Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
منشورات وإصداراتمقالات

قراءة اقتصادية في اتفاق واشنطن وطهران

ما يجري بين واشنطن وطهران ليس نهاية حرب بقدر ما هو اعادة هندسة للبنية المالية للخليج، وهي الزاوية التي يغفلها من يقرا مذكرة التفاهم بوصفها وثيقة سلام. اليوم على هامش قمة السبع في ايفيان قال رئيس الوزراء الكندي مارك كارني لشبكة CNN ان الاتفاق تجاوز توقعاته، وانه مصمم باحكام، ويرسي ارضية لاعادة دمج اقتصادات المنطقة. هذا هو الاتفاق المرئي الذي يحتفل به الزعماء. لكن مما يتسرب من تصريحات ثمة اتفاقا ثانيا لا يصرح به احد: صفقة مالية تجند فائض الخليج لتحويل مدخراته الدولارية الى انفاق اقليمي. والدليل الحي على وجوده ذلك التناقض اللافت: ترامب نفى في القمة وجود صندوق الثلاثمئة مليار وقال انه لن يضع فيه عشرة سنتات، بينما اكد نائبه فانس قبل يومين ان طهران قد تناله ما دامت ملتزمة. حين ينفي الرئيس ما يثبته نائبه، فالصمت هو السياسة.
ولان الاحتفال يغري بالتسرع، يحسن الاصغاء الى من يقرا المشهد ببرود. ايان بريمر، مؤسس مجموعة يوراسيا لتحليل المخاطر، وصف الحرب بالكارثة وباكبر اخفاق لسياسة ترامب الخارجية لانها لم تحسم النووي ولا الصواريخ ولا الوكلاء، وان كان فتح هرمز افضل المتاح. وكريم سجادبور من معهد كارنيغي يسميها هزيمة استراتيجية في ثوب نصر، ويسال ان كانت واشنطن تفاوض من قوة ام ضعف. حتى بن غفير اعلن ان الاتفاق لا يلزم بلاده. اذا كان هذا حجم التحفظ السياسي، فطمانينة الاسواق مفرطة.
على المدى القصير المشهد المالي مريح وخادع. تبخرت علاوة الحرب من النفط فهوى برنت من نحو مئة وست وعشرين دولارا الى ما دون الثمانين. خفض غولدمان ساكس تقديره للربع الاخير الى ثمانين من تسعين، ومورغان ستانلي الى تسعين من مئة، بعد ان قدما جدول عودة الامدادات الى نهاية تموز. لكن غولدمان ابقى المخاطر ثنائية الاتجاه: لو عاد هرمز الى الاضطراب لتجاوز برنت مئة وثلاثين، وابقى ارضية امنية تحت السعر. ومذكرة التفاهم ليست معاهدة، ولم تعلن بنودها رسميا بعد؛ بل هدد ترامب في ايفيان بالعودة الى القصف ان لم يعجبه النص ووصفه بانه غير نهائي. اي ان السوق لم يلغ علاوة الحرب بل باعها رخيصة، وكتب خيارا مكشوفا على نزاع لم يغلق. واول قناة لانتقال الاثر الى الاقتصاد الكلي ليست مضخة الوقود بل مسار الفيدرالي: صدمة النفط اخرت اول خفض للفائدة من حزيران الى ايلول، والانفراج يعيد فتح باب خفض الفائدة ببطء.
اما على المدى الطويل فالسؤال: من يمول ثلاثمئة مليار؟ لا جيوب تتسع لها سوى صناديق الخليج السيادية التي تدير بين اربعة وستة تريليونات. والمفارقة الاولى ان تقديرات اعمار ايران قد تتجاوز مئة مليار، فالصندوق المقترح يبلغ نحو ثلاثة اضعاف الحاجة الفعلية: ليس اعمارا بل اداة نفوذ استثماري فائضة عن كلفة الترميم. والمفارقة الثانية ان هذه الصناديق مجهدة قبل ان تدعى للدفع. خفض البنك الدولي نمو الخليج هذا العام من 4.14 الى 1.3 %، ويرى صندوق النقد انكماشا في البحرين والكويت وقطر، وخفض جي بي مورغان نمو القطاع غير النفطي في الامارات بنحو نقطتين وثلث. دين البحرين تجاوز 152% من ناتجها، وسعر التعادل المالي للسعودية شاملا صندوقها يناهز 113 دولارا، في حين ثبت برنت عند ثمانين. ثلاثة وثلاثون دولارا تحت التعادل تعني عجزا يسد بالدين او بالسحب من الصندوق، وتنافسا مباشرا بين فاتورة الخصم ومشاريع كنيوم الذي قلص اصلا. هذا ليس تدوير فائض بل سحب من الرصيد.
وهنا الثمن الذي لا يدفع في طهران بل في نيويورك. ضخت صناديق الخليج العام الماضي نحو مئة وعشرين مليارا جلها في الاصول الامريكية. وسمت ريبيكا باترسون من مجلس العلاقات الخارجية هذا الخطر بانه ما لا تنتبه اليه وول ستريت: كل دولار يحول الى اعمار ايران، او الى الدفاع عن ربط العملات، او الى ترميم بنى الخليج، دولار لا يشتري سندات خزانة ولا اسهم تقنية. ويخلص تحليل لمؤسسة ساساكاوا الى ان تراجعا مستمرا في مشتريات الخليج للاصول الامريكية يقوض تمويل الخزانة واسس هيمنة الدولار. فالصفقة التي تخفض النفط وتروض التضخم قد تشد، عبر حساب راس المال، خناق السيولة الدولارية التي تمول عجز واشنطن القياسي. ذلك هو التاكل الصامت للبترودولار، لا الضربة الصاخبة التي يتخيلها من يعد رسوم هرمز باليوان.
النسخة الصاخبة هي اطروحة دويتشه بنك عن بداية البترويوان، التي ردتها فرانكلين تمبلتون بوصفها مفرطة في التبسيط. اما النسخة الصامتة فاخطر: ان يضطر حراس الدولار الى الانفاق في الداخل. وحصة الدولار في الاحتياطيات تراجعت من فوق سبعين بالمئة عام الف وتسعمئة وتسعة وتسعين الى نحو النصف. والصين، التي وضعتها يوراسيا في صدارة الفائزين بمعركة الطاقة، تكسب من الباب الخلفي: امن طاقتها يتعافى، وراس مالها يجد في الاعمار مدخلا، واليوان يجد في خليج مضطر لترشيد دولاره ارضا خصبة، ووزير الخزانة بيسنت يرد بخطوط مبادلة دولارية يثبت بها النفوذ. انها حرب عملات تدار بالسيولة لا بالسلاح.
وفي الخلفية معمارية جديدة: فرنسا وبريطانيا تتوليان بحسب بيان السبع تامين هرمز وازالة الالغام، وباكستان تحول وساطتها الى مكاسب كاستثمار سعودي مرتقب في مصفاة غوادر، وتركيا توسع حضورها عبر رباعية مع السعودية ومصر وباكستان واتفاق تجارة حرة مع مجلس التعاون. وهنا تحديدا يجدر بنا نحن في فلسطين ان ننتبه: نموذج الصندوق الخاص المشروط بالامتثال السياسي، اذا نجح في طهران، يصبح قالبا جاهزا لما قد يطرح لاعمار غزة، فيتحول الاعمار من حق الى رافعة تفاوض.
خلاصة الامر ان البرميل ارخص اليوم، وان الدولار قد يكون الخاسر غدا. صفق القادة للاتفاق المرئي، اما غير المرئي فلن يحاكم يوم التوقيع في سويسرا ان تم، بل بعد سنين، حين نعرف ان كان الخليج ما زال يكتتب في عجز واشنطن بالدولار، ام احتبس راس ماله في الداخل وبدا يسعر فواتيره بعملة اخرى. ذلك هو الرهان الحقيقي، وكل ما عداه ضجيج منصة.

دكتور طارق عاشور

أستاذ زائر للاقتصاد في جامعة بيرزيت، وباحث اقتصادي في معهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي. متخصص في سياسات المالية العامة والاقتصاد الكلي، وله أبحاث منشورة تركز على تحليل التحديات الهيكلية للاقتصاد الفلسطيني، بما في ذلك السياسات المالية، وأسواق العمل، وأثر الاحتلال على الأداء الاقتصادي والتنمية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى