقراطي يصعب محاسبته”. كما أشار الصديق الاقتصادي الكبير الدكتور نصر عبد الكريم في ورقة عمل له بعنوان “الشركات الحكومية في فلسطين: مراجعة نقدية” إلى أن “تجارب الدول العربية، ومنها فلسطين، أظهرت أن الشركات العامة غير الخاضعة للحوكمة الرشيدة والشفافية المالية والإدارية تتحول إلى عبء على الموازنة العامة، وتخلق نفوذ اقتصادي موازي للدولة يصعب التحكم فيه”. وفي مقال لاحد الكتاب الاقتصاديين الفلسطينيين تساءل: كيف لنا أن ننشئ شركة حكومية للمحروقات ونحن لم نتمكن بعد من تفعيل هيئة البترول كمنظم حيادي وكسر احتكار المستوردين؟ أليس الأجدى أن نصلح ما لدينا قبل أن نضيف طبقة جديدة من التعقيد؟
يبقى السؤال الأعمق: هل هذا القرار هو بداية خصخصة لقطاع المحروقات، أي أن الشركة الحكومية ستكون نواة لشركة وطنية كبرى تطرح لاحقاً للاكتتاب العام كما حدث في قطاع الاتصالات؟ أم أننا أمام بداية تأميم وتوسع حكومي في إدارة الاقتصاد، على نحو يتعارض مع روح المادة 21 من الدستور التي تؤسس للاقتصاد الحر وتجعل الشركات العامة استثناءً لا قاعدة؟ الدكتور محمد مصطفى، قبل ثلاثين عاماً، بنى قطاع الاتصالات على مبادئ السوق الحر والمنافسة والشراكة مع القطاع الخاص، فخرجت شركة ناجحة وشامخة لا تزال تضخ أرباحاً للمستثمرين حتى اليوم. اليوم، وهو يصادق على شركة حكومية للمحروقات، يبدو وكأنه يكتب فصل مختلف تماما في فكره الاقتصادي. هل تغيرت الظروف أم تغيرت القناعات؟ الإجابة على هذا السؤال تحتاج إلى شفافية من الحكومة، ونقاش مجتمعي واسع، وجرأة على الاعتراف بأن الاقتصاد لا يُدار بالتجربة والخطأ، ولا بالقرارات المتسرعة التي تفتقر إلى دراسة جدوى اقتصادية عميقة، بل بمنظور طويل الأجل يراعي خصوصية الاقتصاد الفلسطيني تحت الاحتلال وأيضاً مبادئ السوق الحر التي أقرها دستورنا. إلى ذلك الحين، سيبقى قرار إنشاء الشركة الوطنية للمحروقات معلق بين الأمل في تصحيح خلل تراكمي استمر لعقود، والخوف من أن نضيف طبقة بيروقراطية جديدة تعيد إنتاج الاحتكار ذاته، وإن تحت غطاء وطني.




