Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
منشورات وإصداراتمقالات

حتى لا يتحول العجز الى موقف رسمي

عندما يعين مسؤول على راس اي قطاع، فان توقع المواطن منه، وفق ابسط المفاهيم الاقتصادية، هو زيادة الرفاهية، او على الاقل حمايتها من التآكل. لكن حين يصل هذا المسؤول الى نقطة يشعر فيها بالعجز الكامل عن تقديم اي حل لمشكلة يواجهها الناس، فالمهنية تقتضي التنحي، او على الاقل ان يوفر على الناس كلفة استمراره في موقعه بامتيازاته ومستشاروه.
هذا المعيار البسيط مدخل مناسب لقراءة مشهدنا الفلسطيني الحالي، حيث تصر حكومة الاحتلال المتطرفة على هدم ما ترسخ من مؤسسات دولة فلسطين، تلك المؤسسات التي تثبت ان الفلسطينيين شعب تحت احتلال، وليسوا شعبا بلا كيان كحال شعوب اخرى مثل الاكراد. والفارق اليوم ان اسرائيل لم تعد تكتفي بهذا الهدف كحلم قديم، بل باتت تعلنه وتتفاخر بخطواته: بنكان اسرائيليان ابلغا مصارفنا الفلسطينية بنيتهما وقف خدمات المراسلة المصرفية على مرحلتين، الاولى في اب المقبل والثانية في ايلول.
وما يثير الاستغراب هو تعامل مؤسساتنا الرسمية وغير الرسمية مع هذا القرار وكانه مفاجاة نزلت فجاة. فالبنك الدولي نفسه حذر في تقرير له في ايار 2026 من ان الغموض المحيط بعلاقات المراسلة يمثل خطرا نظاميا وشيكا على القطاع المالي الفلسطيني. وشخصيا انجزت قبل اكثر من عام دراسة تناولت هذا السيناريو بالتفصيل لصالح معهد ابحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني (ماس)، بتكليف من جمعية البنوك في فلسطين. اي ان الاشارات كانت واضحة منذ زمن، وما تغير هو استعداد الطرف الاسرائيلي للانتقال من التهديد الى التنفيذ المعلن.
سأقتصر في هذا المقال على محورين: الاول خطاب المسؤولين الماليين والاقتصاديين، الرسميين منهم والقطاع الخاص، وسباقهم على المؤتمرات والورش كفرسان يثيرون الغبار في ساحة معركة لم يخوضوها بعد. والثاني هل انتهت فعلا خيارات الارض ولم يبق امامنا سوى الانهيار، ام ان المشكلة تكمن في تفكير نمطي عاجز عن الخروج من الصندوق، عكسته تعيينات لطالما شكا الناس من ضعف كفاءتها.
المحور الاول: خطاب يثير الغبار
في مداخلة لاحد مدراء احد اكبر المصارف العاملة في فلسطين، جرى التاكيد على اهمية الحفاظ على علاقات المراسلة مع البنوك الاسرائيلية. والمفارقة ان هذا البنك بعينه كان في منتصف التسعينيات، عند عودته للعمل في فلسطين، من اشد المصارف اعتراضا على مبدا المراسلة اصلا، معتبرا نفسه اكبر من ان يخضع لسقف بنك اسرائيلي مراسل تقل اصوله عن اصول احد فروعه في دول اخرى، قبل ان يقبل الامر تحت الضغط. فتحول الرفض بمرور الزمن الى تمسك بعلاقة غير متكافئة. والحقيقة الفنية البسيطة التي يتجاهلها هذا الخطاب هي ان اي بنك في العالم يستطيع التعامل مع اي عملة تصدرها بنوك مركزية معترف بها، وان البنك المراسل اداة لتسهيل الحركة المالية لا سقفا لها. فاذا تخلى بنك مراسل في اي دولة عن التعامل مع مصرف ما، لا ينهار هذا المصرف، خصوصا ان المصارف الفلسطينية ملتزمة اصلا بالبروتوكولات الدولية لمكافحة غسل الاموال، فلا خشية من وصمها بتمويل الارهاب.
ومن المؤسف كذلك ان يستخدم بعض كبار المسؤولين في حديثهم عن فلسطين مسمى المناطق الفلسطينية بدل دولة فلسطين، رغم اعتراف الامم المتحدة بهذه الدولة واحتفال الفلسطينيين انفسهم بموجات الاعتراف الدولي بها. فالصراع على التسمية ليس تفصيلا لغويا هامشيا، بل جبهة قائمة بذاتها منذ عقود، وقد رصد ذلك عبد الوهاب المسيري حين لاحظ ان الطرف الاسرائيلي دأب على تسمية الفلسطينيين سكان المناطق نفيا لوجود فلسطين والفلسطينيين في قاموسه. فان كان خطابنا الرسمي يطلق على انفسنا المناطق، فكيف ننتظر من العالم ان يعاملنا كدولة؟
ولكل مقام مقال، كما يقول المثل، ويوجد فرق شاسع بين الخطاب الموجه للخارج وذاك الموجه للداخل. والمستغرب هنا ان يكون الخطاب الموجه للمواطن الفلسطيني كارثيا مستسلما محبطا، بدل ان يحمل قدرا من الامل وشحذ الهمة. أليس من واجب من يتصدر المشهد ان يرفع الروح المعنوية للناس بدل ان يزيد ثقل اليأس على اكتافهم؟
المحور الثاني: هل انتهت فعلا خيارات الارض؟
بروتوكول باريس، الذي يقيد الاقتصاد الفلسطيني منذ 1994، لا يمنع استيراد الوقود من الاردن ومصر، ويكتفي بربط سعر البنزين بسقف لا يتجاوز 15% عن سعره في اسرائيل، بينما لا يخضع السولار والكاز والغاز لقيد مماثل. اي ان هامش القرار موجود، لكنه هامش لم يستثمر: لم تفكر اي مؤسسة اقتصادية وطنية حتى اليوم في الاستثمار بلوجستيات توريد بديلة، سواء بمناطق تخزين في العقبة او الاغوار، او بشركات نقل، او حتى بمصفاة انتاج تنتج مواصفات تسمح بدخول السوق الفلسطينية.
أليس هذا بالتحديد الدور الذي وجد من اجله صندوق الاستثمار الفلسطيني، الذي تأسس عام 2003 بهدف معلن هو تعزيز اقتصاد وطني قوي ومستقل كاحد ركائز الدولة الفلسطينية المستقبلية؟ لكن نسبة كبيرة من استثمارات الصندوق ظلت مركزة في الاعمار السكني الراقي، وهو ما يراه كثيرون منافسة غير عادلة للقطاع الخاص اكثر منه دورا سياديا استراتيجيا. صندوق يفترض ان يفكر بمنطق سيادي استراتيجي، لا كوكيل بيع اسمنت او راع لمشاريع الطاقة النظيفة، وهو قادر لو اراد على التخفيف من اثار الحصار المالي الدولي على فلسطين، عبر تفعيل التعاون بين المستثمر الفلسطيني في الخارج ونظيره في الداخل، على اساس القرار الفلسطيني المستقل والمربح للطرفين. وينطبق المنطق نفسه على سلع اساسية اخرى كالاسمنت والطحين واللحوم والكهرباء والمواد الغذائية.
وحتى في بند البترول وحده، يملك صانع القرار الفلسطيني حرية تسعير السولار والغاز وتحديد ضريبة الوقود، وبامكان من يحسن استخدام هذا الهامش تخفيض حصة المقاصة من هذا البند بشكل ملموس.
اما القول ان قطع العلاقة سيعني موت الفلسطينيين اقتصاديا فمبالغة تستحق المساءلة: بروتوكول باريس نفسه يسمح باستيراد كل الاحتياجات من الاردن ومصر، حتى الوقود بمواصفات معينة، ويمكن الاستثمار في مصفاة تصدير مخصصة لفلسطين. وربما كان قطع العلاقة، رغم قسوته الآنية، فرصة لانتزاع شوكة غرست في الذراع منذ عقود، بدل استمرار الالم المزمن.
وبالطبع كل هذا لا ينفي وجود اجراءات ممكنة في المدى القصير لتخفيف اثار الحصار، لكن مناقشتها تحتاج مشورة الخبراء المختصين لا الاجتماعات العامة التي تنتج رايا عاما دون اجراءات فعلية. فحين يمرض احدهم، مهما خطر مرضه، يستشير طبيبا مختصا او فريقا من الاستشاريين، ولا يجمع اهل الحارة في ديوانه لمناقشة اثر المرض على جسده. وفلسطين، على الرغم مما يشاع، لا تنقصها الكفاءات، بل ينقصها التواصل الجاد مع اصحاب الراي في القضايا المصيرية، ومن ابسطها اخذ راي عام مستنير بدل تركها لتقدير المسؤول المعجب برايه، وجعل حياة الناس حقل تجارب متكررا. فحين اعلن مثلا تهميش دور هيئة البترول لصالح انشاء شركة بديلة، هل استندت الخطوة الى دراسة جدوى معلنة توضح اهميتها وتوقيتها؟ فان كان هذا هو الخيار الاصوب، فليقنعنا صناع القرار به، تمهيدا لتعميمه ربما على قطاع الاتصالات والبورصة، او لاعادة تأسيس بنك حكومي.
وفي الشأن النقدي، يستسلم الجهاز المصرفي لمشكلة تكدس الشيكل ويرفض استقباله، حتى ان احد البنوك رفض اصدار شيكات بالشيكل لعملاء من الفئة الائتمانية الممتازة، بحجة تعليمات سلطة النقد التي يبقى صحة نسبتها اليها موضع شك. والبنك ذاته يحجز على كامل رواتب موظفين رغم ان القانون يحصر الحجز تحت أي ظرف بما يتجاوز ربع الراتب ، ويكتفي المستشار القانوني للبنك بابلاغ صاحب الحق ان يلجأ للمحكمة، في عز عطلة قضائية، وان يعيش بلا راتب حتى انتهائها، على قاعدة ان الخطأ بحقه اهون من خطأ يحاسب عليه احد. وللتذكير قبل سنوات فقط، كان جزء لا يستهان به من الموظفين يقبضون رواتبهم نقدا ( من الشنطة)، دون ان يقلقهم تكدس شيكل او غيره، وعليه اذا استسلم القطاع المصرفي لازمة الشيكل واصبح بلا حول ولا قوة، فماذا يمنع الفلسطيني الموظف والتاجر والقطاع الخاص بالعودة الى اسلوب الشنطة – طبعا للعلم عدد كبير من القطاعات الاقتصادية بدأت ذلك مجبرة تحت ضغط رفض البنود ايداع الشيكل).
واذا كانت المصارف الاسرائيلية ترفض استقبال الشيكل بالقنوات الرسمية، فالكثير من التجار الفلسطينيين لهم علاقات اقتصادية مباشرة مع نظرائهم الاسرائيليين ممن يقبلون الشيكل نقدا، وتجمعات اقتصادية اخرى تقبله بهامش ربح لا يتجاوز كلفة التخزين والتامين وفرصة تعطل استخدامه. فان كان هذا خيار الجانب الاسرائيلي الرسمي، يبقى التجار من الجانبين قادرين على ابقاء التدفق قائما، فالفلسطيني، عبر تاريخه، لم يعجز يوما عن ابتداع وسائل للبقاء.
ثم كيف يمكن اقناع الموظف الفلسطيني بنعيم يبوس وخمسمائة شيكل، وهو يرى من يقرر مصيره المالي يجدد ديكور مكتبه واثاثه وسيارته؟ ومثال وليس للحصر احدى الوزارات جددت قبل اشهر قليلة حماميين بكلفة تجاوزت ثمانين الف شيكل، هذا اضافة الى أن بند التعيينات الاستشارية وبند التوظيف بعقود على المشاريع مستمران دون توقف، وسفر المسؤولين وحضورهم المؤتمرات بالبدلات الانيقة قائم، وهم في هذه المؤتمرات ذاتها يبكون الحصار والاجراءات ضدنا.
واختم بمفارقة تلخص المشهد: حسب ما يتداول المواطنون ان احدى شركات الاتصالات العاملة في السوق الفلسطينية تمكنت من اجبار الحكومة على تخفيض رسوم رخصتها من نحو 350 مليون دولار الى نحو 120 مليون دولار، وبمبدا المعاملة بالمثل جرى تمديد رخصة الشركة المنافسة بمبلغ لا يتجاوز عشرين مليونا لعشر سنوات اضافية، بينما يحال صاحب دكان صغير الى المحكمة بتهمة بيع دخان عربي لزبائن من الطبقة الكادحة، وبتهمة التهرب من الضرائب.
بين مسؤول يعجز عن الحل ويستمر في موقعه بامتيازاته، وشعب يطلب منه فقط الا يزيده عبئا، يبقى السؤال قائما: هل نحن فعلا في نهاية الخيارات، ام في بداية الاعتراف بالعجز؟

دكتور طارق عاشور

أستاذ زائر للاقتصاد في جامعة بيرزيت، وباحث اقتصادي في معهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي. متخصص في سياسات المالية العامة والاقتصاد الكلي، وله أبحاث منشورة تركز على تحليل التحديات الهيكلية للاقتصاد الفلسطيني، بما في ذلك السياسات المالية، وأسواق العمل، وأثر الاحتلال على الأداء الاقتصادي والتنمية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى