Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
منشورات وإصداراتمقالات

قراءة في الازمة المالية الفلسطينية

تصريح وزير المالية اليوم حول المرحلة المقبلة وما ستشهده من إجراءات مالية “قاسية وغير مسبوقة”، بدءاً من تقليصات كبيرة وصولا إلى خطط لزيادة الإيرادات المحلية، مع اعترافه بصعوبة التنبؤ بالأوضاع خلال الأشهر القادمة، هو تصريح يعكس حجم الازمة التي تعصف بالمالية العامة. لكن قبل الخوض في تفاصيل ما يمكن فعله اتمنى ان تعذروني على الاطالة، لأن موضوع بهذه الدرجة من التعقيد والخطورة لا يمكن اختزاله ببضع سطور، فالكل يدرك أننا أمام أزمة عاصفة، ولا يملك أحد عصا سحرية لحلها، لكن ما يمكن تقديمه هو مقترحات تستند إلى تجارب دولية موثقة وأدبيات صندوق النقد والبنك الدوليين، بهدف تحويل الأزمة إلى فرصة لإصلاح هيكلي حقيقي.
ومع وجود رغبه وقرار وطني بالإصلاح وإعادة الهيكله والانتقال إلى مستويات اعلى من الإنتاج وإعادة دراسة سلم الرواتب والعقود وانسجامه مع معدلات الإنفاق ومراقبة الأسواق والتدخل في ضبط ومراجعة تكاليف الخدمات والبضائع وضمن الأولويات ، فالبداية يجب أن تكون من إدارة الرواتب، فوجود إدارة عامة للرواتب يعني أن المنطق المالي والإداري يحتم أن تعمل هذه الإدارة على مدار الشهر، من اليوم الأول، لتقدير الإيرادات المتوقعة، وحصر مصادر التمويل، وتحديد حجم العجز قبل أسبوع الصرف بأيام، لا أن نترك الأمور للشائعات والجلبة الشهرية المعهودة التي تتحول إلى مباراة ضغوط وتصريحات اعلاميين او هواة او متطوعيين وكلها توتر الموظف والشارع وتسمح للاشاعات والتأويلات بان تنتشر. هذا التحول في ثقافة العمل الإداري ليس ترف، بل هو أول خطوات الشفافية المالية التي تطالب بها المؤسسات الدولية.
من حيث أولويات الموازنة، فإن الخطأ الأكبر الذي يقع فيه الحديث عن التقليصات هو التركيز على النفقات الجارية والمصاريف التشغيلية رغم أهميتها، مع إغفال تضخم فاتورة الرواتب التي تشكل النسبة الأكبر من الإنفاق الجاري. ففي حين أن النفقات الجارية يمكن تقليصها بنسب محدودة، فإن فاتورة الرواتب تحتاج إلى إصلاح هيكلي حقيقي، لأنها ليست مجرد نفقات يمكن خفضها بقرار، بل هي بنية وظيفية كاملة بحاجة إلى إعادة هندسة. وقد وصلنا إلى نقطة “نكون أو لا نكون”، ما يستدعي إجراءات جريئة غير مسبوقة.
من هذه الإجراءات، ما يمكن استخلاصه من تجارب الإصلاح الهيكلي في الأردن ومصر، حيث ركزت برامج صندوق النقد الدولي على إعادة هيكلة الأجور والمتقاعدين كمدخل أساسي للاستدامة. وفي الحالة الفلسطينية التي تفتقر إلى خيارات التخصيص أو بيع أصول عامة كبيرة، يصبح إصلاح فاتورة الرواتب هو المدخل الحتمي. وهنا لا بد من السؤال بمنتهى المنطق: هل يصح أن يتجاوز عدد من يحملون لقب “مدير عام فما فوق” -ضمن كادر الخدمة المدنيه او المؤسسات العامه المستقله- المئة، دون مسميات وظيفية محددة وواضحة، وفي الوقت نفسه تُعقد مسابقات خارجية لملء شواغر جديدة؟ هذا التناقض يعكس حجم الهدر في البنية الوظيفية، ويضعنا أمام تساؤل صعب حول جدية المعالجة الهيكلية.
أما الأفكار الإبداعية التي يمكن طرحها للتعامل مع هذه الفاتورة، فهي متعددة. فمع وجود تقليص في أيام الدوام الرسمي، وتكيف الوزارات مع هذا الواقع، وفي المقابل ضغط متزايد على قطاعي الصحة والتعليم، فلماذا لا يتم تفعيل آلية التدوير الوظيفي الإجباري، بحيث يتم نقل موظفين من الوزارات ذات الأولوية الأقل إلى هذين القطاعين الحيويين، بما يضمن استمرارية الخدمات دون حاجة إلى تعيينات جديدة تزيد العبء على الموازنة؟ كذلك، وبما أن قانون الخدمه المدنيه يمنع ازدواجية العمل الحكومي سوى بموافقة مسبقه وضمن شروط محدده، فلماذا لا يتم التعامل مع الموظفين الحكوميين الذين يعملون بوظائف دائمة في القطاع الخاص بفرض ضريبة 50% على رواتبهم في القطاع الخاص، أو إحالتهم على التقاعد إذا كانوا مزاولين عمل دائم خارج الجهاز الحكومي؟ ولماذا لا تتم إحالة الموظفين الموجودين في إجازات تتجاوز السنة، أو الذين أمضوا أكثر من ثلاثة أشهر خارج البلاد دون مبرر وظيفي، على التقاعد الإجباري
او إنهاء الخدمه لمن يخالف القانون المعمول به….؟
من جهة اخرى هنالك ملف البعثات الدبلوماسية، الذي يحتاج إلى مراجعة جذرية، فليس من المنطقي أن نحافظ على هذا العدد من البعثات والموظفين في ظل شح الموارد، خصوصاً مع وجود تكنولوجيا تختصر المسافات وتقلل الحاجة إلى التمثيل المادي المكلف. ومن غير المقبول أن تبقى هذه البعثات بعيدة عن أي مساءلة مالية في وقت تتحدث الحكومة عن تقليصات غير مسبوقة.
الأهم من ذلك كله هو وضع برنامج تقييم لمعادلة صرف الرواتب، فلا يصح أن يتساوى مدير عام او موظف يداوم يومياً في مكان عمله مع آخر يداوم يومين فقط في الأسبوع، أو موظف يقدم إنتاجية واضحة مع آخر يقضي وقته في العمل الإداري الروتيني. الأمر ليس صعباً إذا ما تم الاعتماد على نظام نقاط يقيس الحضور الفعلي، والإنتاجية، والالتزام الوظيفي، وهو ما طبقته العديد من الدول في برامجها الإصلاحية.
وفي سياق الإيرادات، هناك قضية لا تقل خطورة، تتعلق بكيفية التعامل مع تحصيلات ضريبة القيمة المضافة من أكبر شركتين في الوطن، الكهرباء والاتصالات. فمن الطبيعي أن تذهب هذه التحصيلات إلى خزينة الدولة، لكن ما يحدث هو أنها تستخدم في مقاصة مباشرة مع مصروفات حكومية، وهو ما يخلق التباس بين الإيرادات والنفقات، ويحرم الموازنة من رؤية واضحة لحجم الإيرادات الفعلية. بالتزامن مع ذلك، لا تزال هناك ممارسات مالية غير مفهومة في ظل شح الموارد، مثل حصول كل مدير فاعلى على فاتورة جوال خاصة، أو وجود فاتورة كهرباء غير محدودة الاستهلاك في الوزارات والمؤسسات الرسمية. وهل هناك فعلاً ترشيد في نفقات الوقود للمؤسسات الحكومية، أم أن البعض لا يزال يتعامل مع المال العام وكأنه مال خاص؟ وفي هذا السياق، لا بد من التوقف عند مشهد تغيير أثاث بعض الوزراء في ذروة الأزمة، فكيف يمكن لموظف بسيط أن يتفهم ضرورة الصبر والتقشف، بينما يرى أن من يطالبونه بالصبر يقومون بتغيير أثاث مكاتبهم وكأن شيئاً لم يكن؟
أما مسألة دمج المؤسسات والهيئات، فهي خطوة ضرورية لكنها غير كافية إذا لم تصاحبها حزمة تقاعد حقيقية. فدمج المؤسسات دون تقاعد الفائض عن الحاجة يعني أننا فقط نعيد ترتيب الكراسي في الغرفة نفسها، دون أن نقلل من العدد الحقيقي للموظفين أو من كلفة الرواتب. وكثيراً ما يتم تقديم الدمج وكأنه إنجاز إداري، بينما تأثيره الفعلي على الموازنة يبقى باهت لأننا ندور حول المشكلة ولا نحلها.
وفيما يتعلق بالإيرادات، فإن إنشاء هيئة إيرادات متخصصة كما ورد في توصيات مشروع البنك الدولي يجب أن يكون أولوية، خصوصاً أن يدعى مناطق “C” تشكل بيئة خصبة للتهرب الضريبي، والسوق الإسرائيلية المفتوحة تتيح بدائل ضريبية غير خاضعة للسيطرة. ومن الإجراءات الجريئة التي يمكن تبنيها، محاكاة القرار الإسرائيلي بفرض ضريبة 50% على أرباح البنوك للعام الماضي، بحجة أن هذه الأرباح جاءت نتيجة قرارات عالمية برفع الفائدة وليس نشاط مصرفي حقيقي. فهل ستقدم حكومتنا على إجراء مماثل، أم أن أرباح البنوك في فلسطين ستظل بمنأى عن أي مساس رغم أنها تستفيد من السيولة الحكومية وتعاملات المال العام؟
وفي خضم كل هذه التفاصيل، لا بد من استحضار السياق الأوسع. فالخصومات الإسرائيلية الشهرية من إيرادات المقاصة، والتي تشمل مبالغ تُخصم من رواتب كل موظف حكومي ومعلم في الداخل المحتل، تمثل استنزاف منهجي للمالية العامة، وكأن الاحتلال يشارك في تحديد حجم الرواتب التي ندفعها. في المقابل، هناك تصريحات صريحة من وزراء الحكومة الاسرائيلية بمطالبات إنهاء الكيانية الفلسطينية، ما يعني أن التعامل مع المال العام يجب أن يكون بحزم استثنائي وكأننا في حالة طوارئ دائمة، مع ضرورة أن تراعي الإجراءات المشاعر العامة، فلا يعقل أن يرى الموظف البسيط تغييراً لأثاث المكاتب الوزارية في ذروة الأزمة، وهو ما يضرب أي مبرر للتقشف في الصميم.
لكن ما يبقى جوهريا في أي خطة إصلاحية هو ضرورة أن تكون قابلة للقياس، وهو ما أكدته تجارب صندوق النقد الدولي في مصر والأردن. فلا يكفي أن يقول وزير المالية والتخطيط….
إن هناك خطة لخفض النفقات أو زيادة الإيرادات، من دون أن تترافق هذه الخطة بمخرجات كمية واضحة. نحن بحاجة إلى مؤشرات رقمية نستطيع تتبعها، مثل تخفيض النفقات بمقدار 100 مليون شيقل شهرياً، أو زيادة الإيرادات المحلية بمقدار 50 مليون شيقل شهرياً. هذا هو مستوى الشفافية المطلوب، وهذا هو المعيار الذي يمكن من خلاله الحكم على جدية الإجراءات ومدى قدرتها على تجاوز المرحلة الحرجة التي تمر بها المالية العامة.
في الختام، الأزمة المالية الحالية ليست مجرد أزمة سيولة عابرة، بل هي اختبار حقيقي لقدرة المؤسسة الوطنية وحاملي المشروع الوطني على الصمود. والإصلاحات الهيكلية، رغم قسوتها، تبقى أقل ضرر من استمرار حالة الانهيار التدريجي. المطلوب اليوم هو شجاعة في اتخاذ القرارات، ووضوح في طرحها، وشفافية في تنفيذها، مع إدراك أن الهدف النهائي هو الحفاظ على المشروع الوطني، لا مجرد تجاوز أزمة شهرية.

دكتور طارق عاشور

أستاذ زائر للاقتصاد في جامعة بيرزيت، وباحث اقتصادي في معهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي. متخصص في سياسات المالية العامة والاقتصاد الكلي، وله أبحاث منشورة تركز على تحليل التحديات الهيكلية للاقتصاد الفلسطيني، بما في ذلك السياسات المالية، وأسواق العمل، وأثر الاحتلال على الأداء الاقتصادي والتنمية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى