Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
منشورات وإصداراتمقالات

من يملك قرار قبول نقدك يملك قرار استمرارك

الرأي قبل شجاعة الشجعان هو أول وهي المحل الثاني

حين تصدر عملتك بنفسك يصبح النقد أداة سيادة، وحين تتعامل بعملة يصدرها غيرك يصبح النقد أداة بيد ذلك الغير. الفرق بين الحالين لا يظهر في سنوات الرخاء، وإنما في اللحظة التي يقرر فيها المصدر أن فائضك لا يعنيه. اقتصادنا بلغ تلك اللحظة منذ نحو بضع سنين، وللاسف لا يزال يعاملها كعطل فني يحتاج إلى جدول ترحيل أفضل، بينما هي رسالة سياسية مكتوبة بلغة النقد: من يملك قرار قبول العملة يملك قرار بقائك حيا ماليا، وهو لا يحتاج إلى حصار ولا إلى جنود ليفعل ذلك. نحاول في هذا المقال أن نقول إن الرد المناسب على رسالة كهذه ليس تحسين إدارة القيد، بل تقليل عدد المرات التي نحتاج فيها إلى إذن، وإن في أيدينا أدوات لذلك لم تجرب بعد، بعضها بيد الحكومة وبعضها بيد المصارف وبعضها بيد المواطن والتاجر حين نبيع ونشتري.
التبرير القديم للبقاء في حضن الشيكل كان نهر يتدفق المقاصة المتدفق من أجور عمالنا داخل الخط الأخضر. النهر نفسه جف، فقد انخفض عدد العمال حملة التصاريح من نحو 127 ألفا قبل الحرب إلى ما يقل عن 50 ألف في احسن تقدير، وتوقفت المقاصة كاملة منذ حزيران من العام الماضي. ومع ذلك بقيت خزائن البنوك ممتلئة، وهذا يكشف شيئا لم نقله بما يكفي: استعمال الشيكل عندنا أوسع بكثير من الحاجة الفعلية إليه. الحاجة الفعلية تقتصر على تسوية جزء من التجارة مع إسرائيل، أما الباقي فعادة وتسعير وعقود كتبت بالشيكل لأن أحدا لم يسأل لماذا. والعملة تؤدي ثلاث وظائف منفصلة، فهي وحدة للحساب ووسيلة للدفع ومخزن للقيمة، ومن الخطأ أن نعامل الثلاث كأنها كتلة واحدة لا تقبل التجزئة. يستطيع المجتمع أن يغير وحدة الحساب في معاملات كبيرة دون أن يمس وسيلة الدفع، وهو يفعل ذلك أصلا حين تسعر الأراضي والسيارات بالدولار وتسعر الإيجارات والأقساط الجامعية بالدينارورواتب بعض المؤسسات كالبلديات والاتصالات. فنحن مجتمع متعدد العملات في الممارسة، ومتحد العملة في السياسة.
وهناك خلط ثان يحتاج إلى تفكيك، فالمشكلتان القائمتان مختلفتان في طبيعتهما وإن اجتمعتا في العنوان. الأولى تكدس النقد الورقي في خزائن المصارف لأن المنفذ الوحيد للتخلص منه بيد بنك إسرائيل. والثانية احتمال انقطاع المراسلة المصرفية التي تعبر منها كل التحويلات الإلكترونية إلى إسرائيل وعبرها إلى العالم، وهي مؤجلة بإعفاء يوقعه وزير المالية الإسرائيلي ويمكنه ألا يجدده. الدفع الإلكتروني الذي تروج له الجهات الناظمة يعالج الأولى جزئيا، لأنه يوقف تضخم الورق، لكنه يزيد انكشافنا على الثانية، إذ يجعل كل دفعة تمر عبر الحساب نفسه الذي يمكن إغلاقه. من يقلل الورق ويزيد الاعتماد على قناة واحدة يخفف ألما ويرفع مخاطرة، ولهذا فإن أي خطة جادة تحتاج إلى مسارين: مسار يخفض كمية الشيكل التي تدخل الخزائن، ومسار يوسع عدد القنوات التي يمر منها المال.
في المسار الأول تملك الحكومة أقوى أداة وأقلها استعمالا، لأنها أكبر دافع وأكبر جاب في الاقتصاد. الرسوم والطوابع وبدلات الترخيص مقررة في القانون بالدينار الأردني، ومع ذلك تجبى بالشيكل عبر بوابة إلكترونية تحول المبلغ عند الدفع. هذا ليس قيد إسرائيلي ولا شرط دولي، بل قرار إداري يمكن عكسه بتعليمات تقبل الدفع بالدينار أو بما يعادله من حساب الدينار للمواطن. وفوق ذلك تستطيع الحكومة أن تصدر شهادات مديونية للقطاع الخاص عن متأخراتها، مقومة بالدينار وقابلة للاستعمال في سداد الضرائب والرسوم، وهي أداة جربتها دول كثيرة في أزمات السيولة، وتعطي المورد المدين لدى الحكومة وسيلة تحول دينه إلى قدرة دفع، وتعطي الحكومة وسيلة تسدد بها دون نقد. وللموظفين يمكن فتح خيار طوعي لتحويل نسبة من الراتب إلى حساب بالدينار مع بطاقة دفع، يبدأ بنسبة صغيرة ويقاس أثره. ومن يخشى أن يرفض الناس ذلك فلتختبره سلطة النقد في قطاع واحد، فالتجربة الصغيرة أرخص من الجدل الطويل.
أما المصارف فتملك أداة السعر. إذا كان النقد الورقي بالشيكل يكلف المصرف حراسة وتأمين ونقل ويجمد جزء من قدرته على التمويل، فمن المنطقي أن تظهر هذه الكلفة في سعر الإيداع الكبير نقدا، وأن يقابلها سعر أفضل لمن يودع ويتعامل بالدينار والدولار. هذا لا يمنع أحدا من الاحتفاظ بالشيكل، لكنه يرسل إشارة تغير سلوك التاجر الذي يختار اليوم الطريق الأسهل لأنه لا يدفع ثمنه. ويمكن لسلطة النقد أن تتفق مع المصرف المركزي الأردني على ترتيب مقاصة بالدينار للتجار الذين يستوردون من الخارج، فتتحول مدفوعاتهم من مسار يمر بحساب إسرائيلي إلى مسار يمر بعمان مباشرة. وفي هذا السياق تظهر العملة المستقرة بضمان الدينار الأردني، وهي في تكييفها القانوني أقرب إلى أداة دفع إلكترونية بالدينار تصدرها جهة مرخصة منها إلى إصدار عملة وطنية، ولا تحتاج إلى تغيير بروتوكول باريس لأنها لا تحل محل الشيكل بل تزاحمه. والدينار مربوط بالدولار منذ أكثر من ثلاثين سنة، وهو متداول قانونا في الضفة منذ عقود، وهذه حقيقة قانونية تغفلها سياساتنا.
وفي المسار الثاني، وهو توسيع القنوات، تأتي الطاقة والتجارة. الكهرباء التي نشتريها من إسرائيل تقتطع قيمتها من المقاصة قبل أن تصل إلينا، فتغيير عملة الفاتورة وحده لن يكفي، والحل الأبعد أثرا هو تقليل الفاتورة ذاتها بالطاقة الشمسية الموزعة على الأسطح وعلى الأراضي الزراعية، وبتوسيع الربط الكهربائي مع الأردن. كل كيلوواط ننتجه أو نشتريه من غير الشيكل ينقص طلبا مستمرا على هذه العملة. وفي التجارة، حين تذهب 96 بالمئة من صادراتنا إلى زبون واحد، يصبح التنويع سياسة نقدية لا تجارية فقط، لأن كل سوق جديد يعني إيرادا بعملة غير الشيكل وطلبا أقل على المراسلة الإسرائيلية. خطوط تمويل التجارة عبر المصارف الأردنية، وضمانات للصادرات إلى الأردن ومصر والخليج وتركيا، أدوات متاحة ولا تحتاج موافقة أحد. وللمانحين دور لم نطلبه منهم: أن يصرفوا جزءا من دعمهم في حسابات بالدولار والدينار لا أن يحولوه إلى شيكل عبر البنوك الإسرائيلية، فالمال الذي يقال إنه جاء لإنقاذنا يمر اليوم من البوابة التي يراد لنا الخروج منها.
وتسمع في المقابل ثلاثة اعتراضات تستحق جوابا. الاعتراض الأول أن الاقتصاد لا يستطيع الاستغناء عن الشيكل، وهذا صحيح بالنسبة إلى جزء من المبادلات، لكن المطروح تقليل الجزء الذي يمكن الاستغناء عنه وليس إلغاء الشيكل، والفرق بين الأمرين هو الفرق بين تنويع المحفظة وبين الخروج منها. الاعتراض الثاني أن إسرائيل سترد بمزيد من العقوبات، والجواب أن الاقتطاعات والاحتجاز وقطع المراسلة بدأت أصلا دون أن نقدم لها ذريعة، وأن بنك إسرائيل نفسه، بحسب ما نشر، طلب من سلطة النقد الاستعداد لخطة بديلة، فالطرف الآخر يخطط لهذا السيناريو بينما نتجنب نحن مجرد ذكره. والاعتراض الثالث تحذره التجربة اللبنانية، حيث انتهى الاعتماد غير المنظم على الدولار إلى انكشاف المصارف على عملة لا تملك طبعها وإلى ودائع علقت. هذه حجة قوية، وهي بالتحديد سبب أن تكون الخطوات تدريجية ومرخصة ومقيدة بسقوف واحتياطات كاملة، لا اعتمادا عشوائيا. وفي التجارب الدولية ما يطمئن ويحذر معا. روسيا نقلت جزءا كبيرا من تسوياتها التجارية إلى الروبل واليوان بعد عقوبات 2022 ولم تنهر، وكوسوفو والجبل الأسود تستعملان اليورو من طرف واحد دون اتفاق مع البنك المركزي الأوروبي منذ مطلع الألفية، وزيمبابوي أنهت تضخمها بتعدد العملات عام 2009 ثم دفعت ثمن غياب المؤسسات. الدرس المشترك أن الدولة التي تحافظ على مرونة اختيار عملتها تتحمل العقوبات أفضل ممن لا خيار لديه.
أما المواطن فليس متفرج في هذه المعادلة. يستطيع أن يطلب تسعير الأصول الكبيرة بالدينار أو الدولار، وأن يحتفظ بمدخراته بعملة مربوطة لا بعملة تتغير قيمتها مع قرار سياسي أو مع صدمة في تل أبيب، وأن يطالب بالدفع بالدينار حيث ينص القانون على الدينار، وأن يسأل مصرفه لماذا يدفع عمولة على تحويل لا يحتاجه. التاجر يستطيع أن يضع سعرين في المحال التي تتعامل مع المستوردين من خارج إسرائيل. هذه ليست مقاطعة ولا ردا على أحد، بل إدارة طبيعية لمخاطر عملة لا نصدرها. وعلى واضع السياسة أن يفهم أن العقوبات والإجراءات الإسرائيلية ليست قدرا ينتظر الامتثال، بل بيئة تفرض اختيار أدوات تقلل أثرها: تنويع القنوات، وتقليل عدد الجهات التي يمر منها كل شيكل، وتجربة صغيرة مقيسة قبل الحكم باستحالة أي فكرة. من يصر على أن هذا غير ممكن فليبدأ بتجربة في محافظة واحدة ولستة أشهر، ومؤشراتها ثلاثة: عمولات التحويل المدفوعة، وحجم النقد المتكدس، وحصة المعاملات التي تمت دون المرور بالشيكل. وإن فشلت فكلفتها محدودة وسنعرف أين الحاجز.
نحن نحب الحياة ما استطعنا إليها سبيلا، ولذلك برع الفلسطينيون منذ الاحتلال البريطاني وما بعده في فتح الثغرات للحياة لا للاستسلام، ويحق لهم أن يطلبوا من مؤسساتهم أن تحمل معهم مسؤولية التحرر من التبعية لا أن تتولى تمتين القيد. المؤسسة التي تنظم استعمال عملة غيرها دون خطة للخروج منها تصبح بحكم الواقع حارسا لقوانين ذلك الغير وأنظمته الضريبية، ودرعا يمنع حملة هويته من التهرب منها. لا يمكن أن نبني سياساتنا المالية والنقدية على طرف يعاقبك بدل أن يشكرك على استعمال عملته، ومن يريد لمؤسساتنا أن تبقى مؤتمنة على هذا الاقتصاد عليه أن يطلب منها خطة بمواعيد وأرقام تحدد كم من اقتصادنا يجب أن يخرج من يد الغير في كل سنة.

دكتور طارق عاشور

أستاذ زائر للاقتصاد في جامعة بيرزيت، وباحث اقتصادي في معهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي. متخصص في سياسات المالية العامة والاقتصاد الكلي، وله أبحاث منشورة تركز على تحليل التحديات الهيكلية للاقتصاد الفلسطيني، بما في ذلك السياسات المالية، وأسواق العمل، وأثر الاحتلال على الأداء الاقتصادي والتنمية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى