Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
منشورات وإصداراتمقالات

هل يشهد العالم نهاية السند الخالي من المخاطر

هناك رقم مهم في سوق المشتقات المالية يسمى فارق المبادلة، وهو الفرق بين السعر الثابت لعقد مقايضة فائدة لثلاثين سنة وبين عائد سند الخزانة الامريكي للاجل ذاته. المسلمة التي ندرسها لطلابنا في المالية تفترض ان هذا الفارق يجب ان يكون موجب دائما، لان العقد يحمل مخاطرة طرف مقابل بينما السند لا يحمل هذه المخاطرة.
منذ اواخر 2008 وفي الولايات المتحدة هذا الفارق اصبح سالبا. اي ان السوق يطلب عائدا اعلى ليحمل دين الحكومة الامريكية مما يطلبه ليدخل في عقد مع وسيط مالي. منشورات بنك الاحتياطي الفدرالي اطلقت على هذه الظاهرة اسم علاوة عدم الملاءمة. بلغة اخرى فإن السند الامريكي صار مزعجا.
حين خرج وزير الخزانة الامريكي بيسنت قبل اسبوعين ليعلن مضاعفة شراء الدين الطويل من مليارين الى اربعة مليارات دولار في كل عملية، بعد ان بلغ عائد الثلاثين سنة اعلى مستوى له منذ تسعة عشر عاما. تراجع العائد تسع نقاط اساس، ثم عاد كل شيء خلال يوم. وقال بيسنت لشبكة سي ان بي سي بعدها ان لديه صندوق ادوات كبيرا وان جزءا من الامر اشارة، لان الادارة تعتقد ان العوائد لا تعكس الاساسيات. السوق سمع الاشارة ورفض التسعير.
فهل انتهى مفهوم الاصل الخالي من المخاطر؟ الجواب عندنا يخبر ان المفهوم انقسم الى نصفين، فنصفه الاول ما زال هذا المفهوم موجود بالكامل. مخاطرة الائتمان، اي ان لا تدفع الحكومة الامريكية، تبقى قريبة من الصفر لسبب بنيوي لا يتغير: من يصدر العملة التي يقترض بها لا يعجز عن سدادها. لهذا تضع وكالات التصنيف الاهم الولايات المتحدة على درجة واحدة تحت القمة بنظرة مستقرة، AA+ لدى فيتش التي ثبتتها في الثالث عشر من آب، وAA+ لدى ستاندرد اند بورز منذ حزيران، وAa1 لدى موديز منذ ايار 2025.
اما النصف الثاني من المفهوم، وهو ان يكون الاصل خاليا من مخاطرة السعر والقوة الشرائية، فهذا هو ما تآكل. علاوة الاجل التي يقيسها نموذج بنك الاحتياطي صارت قرب 0.83% بعد ان كانت قرب الصفر قبل اقل من سنتين. والسند الذي يحمل علاوة اجل بهذا الحجم لم يعد مرساة تسعير، بل صار اصلا يتحرك سعره مثل غيره.
الوظيفة الاولى للسند الامريكي في النظام المالي لم تكن ان يعطي عائدا، بل ان يكون المقياس الذي تُسعَّر عليه كل الاصول الاخرى. هذه الوظيفة هي التي تهتز، لا القدرة على السداد.والسبب المالي معروف الارقام. دفعت الحكومة الامريكية 628 مليار دولار فوائد صافية في الاشهر السبعة الاولى من سنتها المالية، اكثر مما انفقت على الصحة في الفترة نفسها واكثر من ميزانية الدفاع. الدين تجاوز 40 تريليون، وفيتش تتوقع عجزا عند 7.4% من الناتج في 2026 و2027 وهو الاعلى بين كل الدول المصنفة في فئة AA. اما اذا استمر المسار كما هو، فمكتب الميزانية في الكونغرس يقدر ارتفاع متوسط الفائدة على الدين من 3.4% الى 4.2% لتبلغ كلفة الفوائد 6.9% من الناتج مقابل نحو 2% كمتوسط لنصف قرن. عمليا يعني هذا ان الفائدة تغير وظيفتها: بدل ان تبرد الطلب صارت تولد العجز الذي يولد الاصدار الذي يرفع الفائدة.
السؤال الاهم هنا: من سيشتري كل هذا الدين؟ الجواب النظري ان البنوك المركزية تنسحب وتخفض حيازتها من السندات الامريكية، وهو نصف صحيح فقط. الحيازات الرسمية الاجنبية، اي البنوك المركزية، تراجعت الى نحو 3.85 تريليون دولار، والصين عند 652 مليارا وهو ادنى مستوى منذ 2008. لكن حيازات الاجانب من القطاع الخاص بلغت 5.52 تريليون دولار في ايار 2026 وهو رقم قياسي. الطلب لم يختف اذن، بل انتقل. والاهم انه انتقل الى نوع مختلف تماما من المشترين.
من دخل السوق اذن. مكتب البحوث المالية الامريكي نشر قبل ايام ان حيازات صناديق التحوط من السندات النقدية بلغت نحو تريليوني دولار، اي قرابة 7% من الدين القابل للتداول، وان هذه الصناديق عادت لتكون مشتري رئيسي لان الوسطاء الاوليين مقيدون براس المال بينما هي ليست كذلك. وادخل معهم مشتر لم يكن موجودا قبل سنوات: مصدرو العملات المستقرة. تيثر وحدها تحمل نحو 141 مليار دولار انكشافا على الخزانة الامريكية، ما يضعها في المرتبة السابعة عشرة بين حاملي الدين الامريكي، امام المانيا والامارات. وسوق العملات المستقرة تجاوز 322 مليار دولار في ايار 2026. ستاندرد تشارترد تتوقع ان يبلغ تريليوني دولار بحلول 2028 فيولد نحو تريليون دولار من الطلب الجديد على اذون الخزانة.
المشكلة هنا أن صناديق التحوط تشتري بالرافعة المالية وتخرج حين يتغير التمويل. ومصدرو العملات المستقرة ملزمون قانونا بالاحتفاظ باصول لا تتجاوز آجالها ثلاثة اشهر تقريبا. اي ان الطلب الجديد كله تقريبا موجه الى الطرف القصير من المنحنى، بينما العجز الذي يجب تمويله يحتاج الى آجال طويلة. المشتري الصبور الذي يحمل الورقة ثلاثين سنة ولا يبالي بسعرها اليومي، اي البنك المركزي الاجنبي وصندوق التقاعد، هو بالضبط من ينسحب. هذا ليس نقصا في الطلب بل خلل في توزيعه على المنحنى، وهو يفسر لماذا فشل تدخل بيسنت: اربعة مليارات في سوق يقارب ثلاثين تريليونا لا تصنع مشتري طويل الاجل.
والمخرج المتاح امام الخزانة معروف ومكلف. ان تحول اصداراتها نحو الاذون القصيرة حيث الطلب وفير، وقد ذهبت ستاندرد تشارترد الى حد التلميح باحتمال تعليق مزادات الثلاثين سنة. هذا يخفض الكلفة اليوم ويحول ازمة الكلفة الى ازمة اعادة تمويل غدا، لان دينا قصيرا يعني ان حصة اكبر منه يُعاد تسعيرها كل سنة، فتصبح الموازنة رهينة مباشرة لقرار الفائدة. وهذا هو التعريف التقني للهيمنة المالية.
ماذا عن الدولار؟ وللاجابة نحتاج الى التفريق بين سعر الدولار ودور الدولار. سعره تراجع فعلا، فمؤشره عند 98.8 بانخفاض يقارب 2.3% في شهر، والذهب صعد الى نحو 4600 دولار للاوقية. اما دوره فالبيانات تقول عكس السائد تماما: حصة الدولار في احتياطات النقد الاجنبي العالمية ارتفعت الى 57.13% في الربع الاول من 2026 مقابل 56.42% في الربع الاخير من 2025 وفق قاعدة كوفر التابعة لصندوق النقد الدولي. والصندوق اضاف ملاحظة: تجاوز الذهب للسندات الامريكية في الاحتياطات خلال 2025 كان مدفوعا كليا تقريبا باثر تقييم ناتج عن ارتفاع سعر الذهب، ولا ينعكس في حصة الدولار التي بقيت مستقرة. من يبني تحليله على عنوان تجاوز الذهب يبني على اعادة تسعير لا على اعادة تخصيص.
توقعنا اذن ليس انهيار الدولار بل انزلاقه البطيء. المنطق بسيط: ما دام التصحيح لا يمر عبر التعثر، فانه يمر عبر سعر الصرف والتضخم. والخزانة نفسها لها مصلحة صامتة في دولار اضعف لانه يخفض القيمة الحقيقية للدين. لكن هناك حدا لهذا الانزلاق، فالولايات المتحدة تحتاج مدخرات الاجانب لتمويل عجزها، ودولار ينهار يرفع العائد المطلوب بدل ان يخفضه. النتيجة الارجح تذبذب هابط ضمن نطاق، لا كسر.
يبقى السؤال الاخير: هل يظهر بديل لتسعير الاصول؟ الارقام عكس ما يتم تداوله. اليوان الصيني يمثل 1.99% من الاحتياطات العالمية رغم ان الرئيس شي جين بينغ دعا صراحة في الاول من شباط 2026 الى ان يصبح عملة احتياط عالمية. ومشروع ام بريدج للعملات الرقمية المركزية الذي يضم الصين وهونغ كونغ وتايلاند والامارات والسعودية بلغ حجم معاملاته التراكمي 55.5 مليار دولار حتى تشرين الثاني 2025، وهو رقم لا يساوي شيئا امام سوق صرف يتداول تريليونات يوميا. واليورو عالق قرب 20% منذ ربع قرن، والبنك المركزي الاوروبي نفسه يقر في تقريره الاخير بان منافسه الفعلي في محافظ البنوك المركزية هو الذهب لا اليورو.
الخلاصة التي تخرج من هذه الارقام مجتمعة ان وحدة التسعير هي آخر ما يتغير في اي نظام نقدي، لان تغييرها يتطلب اجماع لا قرار. لن يُسعر النفط ولا الاصول باليوان في افق منظور. ما يحدث فعلا اضيق واذكى: ليس استبدال الدولار كوحدة تسعير، بل الانسحاب الجزئي من الاصل الدولاري كمخزن قيمة، والتحوط بالذهب، وتفتيت قنوات التسوية لتقليل الانكشاف على العقوبات. النظام لا يستبدل عملته، بل يخفض جرعتها.
ما ينتهي اذن ليس الدولار ولا الجدارة الائتمانية الامريكية، بل التمويل المجاني. لعقود اقترضت الولايات المتحدة باقل من كلفتها العادلة لان العالم كان يدفع علاوة ليحمل اصلها الآمن. تلك العلاوة تحولت الى الاتجاه المعاكس.
من الان فصاعدا ستدفع واشنطن السعر الكامل، وستمول عجزها من مشترين اسرع في البيع واقصر في الاجل، وستُدار الفجوة عبر عملة تفقد قيمتها ببطء. ومن يحمل الاصل الدولاري في منطقتنا، من احتياطات مركزية وصناديق سيادية ومدخرات افراد وعملات مربوطة بالدولار، يدفع هو ايضا حصته من هذا التحول من دون ان يظهر ذلك في اي تقرير تصنيف.

دكتور طارق عاشور

أستاذ زائر للاقتصاد في جامعة بيرزيت، وباحث اقتصادي في معهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي. متخصص في سياسات المالية العامة والاقتصاد الكلي، وله أبحاث منشورة تركز على تحليل التحديات الهيكلية للاقتصاد الفلسطيني، بما في ذلك السياسات المالية، وأسواق العمل، وأثر الاحتلال على الأداء الاقتصادي والتنمية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى