قراءة في شركة المحروقات الحكومية

الاسبوع الماضي نشرت الجريدة الرسمية القرار بقانون رقم 25 لسنة 2026 بشأن الشركة الوطنية للمحروقات، مع العلم ان محطات الوقود في مدننا تعمل بنظام ورثناه منذ ثلاثين عاما ولم نسأل عنه كثيرا او حتى نحاول تحديثه: صاحب المحطة يدفع ثمن الوقود مقدما للهيئة العامة للبترول، والهيئة تشتري من الموردين الاسرائيليين، والوقود يصل يوما بيوم لان في الضفة كلها لا يوجد خزان استراتيجي واحد. هذا النظام انكسر في الصيف الماضي امامنا، فرأينا وعشنا الطوابير وسمعنا عن ديون للموردين تقارب ثلاثة مليارات شيكل. الحكومة حسب التصريحات حللت المشهد وقالت: نحتاج شركة. والسؤال الذي يشغل النقاش: هل كانت مشكلة القطاع في شكل المؤسسة التي تديره، ام في الخزينة التي تقف خلفها؟
الهيئة لا تدين للموردين لانها سيئة في البيع، فالمحطات تدفع سلفا والتحصيل عمليا كامل، وهذا وضع يتمناه اي مسؤول عن الكهرباء او المياه. الدين جاء من ثلاثة مصادر لا علاقة لها بالكفاءة التشغيلية: الهيئة تشتري بسعر يتضمن الضريبة وتنتظر استرداد حصة الخزينة عبر مقاصة محتجزة منذ اكثر من عام، وجزء من اموال المحطات استخدم بحسب متابعين للملف في فترات ضغط الرواتب لالتزامات اخرى، وبعض الاصناف يباع بسعر الكلفة او دونه للحد من التهريب. الدين اذن دين مالي سيادي يرتدي الثوب التجاري، وحين يقتطع المورد جزءا من كل دفعة جديدة لسداد القديم، يصبح المواطن في الطابور دافعا لديون الخزينة بالتقسيط.
هذا التشخيص على بساطته يحدد ما تستطيعه الشركة. القرار لا يفصل اموال المحطات في حساب مستقل، ويجعل وزير المالية والتخطيط رئيسا لمجلسها التأسيسي، ويؤول ارباحها للخزينة. والمبرر الرسمي هو الفصل بين المنظم والمشغل، لكن الهيئة تتبع وزارة المالية والشركة يرأسها الوزير، فانفصلا في الطابق الارضي والتقيا في مكتبه. والوزير الذي يقضي يومه في البحث عن سيولة غائبة لرواتب تصرف بنسبة 50%، وفي ادارة دين عام تجاوز 16 مليار دولار، سيقرأ الشركة بعين الخزينة. هذا سؤال عن ساعات اليوم والاولويات، لا عن الكفاءة الشخصية.
والمشكلة ان سجلنا في ادارة الاصول العامة لا يمنح الشركة رصيد ثقة مسبق. في التسعينيات كانت هيئة البترول نفسها، بحسب ما قاله د.سلام فياض لاحقا، اكبر مصدر لتمويل الانفاق خارج الموازنة. ومحمد رشيد، الذي ادار الشركة الفلسطينية للخدمات التجارية صاحبة احتكار الاسمنت، صدر بحقه حكم غيابي عام 2012 بالسجن خمسة عشر عاما ورد اكثر من 33 مليون دولار. والخطوط الجوية الفلسطينية انتهت بقرار تصفية عام 2020 وطائرتين تجاوز عمر كل منهما ثلاثين عاما، وموظفين تقاضوا علاوات شهرية لشركة لا تطير. وصندوق الاستثمار، الذي ولد عام 2003 لتنظيف هذا الارث، كانت اصوله 795 مليون دولار عام 2014 وارباحه الصافية 36.7 مليونا، ووصلت اصوله في 2025 الى 935 مليونا بارباح صافية 7.6 مليون دولار، اي عائد دون واحد بالمئة. والمحول الى الخزينة بقي عند نحو 1.1 مليار دولار تراكميا في تقريري 2022 و2024، اي ان مساهمته في سنتي الازمة كانت شبه معدومة. وفي الكهرباء، اسسنا عام 2013 الشركة الفلسطينية لنقل الكهرباء مشتريا حكوميا وحيدا بوعد تخفيف صافي الاقراض، فصارت القناة التي تمر عبرها كشوف الخصومات الاسرائيلية الى وزارة المالية. القاسم المشترك في هذه التجارب ليس الملكية العامة، بل غياب المسافة بين الاصل العام وحاجة السلطة السياسية والمالية اليه.
ومن هنا تنفتح اسئلة تستحق ان يتصدى لها المختصون، وان كنا تعودنا على حالة اللارد. السلطة سارت في الاتصالات على طريق الخصخصة، وبنت في الكهرباء والمياه، بتوصية البنك الدولي وتمويله، نموذج المنظم المستقل وشركات التوزيع والمشتري الحكومي بالجملة. فهل تعني العودة الى شركة حكومية محتكرة في الوقود ان فكرة خصخصة الاتصالات لم تحقق ما وعدت به؟ وهل هي اقرار ضمني بان وصفة البنك الدولي لشركات المياه والكهرباء لم تنجح، ام امتداد لها بلغة اخرى؟ ولماذا نعود الى الدولة التاجر في وقت يحصر فيه العالم الملكية العامة في قطاعات محددة وبشروط حوكمة صارمة؟ هذه اسئلة لا تحسمها البيانات الحكومية ولا النوايا، وكان يفترض ان تجيب عنها دراسة جدوى منشورة وتقييم مستقل لتجارب الشركات العامة القائمة، ولم نر ايا منهما.
ولانصار الفكرة حجة لا تهمل: مشتر وحيد يدفع في موعده يملك قدرة تفاوضية على السعر ومصادر التوريد، وشخصية اعتبارية مستقلة تفتح باب التعاقد والاقتراض وبناء الخزانات بطريقة لا تتيحها هيئة حكومية. لكن الحجة كلها معلقة على شرط السداد في الموعد. والحكومة التي تحتفي بخفض صافي الاقراض 1.6 مليار شيكل تنقل الى الشركة “العقود والالتزامات”. اذا انتقلت ديون الموردين دون الية سداد، يصبح اي تعثر لاحق صافي اقراض جديد في الوقود. وراس المال بلا رقم ولا مصدر، والشركة التي ترث دينا يعادل اربعة الى خمسة اشهر من مشتريات سنوية تقارب ثمانية مليارات شيكل قد تولد بحقوق ملكية سالبة. والتخزين، اقوى مبرراتها، معلق على تصاريح اسرائيلية في المنطقة ج لم تمنح منذ سنوات.
قانونيا، المادة 21 تجيز انشاء شركات عامة تنظم بقانون، وقانون الشركات يحيلها الى قانون خاص، فالمبدأ سليم. الملاحظات في التفاصيل: الاداة قرار بقانون في غياب المجلس التشريعي، وقرار مجلس الوزراء بانشاء الشركة صدر عام 2025 قبل النص التشريعي، والغاء ما يتعارض من قانون الهيئة دون تحديد المواد، واخراج المشتريات من قانون الشراء العام الى نظام خاص، ومنح شركة تجارية ادوات تحصيل الاموال الاميرية، واعفاء ضريبي يمنحها افضلية في اي نشاط تنافسي. ويحسب للقرار منع تضارب المصالح حتى الدرجة الثانية واخضاعها لديوان الرقابة.
ويبقى سؤال تسرب الاسهم مستقبلا معلقا على قرار بقانون اخر يكفي لتعديل نص الملكية الكاملة للدولة. ووضع الموظفين غامض بين الخدمة المدنية وقانون العمل، والشركة قد تصبح منفذا للتعيين خارج تجميد التوظيف. واجتماعيا، تتحول ارباح الشركة الى ضريبة استهلاك تنازلية يدفعها سائق العمومي والمزارع.
الارجح ان تولد الشركة نسخة قانونية من الهيئة بالموظفين والعقود والدين انفسهم. ولتكون اصلاحا تحتاج الى قرارات واضحة: ابقاء ديون الماضي على الخزينة ضمن ملف المقاصة، وحساب ضمان مستقل لدفعات المحطات، ورئيس مستقل بعد المرحلة التأسيسية، ونظام مشتريات منشور وقابل للطعن، ومعادلة تسعير معلنة، وقوائم مدققة منشورة للجمهور. دون ذلك نكون امام فصل جديد في التاريخ نفسه: احتكار حكومي، ثم ازمة، ثم كيان جديد يحمل الدين القديم.




