عندما يتحرك الخليج تهتز الأسواق

بعد اعوام من متابعة تحولات الأسواق المالية، يمكننا القول أن الخريطة القديمة للمخاطر لم تعد صالحة. الأسواق التي كانت ترتعب من ارتفاع التضخم التقليدي الناتج عن زيادة الطلب أو ارتفاع الأجور، تجد نفسها اليوم أمام وحش جديد اسمه تضخم الجغرافيا السياسية. إنه ذاك النوع الذي لا يظهر فجأة من تقارير البنوك المركزية، بل من خرائط المضائق البحرية وتحالفات القوى الكبرى.
ولنأخذ مضيق هرمز كمثال حي. الحديث عن إغلاقه لم يعد مجرد سيناريو للضغط على أسعار النفط، بل تحول إلى عدوى سريعة تنتقل إلى كامل الاقتصاد العالمي. آلية الانتقال لم تعد سرية: النفط يرتفع، ثم يقفز الشحن، ثم تشتعل أسعار التأمين البحري، لتنتقل العدوى إلى الأسمدة والبتروكيماويات، ثم تضرب سلة الغذاء مباشرة. في اللحظة التي يبدأ فيها المستهلك بالشعور بالضغط، يبدأ بالانكماش، وهنا تبدأ الدائرة المفرغة.
برنت خام عاد فوق مئة دولار، لكن الرقم بحد ذاته ليس الكارثة. الكارثة تكمن في مدة بقاء الأزمة. كل يوم إضافي يتحول فيه المضيق إلى خط أحمر يعني أن الصدمة تتحول من إرتفاع مؤقت لفاتورة الطاقة إلى موجة تضخم هيكلية تعيد تشكيل سلوك الشركات والأفراد. الأسواق للأسف لا تزال تتعامل مع أي خبر تهدئة وكأنه عصا سحرية تعيد الأمور إلى ما قبل الأزمة. هذا حكم قاصر.
الأخطر في المشهد ليس خام برنت نفسه، بل ما يسمى بالمنتجات الوسيطة: النافثا وغاز البترول المسال LPG. أي اضطراب طويل في إمدادات هذين المنتجين عبر هرمز يعني ارتفاع تكاليف الصناعة التحويلية، وضغط حاد على القطاع الزراعي الذي يعتمد على الأسمدة، ثم موجة تضخم غذائي عالمية جديدة. هي معادلة بسيطة لكن تنفيذها على الأرض قاس وخصوصا للدول الفقيرة.
حتى شركات الشحن العملاقة التي نادراً ما ترفع الصوت بدأت تدق ناقوس الخطر بأرقام صريحة. ميرسك أعلنت أن الحرب رفعت تكاليف الوقود بنحو نصف مليار دولار شهريا. هاباغ-لويد الألمانية تتحدث عن ستين مليون دولار أسبوعيا. وهذه ليست أرقاماً محاسبية جافة، بل إشارات مبكرة إلى ما سيحدث للاقتصاد العالمي خلال الأشهر القادمة: الشركات ستمرر التكاليف، ثم يضعف الطلب، ثم تبدأ أزمة الهوامش والأرباح، ثم تعود الأسواق لاكتشاف حجم المخاطرة دفعة واحدة.
انعكاسات هذا السيناريو على الاقتصاد الإقليمي والمحلي ستكون قاسية ومتعددة الطبقات.
أولاً، ستشهد الدول العربية المستوردة للطاقة مثل مصر والأردن ولبنان قفزة حادة في فواتير الاستيراد، مما يضغط على ميزان المدفوعات ويُضعف العملات المحلية ويزيد أعباء الديون الخارجية.
ثانياً، حتى الدول الخليجية المصدرة للنفط لن تسلم من التداعيات؛ فبينما قد تجد إيرادات نفطية إضافية مؤقتة، سترتفع تكاليف مشاريعها البنية والمواد الأولية والغذاء المستورد، مما يخلق تضخم مستورد يلتهم جزء كبير من الريع النفطي.
ثالثاً، على المستوى المحلي للمستهلك العادي، سيبدأ الانكماش: تأجيل شراء السلع المعمرة، تراجع الطلب على السيارات والعقارات، ثم بدء موجة تسريحات غير مباشرة في قطاعات السياحة والنقل والخدمات.
الحكومات ستجد نفسها أمام معضلة حقيقية: إما دعم الوقود والغذاء لامتصاص الغضب الشعبي، أو خفض الدعم للحفاظ على الميزانيات، وكلا الخيارين مؤلم. والخطر الأكبر أن البنوك المركزية المحلية ستضطر إلى رفع أسعار الفائدة لحماية عملاتها، مما يقتل أي أمل في انتعاش اقتصادي قريب. باختصار، ما بدأ كأزمة في مضيق هرمز سينتهي كأزمة معيشية في كل بيت.




