آراء النخب الاكاديمية في العدد الثامن لمجلة أمننا القومي

مجلة أمننا القومي الصادرة عن معهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي في عددها الجديد، ليست مجلة وحسب ، بل وثيقة في معركة الدفاع عن وجودنا وانتصارنا كشعب .
* د . مروان إميل طوباسي
يشرفني ان احاول الإجتهاد في تلخيص اهمية هذا العدد وضرورته في مرحلة مفصلية من مسيرة كفاح شعبنا العادلة لمواجهة محاولات تصفية قضية شعبنا الوطنية التحررية في ظل تصعيد أدوات الهيمنة الأمريكية الاسرائيلية بالمنطقة وأهمية الأمن القومي الفلسطيني في مواجهتها .
حيث يكشف العدد الثامن من مجلة فلسطين لأبحاث الأمن القومي ، من خلال ما تضمنه من أبحاثه التسعة ، عن محاولة منهجية لرد الأعتبار للأمن القومي الفلسطيني ، لا كفكرة أمنية تقليدية ، بل كمفهوم شمولي يمس مفاصل هامة تتمثل بالهوية ، الأرض ، المعرفة ، العدالة ، السيادة الرقمية ، الاقتصاد ، التعليم والمجتمع .
وفي هذا السياق ، توزعت ابحاث هذا العدد على مسارات نضالية وفكرية متكاملة كما يل :
١. الجذور الحضارية كمصدر للسيادة والرواية .
فقد جاء بحث “الخوري”حول استثمار التراث الكنعاني ليس كسرداً للتاريخ ، بل خطة لتحويله إلى اقتصاد مقاومة وإبداع ، يعزز الارتباط بالأرض ، ويكسر الحصار الخانق بمشاريع قائمة على المعرفة .
أما بحث “كفافي” عن “الفلستيين” فقد فضح جوهر المشروع الصهيوني الذي يسعى لفصل الفلسطيني عن تاريخه ، وعاد ليضع غزة جزء من فلسطين في قلب السردية التاريخية .
خلاصة هذان البحثان برأيي تكمن في مقاومة محاولات نفي الرواية الفلسطينية من جذورها ، بأقتراح أدوات ملموسة لإعادة بناء “السيادة السردية الوطنية “.
٢. التهجير والهوية المجتمعية كمجال للممانعة اليومية .
بحث “بوطالب” أبرز كيف أن المواطنة في فلسطين ليست مجرد انتماء قانوني ، بل فعل مقاوم يومي يتجلى في التمسك بالأرض ، ورفض الأقتلاع العرقي حتى في أقسى ظروف العدوان .
في حين ان بحث “أبو رحمة” و “أبو غولة” قدما نموذجا حيا لدور المؤسسات المسيحية كجزء أصيل من المكون والصمود المجتمعي ، وكيف تُعيد هذه المؤسسات إنتاج الأنتماء في لحظات الأنهيار .
الخلاصة : في زمن تُطرح فيه “غزة بلا سكان”، و”الضفة بلا سيادة”، تبرهن هذه الأبحاث أن المجتمع الفلسطيني قادر على خلق أدواته الذاتية للبقاء ، رغم كل محاولات التهجير والتطهير والتجويع .
٣. القانون الدولي بين الانقلاب الصهيوني والفراغ السياسي .
بحث “العبيدي” يفتح أعيننا على الكارثة الصامتة التي تمثلها مشاريع اليمين الإسرائيلي الصهيوني ، من إنهاء أوسلو إلى فرض أمر واقع إداري وظيفي منزوع السيادة ، ويعيد توجيه البوصلة إلى استثمار القانون الدولي لا كحماية بل كأداة مواجهة .
الخلاصة : في زمن تتعمد فيه حكومة اليمين المتطرفة في اسرائيل قتل اتفاقية أوسلو، أصبح من الضروري جدا أن نعيد النظر في هذه الاتفاقية وغيرها من اتفاقيات لم تلتزم بها إسرائيل، بل تنكرت لها واجهضتها، انطلاقًا من الوقائع لا الأمنيات لإعادة صياغة المشروع الوطني التحرري .
٤. الحرب على الوعي والسيطرة على المستقبل .
بحث “ربايعة” كشف أن إنتاج العنف والارهاب الإسرائيلي يبدأ من المدرسة، عبر مناهج تُقدّس الاحتلال وتُشيطن الفلسطيني.
بحث “أبو هنية” قدم استراتيجية دفاعية فلسطينية رقمية، تبدأ من الذكاء الأصطناعي وتذهب نحو تحصين البنية الرقمية الوطنية .
دراسة “الخضر” أظهرت كيف يتحول الفلسطيني إلى كائن مرصود ومستهدف في الفضاء الرقمي ، يخضع لأدق أشكال الرقابة عبر الهاتف والمجسات والسحابة الرقمية .
الخلاصة : هذه الأبحاث تضعنا أمام حقيقة حاسمة مفادها ، بأن الصراع لم يعد فقط على الجغرافيا، بل على الوعي والإرث والهوية والبيانات والسيطرة على المستقبل . وبالتالي من الطبيعي أن يكون نضالنا وادواتنا ذكية، سيبرانية ، ومحمية . وراسخه في العقول والوجدان.
٥. في دراستها التي جاءت تحت عنوان العدالة الاجتماعية كشرط للتماسك الوطني .
بحث “ربى صوافطة” لا تناقش الورقة فقط قضايا المرأة في سوق العمل ، بل تعيد ربط المساواة الجندرية بمفهوم الأمن القومي ، وتطرح ضرورة بناء مجتمع متوازن داخليا حتى يستطيع مواجهة التحديات الخارجية .
الخلاصة : مجتمع غير عادل داخليا هو مجتمع هشّ أمام محاولات التفكيك الخارجية ، والعدالة هنا ليست فقط حقا بل وسيلة بقاء وصمود ونضال مستمر.
— المعرفة كفعل تحرر وجودي .
بينما يتسارع الزمن بمحاولات مشاريع التصفية ، من تطهير غزة ، إلى تفكيك الضفة والمعازل الجغرافية فيها وتوسيع الأستيطان والضم الإستعماري ، وتفريغ القدس وتهويدها ، ومحاولات الضغط بكافة الاشكال على السلطة الوطنية وتقويض دورها ، وتمييع الحقوق السياسية واستبدالها بمشاريع حلول اقتصادية أمنية ، يأتي هذا العدد من المجلة كصرخة عقل وضمير .
لقد نجح هذا العدد في الربط بين الماضي والحاضر والمستقبل ، بين الأرض والإنسان ، بين التقنية والرواية ، بين القانون والمجتمع . وهذا ما نحتاجه اليوم تماما ، أن نعرف من نحن، وأن نعرف كيف نُفكر . وأن نعرف كيف نُناضل، وكيف نبني ، وكيف ننتصر .
تحية إلى جميع الزملاء الباحثين والباحثات الذين ساهموا في إنجاز هذا الجهد الوطني – الأكاديمي العلمي المميز.
وتحية خاصة للواء حابس شروف وفريق التحرير ، وبالمقدمة منهم الصديق بروفيسور عوض سلمية مدير التحرير، الذين صنعوا من المجلة ليس فقط منبرا أكاديميا ، بل مختبرا علميا للفكر الوطني الفلسطيني المقاوم .
هذا الانجاز وثيقة في معركة الدفاع عن وجودنا كشعب فوق تراب وطننا الذي لا نملك سواه .
———-*——–
* حاصل على درجة الدكتوراه بالعلاقات الدولية والدبلوماسية ، والماجستير بالدراسات الدولية والبكالوريس بالاقتصاد والإدارة.
شغل مواقع عدة منها وكيل وزارة السياحة والآثار ، محافظ طوباس والأغوار الشمالية، سفيراً لدولة فلسطين لدى اليونان، وعضواً بالمجلس الأستشاري لحركة “فتح” .




