Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
منشورات وإصداراتمقالات

المشاركة الفلسطينية في المنتديات التقدمية الدولية: بين توسيع الحضور وإعادة تموضع القضية في خطاب العدالة العالمية

د. راسم بشارات – دكتوراه في دراسات غرب آسيا ومختص في الشأن اللاتيني

انطلقت في برشلونة خلال يومي 17–18 أبريل 2026 أعمال مؤتمر التعبئة التقدمية العالمية، في حدث يحمل أبعادا سياسية تتجاوز طابعه التنظيمي، إذ جاء برعاية رئيس الوزراء الإسباني  بيدرو سانشيز وبمشاركة ستيفان لوفين، رئيس وزراء السويد السابق وأحد أبرز رموز الديمقراطية الاجتماعية في أوروبا. هذا الحضور يعكس محاولة أوروبية لإعادة تموضع التيار التقدمي على الساحة الدولية.

ويكشف حجم المشاركة، الذي تجاوز أربعة آلاف مشارك من نحو أربعين دولة، عن مسعى لتشكيل كتلة سياسية عابرة للقارات، بمشاركة قادة دول مثل الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا، ورؤساء جنوب أفريقيا والمكسيك وكولومبيا، إلى جانب وزراء ونخب سياسية من أوروبا ومناطق أخرى. كما أن تنظيم المؤتمر من قبل الاشتراكية الدولية والتحالف التقدمي العالمي وهيئات حزبية أوروبية، يشير إلى تنسيق مؤسسي يسعى لإعادة إحياء العمل التقدمي المشترك.

على الصعيد الفلسطيني، برزت مشاركة حركة فتح بوفد برئاسة د. محمد شتية، وجبهة النضال الشعبي الفلسطيني بوفد ترأسه أحمد مجدلاني، إلى جانب حضور أحمد الطيبي وسمير بن سعيد ممثلين عن الحركة العربية للتغيير داخل إسرائيل، وهو ما يعكس محاولة لإدراج الصوت الفلسطيني ضمن شبكات التأثير التقدمية الدولية.

ويمكن القول بأن هذا المؤتمر يندرج ضمن تحركات متصاعدة للتيارات التقدمية عالميا، المرتبطة بشبكات مثل التحالف التقدمي العالمي والاشتراكية الدولية، والتي تسعى إلى بناء خطاب بديل يجمع بين العدالة الاجتماعية والديمقراطية العابرة للحدود.

ولا يمكن فصل انعقاد المؤتمر عن المناخ السياسي الدولي، حيث يأتي كجزء من رد فعل منظم على سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وصعود اليمين الشعبوي، المرتبط بشخصيات مثل ترامب، إذ يتم النظر إليه كمحاولة لتشكيل جبهة فكرية وسياسية مضادة لسياسات تعتبرها هذه القوى أحادية ومتصلبة في القضايا الدولية.

أهداف المؤتمر وسياقاته وتحولاته

يمكن القول بأن مؤتمر “التعبئة التقدمية العالمية” هو عبارة عن محاولة مركبة لإعادة بناء التيار التقدمي على أسس أكثر تماسكا وفعالية، تتجاوز الطابع الحواري إلى السعي لتأسيس بنية تنسيق عابرة للحدود. ففي جوهره، يهدف المؤتمر إلى تجميع القوى المتقاربة فكريا ضمن إطار قادر على العمل ككتلة سياسية دولية، بدل استمرار حالة التشتت التي حدت سابقا من تأثير هذا التيار في القضايا العالمية.

يندرج هذا التوجه ضمن استجابة مباشرة لتحولات المشهد السياسي الدولي، وعلى رأسها صعود التيارات القومية والشعبوية، المرتبطة بشخصيات مثل دونالد ترامب، والتي فرضت تحديا بنيويا على الخطاب التقدمي. إذ تسعى القوى المنظمة، ومن بينها التحالف التقدمي العالمي، إلى تطوير خطاب بديل أكثر قدرة على استيعاب التحولات الاجتماعية والاقتصادية، واستعادة ثقة الجمهور بالمؤسسات الديمقراطية.

في موازاة ذلك، يعكس المؤتمر إدراكا متزايدا بحدوث تغيرات في بنية النظام الدولي، حيث يتراجع نمط الهيمنة الأحادية لصالح تعددية أكثر تعقيدا. هذا التحول يدفع نحو إعادة تشكيل شبكات التعاون الدولي، من خلال توسيع دائرة الشراكات لتشمل أوروبا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا وآسيا، بما يعزز من حضور الفاعلين التقدميين في مختلف الأقاليم.

على مستوى الدوافع، لا يمكن فصل انعقاد المؤتمر عن تراكم الأزمات العالمية، سواء المرتبطة بسياسات الرئيس دونالد ترامب او بالتغير المناخي أو اتساع الفجوات الاقتصادية أو تصاعد النزاعات. هذه التحديات العابرة للحدود أظهرت محدودية الحلول التقليدية، وفرضت الحاجة إلى تنسيق دولي أكثر شمولا، قادر على إنتاج مقاربات مشتركة تتجاوز الأطر الوطنية الضيقة.

وفي هذا السياق، تتجه طموحات المنظمين نحو تحويل هذا الحراك من مستوى التنسيق النظري إلى مستوى الفعل السياسي المؤثر، عبر بناء تحالف دولي قادر على التأثير في السياسات وصنع القرار. ويشمل ذلك العمل على ترجمة الأفكار التقدمية إلى برامج قابلة للتطبيق، تعالج القضايا الاقتصادية والاجتماعية بشكل عملي، وتعزز من مصداقية هذا التيار في المجالين الداخلي والدولي.

كما يبرز توجه واضح نحو دعم الحضور الانتخابي للأحزاب التقدمية، من خلال خلق حالة من الترابط الدولي الذي ينعكس على الأداء السياسي المحلي. ويوازي ذلك سعي فكري لإعادة تعريف العولمة، بحيث لا تبقى محكومة بالنموذج النيوليبرالي، بل تتم اعادة صياغتها ضمن رؤية أكثر توازنا بين الانفتاح الاقتصادي ومتطلبات العدالة الاجتماعية.

في الوقت ذاته، يحتل ملف حقوق الإنسان والديمقراطية موقعا محوريا، في ظل ما ينظر إليه كتراجع في المعايير الديمقراطية عالميا، بينما تطرح قضايا الهجرة واللجوء كاختبار لقدرة الدول على التوفيق بين الالتزامات الإنسانية والضغوط الداخلية. وعلى المستوى الاقتصادي، تتصاعد الدعوات لإصلاح النظام العالمي بما يحد من اختلالاته الهيكلية، خاصة في العلاقة بين الشمال والجنوب.

وأخيرا، يعاد تعريف مفهوم السلام والأمن الدولي ضمن مقاربة شاملة، لا تقتصر على غياب النزاعات المسلحة، بل تمتد لتشمل الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. وهو ما يعكس تحولا في فهم طبيعة التهديدات، باعتبارها ناتجة عن تداخل عوامل متعددة، تتطلب استجابة منسقة تتجاوز الأدوات التقليدية.

 

أجندات المؤتمر

تعكس المحاور المطروحة في المؤتمر محاولة لصياغة أجندة شاملة تتعامل مع الأزمات البنيوية التي يواجهها العالم، حيث تتصدر قضايا العدالة الاجتماعية وتقليص الفجوة الاقتصادية النقاشات، في ظل اتساع التفاوت بين الطبقات والدول. هذا التركيز لا يأتي بمعزل عن إدراك متزايد داخل الأوساط التقدمية بأن غياب العدالة الاقتصادية كان أحد العوامل التي غذت صعود التيارات الشعبوية، وهو ما يفرض إعادة النظر في نماذج توزيع الثروة.

بالتوازي، يحتل ملف التغير المناخي موقعا مركزيا، ليس فقط كقضية بيئية، بل كأحد التحديات السياسية والاقتصادية الكبرى التي تتطلب تنسيقا دوليا. وتدفع قوى مثل التحالف التقدمي العالمي نحو تبني سياسات بيئية أكثر طموحا، تربط بين الاستدامة والتنمية، في محاولة لتجاوز المقاربات التقليدية التي غالبا ما عالجت هذه القضية بشكل جزئي.

كما يبرز محور حقوق الإنسان والديمقراطية كعنصر أساسي في الخطاب المطروح، في ظل ما ينظر إليه كتراجع في المعايير الديمقراطية في عدد من الدول. ويتم طرح هذا الملف باعتباره جزءا من معركة أوسع لإعادة تثبيت القيم الليبرالية والاجتماعية في مواجهة الضغوط السياسية المتزايدة.

في السياق ذاته، تفرض قضايا الهجرة واللجوء نفسها بقوة على جدول الأعمال، بوصفها إحدى أكثر القضايا إثارة للجدل على المستويين السياسي والمجتمعي. ويعكس تناولها داخل المؤتمر محاولة لإيجاد توازن بين الاعتبارات الإنسانية والضغوط الداخلية التي تواجهها الدول المستقبلة.

أما على المستوى الاقتصادي العالمي، فتبرز دعوات لإصلاح النظام القائم، الذي ينظر إليه على أنه يكرس اختلالات هيكلية بين الشمال والجنوب. هذه الطروحات تتقاطع مع رؤى تقدمية تسعى إلى إعادة تنظيم قواعد الاقتصاد الدولي بما يحقق قدرا أكبر من العدالة.

وأخيرا، يحضر ملف السلام والأمن الدولي كإطار جامع لهذه القضايا، حيث يتم ربطه ليس فقط بالنزاعات المسلحة، بل أيضا بالاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. ويعكس ذلك توجها نحو مقاربة شاملة ترى أن الأمن لم يعد مسألة عسكرية بحتة، بل نتيجة تفاعل معقد بين عدة عوامل مترابطة.

المشاركة الفلسطينية وأهميتها على القضية الفلسطينية

متابعة حضور القضية الفلسطينية في المؤتمرات التقدمية الدولية تظهر أنها لم تعد تطرح كملف سياسي معزول، بل كجزء من سردية أوسع ترتبط بمنظومة حقوق الإنسان والعدالة العالمية. هذا التحول يعكس توجها لدى قوى مرتبطة بشبكات مثل التحالف التقدمي العالمي نحو إعادة تأطير القضية ضمن مقاربة كونية، حيث يتم التعامل معها بوصفها حالة من حالات عدم المساواة والصراع على الحقوق، وليس فقط نزاعا جيوسياسي تقليدي. وفي هذا السياق، يستمر تبني حل الدولتين كمرجعية سياسية شبه مستقرة، ليس بالضرورة لكونه حلا نهائيا متفق عليه، بل باعتباره نقطة توازن داخل طيف سياسي متنوع يسعى إلى الحفاظ على حد أدنى من الإجماع.

غير أن هذا الإدماج ضمن الخطاب العالمي لا يخلو من تعقيدات، إذ يبرز البعد الحقوقي كمدخل رئيسي لتناول القضية، خاصة في السياقات الأوروبية، حيث يتم التركيز على أوضاع الفلسطينيين من زاوية قانونية وإنسانية. ومع ذلك، تكشف طبيعة النقاشات عن تفاوت واضح في المواقف، سواء في مستوى النقد الموجه للسياسات الإسرائيلية أو في آليات التعاطي مع الصراع، وهو ما يعكس حدود التوافق داخل التيار التقدمي نفسه، ويشير إلى أن القضية الفلسطينية لا تزال تخضع لحسابات سياسية متعددة.

في المحصلة، يمكن قراءة هذا التحول بوصفه محاولة لإعادة تموضع القضية الفلسطينية ضمن إطار العدالة العالمية، بما يمنحها بعدا أوسع وقدرة أكبر على الحضور في النقاشات الدولية. إلا أن هذا التوسع يضعها أيضا ضمن منظومة أولويات مزدحمة، حيث تتقاطع مع قضايا كبرى مثل المناخ والهجرة وعدم المساواة، ما قد يحد من مركزيتها في بعض الأحيان.

ضمن هذا السياق، تكتسب المشاركة الفلسطينية في هذه المؤتمرات أهمية تتجاوز البعد الرمزي، إذ تتحول إلى أداة سياسية لإعادة إدراج القضية في الأجندات الدولية. فالحضور في منصات عابرة للحدود يتيح نقل الرواية الفلسطينية إلى جمهور سياسي وفكري أوسع، ويساهم في كسر احتكار بعض السرديات داخل الفضاء الدولي.

كما يعكس هذا الانخراط سعيا لبناء تحالفات مع قوى سياسية تتقاطع في الرؤى، وهو ما قد يترجم تدريجيا إلى مواقف داعمة داخل المؤسسات الدولية. هذا النمط من العمل يشير إلى تحول في أدوات التأثير، من الاعتماد الحصري على القنوات الدبلوماسية التقليدية إلى الاستثمار في الشبكات السياسية والفكرية العابرة للدول.

علاوة على ذلك، فإن إدماج القضية الفلسطينية ضمن الخطاب التقدمي العالمي يعكس توجها استراتيجيا لربطها بقضايا أوسع مثل العدالة الاجتماعية ومناهضة الهيمنة، وهو ما يمنحها بعدا تفسيريا جديدا داخل النقاشات الدولية. هذا الربط لا يهدف فقط إلى تعزيز التعاطف، بل إلى إعادة تعريف موقع القضية ضمن منظومة قيمية مشتركة، تسعى القوى التقدمية إلى ترسيخها.

في موازاة ذلك، تسهم المشاركة الرسمية في تعزيز الحضور الدبلوماسي الفلسطيني داخل دوائر التأثير، بما يعكس محاولة لترسيخ شرعية التمثيل السياسي في فضاءات تتشكل فيها اتجاهات الرأي وصنع القرار. وفي هذا الإطار، تكتسب مشاركة شخصيات مثل أحمد مجدلاني وأحمد الطيبي دلالة خاصة، إذ تعكس سعيا لنقل الصوت الفلسطيني والعربي إلى داخل هذه الشبكات، والانخراط في مسارات قد تسهم، على المدى البعيد، في إعادة تشكيل المواقف الدولية تجاه القضية الفلسطينية.

الخلاصة

بشكل عام، يبدو المؤتمر أقرب إلى كونه منصة سياسية وفكرية ذات طابع استراتيجي، أكثر من كونه إطارا تنفيذيا مباشرا لإنتاج سياسات ملزمة. فهو يوفر مساحة لتبادل الرؤى وبناء التوافقات بين قوى متقاربة فكريا، في محاولة لإعادة صياغة موقع التيار التقدمي ضمن معادلات القوة الدولية، خاصة في مواجهة صعود اليمين. ومع ذلك، ورغم حضور قضايا دولية متعددة، ومن بينها القضية الفلسطينية، فإنها تطرح ضمن سياق أوسع، وليس بوصفها المحور المركزي للنقاش.

كما يمكن قراءة المؤتمر باعتباره تتويجا لمسار تراكمي من الحوارات والتنسيقات الدولية، قادته شخصيات مثل بيدرو سانشيز وستيفان لوفين، وبدعم من قيادات دولية بارزة مثل لولا دا سيلفا، إلى جانب أطر تنظيمية منها الاشتراكية الدولية والتحالف التقدمي العالمي. هذا التراكم يعكس سعيا لتأسيس بنية تعاون مستدامة بين هذه القوى، تتجاوز الطابع الموسمي للمؤتمرات.

في جوهره، يستهدف المؤتمر جمع القادة والمفكرين التقدميين ضمن مساحة تنسيقية تسمح بتبادل الخبرات ومناقشة التحديات العالمية، مع التركيز على تعزيز التعاون السياسي والفكري. غير أن أهميته لا تكمن فقط في مخرجاته المباشرة، بل في قدرته على بناء شبكات تأثير قد تنعكس لاحقا على السياسات والمواقف الدولية.

ضمن هذا الإطار، لا تبدو المشاركة الفلسطينية مجرد حضور رمزي، بل فرصة لتعزيز التواجد داخل دوائر التأثير التقدمية، ومحاولة التأثير في مواقف هذه القوى تجاه القضية الفلسطينية. وعليه، يمكن اعتبار المؤتمر ليس مجرد لقاء فكري عابر، بل محطة ضمن مسار أوسع لإعادة تشكيل التحالفات والخطابات على المستوى الدولي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى