هل كان جيروم باول على حق !

بعد سلسلة من البيانات التي أشارت إلى تراجع الضغوط السعرية، جاء اليوم تقرير مؤشر أسعار المستهلكين لشهر نيسان 2026 كصدمة عنيفة للأسواق المالية. فقد سجل الرقم القياسي العام ارتفاعاً سنوياً بنسبة 3.8%، وهو أعلى مستوى له منذ أيار 2023، متجاوز توقعات المحللين التي كانت تشير إلى 3.7%، ومقارنة بـ 3.3% في آذار الماضي. والأكثر قلقاً هو التضخم الأساسي الذي استبعد أسعار الغذاء والطاقة، إذ سجل 2.8%، متفوقاً على التوقعات البالغة 2.7%، وهي قرينة تؤكد أن المشكلة بدأت تتجذر في بنية الاقتصاد الأمريكي ولا تقتصر فقط على العوامل الموسمية.
المحرك الأساسي لهذه القفزة هو صدمة الطاقة غير المسبوقة. فقد ارتفع مؤشر الطاقة بنسبة 3.8% في شهر واحد فقط، مدفوعاً بقفزة هائلة في أسعار البنزين التي زادت 5.4% خلال نيسان لترتفع بذلك 28.4% على أساس سنوي. ويمثل هذا الارتفاع أكثر من 40% من الزيادة الشهرية الإجمالية في الأسعار، ويعود سببه المباشر إلى استمرار إغلاق مضيق هرمز. لم تقتصر التداعيات على الوقود فقط، بل امتدت لترفع تكاليف النقل وبالتالي أسعار المواد الغذائية الطازجة التي ارتفعت 2.3%، في أكبر زيادة شهرية لها منذ أكثر من 16 عاماً، وكذلك تذاكر الطيران التي قفزت 20.7% سنوياً.
هذا التحول المفاجئ في مسار التضخم أعاد تشكيل توقعات السياسة النقدية بشكل جذري. فقبل بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، كانت الأسواق تتوقع خفضين للفائدة خلال عام 2026، لكن هذه التوقعات تلاشت تماماً. باتت الأسواق الآن ترجح وباحتمالات كبيرة تثبيت الفائدة عند مستواها الحالي بين 3.5% و3.75% خلال الاجتماع المقرر منتصف حزيران، مع تحول حديث المخاطر نحو احتمالية الرفع، وإن كانت لا تزال أقل من 50%. وقد سارعت كبريات المؤسسات المالية كبنك أوف أمريكا وجولدمان ساكس إلى تعديل توقعاتها، حيث يتوقع الأول الآن عدم وجود أي تخفيض للفائدة حتى عام 2027.
وعلى وقع هذه البيانات، عادت الأسواق المالية لتتخبط في حالة من القلق الواضح بددت المكاسب الأخيرة. فقد فتحت مؤشرات ناسداك وS&P500 منخفضة بشكل حاد مما يعكس خيبة أمل المستثمرين. ومع ذلك، لا يبدو أننا أمام تكرار لسيناريو السبعينيات من الركود التضخمي كما يخشى البعض، وذلك لأن أسعار النفط ارتفعت لأسباب جيوسياسية، إلا أن سوق العمل يظهر تباطؤاً حقيقياً لا يمكن تجاهله، وهو ما حد من انهيار المؤشرات وفتح الباب أمام سيناريو أكثر تعقيداً. الاقتصاد كما نراه اليوم يعاني من عقدة لا تحسد عليها تتمثل في تآكل مكتسبات الأجور الحقيقية، حيث انخفض متوسط الأجر بالساعة بعد تعديله حسب التضخم إلى المنطقة السالبة لأول مرة منذ نيسان 2023، مما يعني أن القدرة الشرائية للأمريكيين تتراجع حتى مع نمو رواتبهم الاسمية.
في هذا المشهد المتأزم، يفرض السؤال نفسه حول قدرة إدارة ترامب على السيطرة على الغلاء. الواقع أن السياسات الاقتصادية المتبعة تشكل جانب كبير من المشكلة وليس الحل. فرسوم ترامب الجمركية الواسعة، التي يصفها بنفسه بأنها أداة لحماية الصناعة الأمريكية، تتحول تدريجياً إلى ضريبة خفية يدفعها المواطن الأمريكي. فقد توصل باحثو بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس مؤخراً إلى حقيقة مفادها أن هذه الرسوم قد وصلت الآن إلى مرحلة النقل الكامل إلى المستهلكين، حيث لم تعد الشركات قادرة على استيعابها، مما يضيف ما يقارب نقطة مئوية كاملة إلى التضخم الأساسي.
أما فيما يخص جيروم باول، فيبدو أن إصراره على عدم خفض الفائدة كان بمثابة النظرة الثاقبة وسط عاصفة من الضغوط السياسية والإعلامية. فبينما كان ترامب يلح ويهدد علناً مطالباً بتخفيض أسعار الفائدة لتلبية احتياجات السوق والحفاظ على الزخم الاقتصادي، تمسك باول برؤيته المستقلة القائمة على أن مهمة الاحتياطي الفيدرالي الأساسية هي استقرار الأسعار قبل كل شيء. هذا القرار جعله يتعرض لانتقادات لاذعة، لكن البيانات التي بين أيدينا اليوم تؤكد أنه كان على حق، إذ أن خفض الفائدة وسط هذا الارتفاع الحاد في الأسعار كان سيعادل صب الزيت على النار، ويدمر مصداقية البنك المركزي، ويؤدي إلى فقدان السيطرة على التضخم. يبقى السؤال الأكبر: هل ستتمكن إدارة ترامب من كبح جماح الأسعار دون التخلي عن سياستها الجمركية؟ الأيام القريبة يبدو انها كفيلة بالإجابة.




