الحصار المالي وصل إلى غرف العمليات

ما يهدد النظام الصحي في فلسطين اليوم لا يأتي من قصف ولا من وباء، بل من دفتر الحسابات. القطاع الذي يفترض أن يكون آخر ما تمسه الأزمات أضحى أول من يدفع ثمن خلل في بنية الإيرادات، حتى بات وصف انهياره تقريرا لواقع لا تحذيرا فقط. فالدين الخارجي المتراكم على وزارة الصحة والمقدر بنحو 2.6 مليار شيكل يوازي موازنتها السنوية البالغة 2.89 مليار شيكل؛ بمعنى أن الالتزامات المتأخرة وحدها تلتهم سنة مالية كاملة، ولا منظومة خدمات تصمد على هذا النحو. الدين على وزارة الصحة يتوزع بين المستشفيات الخاصة المستقبِلة للحالات المحولة، وشركات الدواء. مستحقات الموردين وحدهم تتجاوز مليارا و350 مليون شيكل، بعد أن تعهدت الحكومة بدفع 30 مليون شيكل شهريا ثم تعثرت حتى لم يصلهم في النصف الأول من 2026 سوى نصف دفعة. عمليا، بقي 260 صنفا من أصل 1260 صنفا تشتريه الوزارة، فيما نفد رصيد أكثر من ثلث قائمة الأدوية الأساسية، ومنها أدوية السرطان والكلى. الخلل يبدأ قبل الصيدلية، عند بوابة الإيرادات. أموال المقاصة تشكل ثلثي إيرادات الخزينة تقريبا، وتتحكم الحكومة الإسرائيلية بتدفقها: تقتطع الكهرباء والمياه وقرارات المحاكم الجائرة تلقائيا، ووصلت إلى نقطة عدم تحويل أي شيكل نهائيا. ويضاف إلى ذلك عبء نحو 22 مليار شيكل تدخل السوق سنويا دون قناة خروج، فتتكدس في خزائن البنوك بكلفة تخزين وتأمين، وتضغط على السيولة اللازمة لتمويل التجارة. هكذا يُخنق الإيراد من جهة، وتجمد السيولة من جهة أخرى، فيبقى للقطاع الاجتماعي الفتات. في هذه البيئة يقف الكادر الطبي. الأطباء والممرضون يتقاضون نصف رواتبهم أو أقل، فدخلوا إضرابا منذ مطلع أيار اقتصرت معه خدمات المستشفيات على المنقذ للحياة. الإضراب طال المستشفيات والعيادات ومراكز الرعاية الأولية، ورفع العمليات المؤجلة إلى أكثر من 11 ألف عملية، ومع تقليص دوام موظفي الحكومة صار النظام يعمل بطاقة جزئية دائمة. التحويلات الطبية تمثل البند الأثقل والأكثر هشاشة. ففي 2024 جرت 96 ألف إحالة بكلفة قاربت 960 مليون شيكل، كثير منها إلى مستشفيي المقاصد والمطلع في القدس اللذين يتطلب الوصول إليهما تصريحا صار من الصعب الحصول عليه هذه الأيام، بينما يتركز فيهما علاج الكلى والسرطان. وقد اضطر الاتحاد الأوروبي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى توقيع اتفاقية بخمسة ملايين يورو لتثبيت هذين المستشفيين ماليا وتوسيع وحدتي الكلى والأورام. وعلى الأرض، تعمل بعض هذه المستشفيات على المكشوف وتخفض رواتب موظفيها، ويُطلب من المرضى تمويل جزء من مستلزمات عملياتهم. يضاف إلى ذلك أكثر من ألف حاجز يرفع كلفة التنقل العلاجي. المخرج يقتضي ثلاثة مسارات متشابكة- رغم أنها لا تغني عن الحق الأساس بمنع التغول الإسرائيلي على أموال الشعب الفلسطيني التي يتم جبايتها نيابة عنه –، وأول هذه المسارات إسعافي لكنه يحتاج هندسة مالية لا مجرد تبرعات. فبدل انتظار سداد متعثر، يستطيع المانحون ضمان متأخرات الموردين لدى البنوك بحيث يتم خصم فواتيرهم ويواصلون التوريد رغم عدم الدفع، فتكسر حلقة شح السيولة فورا. وأبعد من ذلك فكرة قابلة للتطبيق: حساب ضامن تديره النرويج بصفتها رئيسة لجنة الارتباط أو يديره البنك الدولي، تُودع فيه عائدات المقاصة وتُحرر لبنود محمية كالرواتب والدواء، وهو ترتيب له سابقة حين احتجزت الضرائب ثم أُفرج عنها عبر طرف ثالث. ويمكن كذلك تحويل جزء من الدين عبر مقايضة الدين بالصحة، حيث يسدد المانحون متأخرات مقابل التزامات إصلاح في القطاع. المسار الثاني بنيوي وإنتاجي، وعموده الصناعة الدوائية المحلية التي تغطي نحو 60% من حاجة السوق بحجم يتراوح بين 100 و120 مليون دولار سنويا؛ وهي خط الدفاع الأول ضد المقاصة، لأن كل صنف يُصنّع داخليا لا يمر بالقناة الخاضعة للضريبة الإسرائيلية. وتفعيلها يكون عبر التزام شراء مسبق على غرار نماذج اللقاحات: تضمن الحكومة والمانحون شراء كميات محددة سلفا من المصانع الستة، فتؤمّن لها رأس مال عامل لاستيراد المواد الأولية وتوسيع خطوطها. ويُستثمر في الوقت نفسه ما يتيحه بروتوكول باريس عبر قوائمه؛ إذ تتيح القائمتان A1 وA2 استيراد ما يُنتج في الأردن ومصر والدول العربية والإسلامية بكميات تُقدّر وفق حاجة السوق الفلسطينية وبمواصفات فلسطينية، ما يسمح بتسجيل الأدوية المجازة أردنيا ومصريا مباشرة، والشراء المُجمّع مع الأردن للاستفادة من أسعاره التفاوضية. ويُكمَّل ذلك بفكرتين تربطان أزمات متعددة بحل واحد: توطين تصنيع المستهلكات البسيطة كالخيوط الجراحية لسد نقصها المتكرر، وتوجيه جزء من فائض الشيكل المعطل، بإشراف سلطة النقد، إلى ائتمان منتج يموّل رأس مال المصانع والمستشفيات، فيتحول عبء التخزين إلى أداة تمويل. المسار الثالث ضغط مؤسسي مُركّز. لجنة الارتباط الخاصة، التي ترأسها النرويج ويقوم البنك الدولي بأمانتها وتضم الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد وإسرائيل والأردن ومصر، هي الطاولة الأنسب لأن إسرائيل تجلس عليها وتقاريرها تكتبها مؤسسات مالية وازنة؛ والمطلوب إدراج أرضية صحية محمية في المقاصة لا تُحتجز مهما اشتد الخلاف السياسي. ويُضاف تخصيص شريحة صحية مُعجّلة من برنامج الاتحاد الأوروبي متعدد السنوات الذي يصل إلى 1.6 مليار يورو، وإحياء شبكة الأمان العربية الخاملة عبر البنك الإسلامي للتنمية وصندوق النقد العربي، والبناء على رأي محكمة العدل الدولية لعام 2024 لتقديم الإفراج عن الأموال بوصفه واجبا قانونيا لا منّة. يبقى أن ما يجري ليس تعثرا إداريا عابرا، بل هندسة مالية تُحوّل التمويل إلى أداة ضغط. ولأن السلاح محاسبي، فإن الإغاثة المتقطعة لن توقف النزف؛ المطلوب قرار سياسي واقتصادي يعيد للقطاع إيراداته قبل أن يصبح التحذير محضرا لكارثة وقعت.




