Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
منشورات وإصداراتمقالات

سيناريو الحرب الممتدة وتداعياتها على مصير الفيدرالي والدولار

في عالم الاقتصاد، نحن لا نتعامل مع اليقين، بل مع إدارة الاحتمالات. ولكن هناك لحظات نادرة يتوقف عندها كل شيء، وتصبح فيها الخرائط القديمة او المناهج الكلاسيكية في التحليل والتنبؤ غير صالحة للاستخدام.
لم تكن مجرد أرقام تحديثات توقعات البنوك الكبرى في الولايات المتحدة والتي صدرت منذ أيام؛ بل كانت اعتراف ضمني بأن اللعبة تغيرت. إن التحول الجذري الذي اقدمت عليه مؤسسات مثل ويلز فارغو وسيتي، من توقع خفض لhفائدة إلى سيناريو التثبيت او التاجيل حتى خريف 2026، لم يكن مجرد تعديل في التوقعات، بل كان انعكاس مباشر لحرب الولايات المتحدة واسرائيل على ايران. السؤال الذي يلح الان ليس متى سيخفض الفيدرالي؟، بل كيف سيبقى الفيدرالي صامدا في وجه عاصفة الركود التضخمي؟

من الخطأ الاختزال  والقول ان هذه القرارات سببها الحرب فقط، فالحرب هنا لم تكن البادئ، بل كانت المفعل النهائي لمخاطر كانت كامنة. قبل الصراع، كان الفيدرالي يعاني اصلا من معضلة الميل الاخير في كبح التضخم، ومع سوق عمل يظهر شقوقا هشة. ولكن ما فعلته الحرب كان تحويل هذه الهشاشة الى حالة طوارئ. ان اغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره حوالي خمس امدادات النفط العالمية، لم يرفع سعر البرميل فحسب، بل غير طبيعة صدمة التضخم من صدمة طلب يمكن السيطرة عليها الى صدمة عرض كلاسيكية، هي الاعنف والاكثر تعقيدا في العلاج. المحلل في مورجان ستانلي، مايكل ويلسون، وصف الامر بوضوح في مذكرة داخلية الاسبوع الماضي قائلا: ما نشهده ليس مجرد ارتفاع في الاسعار، بل اعادة هيكلة لسلاسل الامداد العالمية، وهذه المرة مختلفة لانها تأتي مع تشرذم جيوسياسي لم نره منذ السبعينيات.

لنفترض جدلا ان الحرب استمرت شهرين اضافيين، اي حتى منتصف صيف 2026، مع بقاء اسعار النفط فوق حاجز 100 دولار للبرميل. هنا، السيناريو الاكثر ترجيح، والذي تشير اليه تحليلات ستيت ستريت وبلومبرغ، هو الدخول في مرحلة الركود التضخمي المعتدل. الركود التضخمي، كما عرفه خبراء صندوق النقد الدولي، هو ذلك الوحش الاقتصادي الذي يجمع بين تباطؤ النمو وارتفاع البطالة من جهة، واستمرار التضخم في التاكل من جهة اخرى. البيانات تتحدث: اكثر من 68 % من الاقتصاديين في استبيان اجرته فايننشال تايمز يتوقعون ان يؤدي بقاء النفط عند 100 دولار الى خفض النمو الامريكي بمقدار يتراوح بين 0.25 و0.5 نقطة مئوية على الاقل، بينما سيرفع التضخم بنفس القدر، وهذا السيناريو يعتبر  كابوس صناع السياسات.

في مواجهة ذلك، ما هي الادوات المتاحة؟ الاداة النقدية التقليدية المتمثلة برفع الفائدة ستكون عديمة الجدوى، بل ومدمرة، لانها لن توقف ارتفاع اسعار الطاقة، لكنها ستعمق الركود وترفع البطالة بشكل حاد. لهذا السبب، أشار جيروم باول بنفسه في مؤتمره الصحفي الاخير الى ان السياسة النقدية تعمل بفارق زمني طويل، وان رفع الفائدة لمواجهة صدمة نفطية مؤقتة قد يكون قصير النظر. لذلك، سيكون الخيار الارجح هو التثبيت القسري للفائدة، وهو ما تتجه اليه توقعات ويلز فارغو لعام 2026 بأكمله. اما الاداة المتوقعة والفعالة، فستكون مالية وليست نقدية. سنشهد على الارجح تدخل حكومي مكثف لدعم المستهلكين، ربما عبر خفض ضرائب الوقود او تقديم اعانات مباشرة للطاقة، تماما كما فعلت اوروبا في ازمة 2022. ولكن مع واشنطن التي تعاني اصلا من عجز كبير، فان هذا التحفيز المالي سيصب الزيت على نار التضخم ايضا، مما يعمق المعضلة.

في هذا السيناريو، الاسواق ستقسم نفسها الى ثلاثة معسكرات واضحة. اولا، سوق الاسهم: القطاعات الدورية مثل البنوك والعقارات والتصنيع ستكون تحت ضغط مزدوج من تباطؤ الاقتصاد وارتفاع تكاليف الاقتراض، بينما ستستفيد قطاعات الطاقة والدفاع. ثانيا، الدولار: قد يرتفع في البداية كملاذ امن، كما يحدث الان، ولكن اذا طالت الحرب، فان بنك اوف اميركا ومورجان ستانلي يحذران من ان هذا الارتفاع قد يكون فخ ثوري. السبب هو ان تاكل مكانة اميركا كضامن للامن، كما يلمح محللو دويتشه بنك، سيدفع نحو بداية نهاية البترودولار، حيث قد تبدأ الدول الخليجية ومنها السعودية بقبول عملات اخرى مثل اليوان مقابل نفطها، مما سيوجه ضربة وجودية للطلب على الدولار على المدى الطويل. ثالثا واخيرا: الذهب. و الاجابة لا تحتاج الى تحليل معقد. في عالم يشهد حرب تجارية ونقدية واخرى عسكرية، مع فيدرالي مشلول الحركة، يثبت الذهب مرة اخرى انه الاصل الوحيد الذي لا يعتمد على وعد اي حكومة. التوقعات التي صدرت من دويتشه بنك وجيه بي مورجان بوصول الذهب الى 6000 دولار لم تكن مبالغة، بل كانت قراءة واقعية لهذا السيناريو. كلما طالت الحرب، كلما تسارعت عملية اعادة تسعير المخاطر الجيوسياسية في المعدن الاصفر.

اما على صعيد مكانة الولايات المتحدة الاقتصادية، فالامر اكثر خطورة مما يبدو. في تقرير صادر عن معهد بيترسون للاقتصاد الدولي الاسبوع الماضي، حذر المحللون من ان استمرار الحرب لشهرين اضافيين قد يخفض الناتج المحلي الاجمالي الامريكي التراكمي بنسبة 1.2 بالمئة بحلول نهاية 2026، وهو رقم يعادل محو نمو ربع سنة كامل.
الاثر الاكبر قد لا يكون كمّي بقدر ما هو نوعي: الثقة في قدرة واشنطن على حماية سلاسل الامداد العالمية. كما علقت المحللة الاقتصادية في ستاندرد اند بورز، بيث انوفور، قائلة: الولايات المتحدة تدفع الان ثمنا لاستراتيجيتها الخارجية. الحرب الطويلة تعني ان العالم سيبدا بشكل جدي في البحث عن بدائل للدولار، ليس لان احدا يكره اميركا، بل لانهم بحاجة للتأمين ضد مخاطر لم تكن موجودة قبل عقد

الخلاصة وهي التي يتفق عليها مديرو الصناديق الكبرى مثل كريست كابيتال هي ان الانضباط في حجم المراكز وادارة المخاطر هو الاهم الان، وليس التوقعات قصيرة الاجل. الواقع اننا نشهد لحظة فارقة: اما ان تنتهي الحرب خلال اسابيع ويعود كل شيء الى مربع الانتظار، والا فان عام 2026 سيكون عام المفاضلة الصعبة، حيث سيختار الفيدرالي بين السماح بالتضخم او قتل النمو. في كلتا الحالتين، المستثمر الذكي هو من اعد محفظته لهذين الاحتمالين معا، واضعا الذهب كركيزة اساسية، ومستعد بنفس الوقت لتقلبات الدولار التي قد تكون اعنف مما يتوقع اي نموذج اقتصادي تقليدي.

 

دكتور طارق عاشور

أستاذ زائر للاقتصاد في جامعة بيرزيت، وباحث اقتصادي في معهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي. متخصص في سياسات المالية العامة والاقتصاد الكلي، وله أبحاث منشورة تركز على تحليل التحديات الهيكلية للاقتصاد الفلسطيني، بما في ذلك السياسات المالية، وأسواق العمل، وأثر الاحتلال على الأداء الاقتصادي والتنمية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى