Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
منشورات وإصداراتمقالات

الذهب يفوز على السندات الامريكية

واردات الصين من الذهب في اب الماضي، البالغة 141.7 طنا، تنذر بتحول بنيوي في النظام النقدي العالمي بدأ فعليا قبل اربع سنوات ولا يزال في بداياته. بيانات البنوك المركزية وبنوك استثمار كبرى ترسم مسار واضح المعالم: الذهب سيستمر في الارتفاع حتى نهاية 2027 وفق تقديرات غولدمان ساكس وجي بي مورغان ويو بي اس التي تتراوح بين 5000 و6300 دولار للاونصة، حصة الدولار من الاحتياطيات العالمية ستستمر في التراجع التدريجي دون ظهور بديل واحد يحل محله، والمستثمر الفرد امام فرصة تموضع طويلة الاجل وليس امام فقاعة توشك على الانفجار، وان كانت تصحيحات حادة بنسبة 10 الى 15 بالمئة في اي لحظة قريبة واردة بقوة.
حجم حيازة الصين 141.7 طنا من الذهب في اب مقارنة بـ134.5 طنا في تموز، ليصل اجمالي وارداتها منذ بداية العام الى اكثر من 1100 طن، متجاوزة بذلك اجمالي واردات العام الماضي كاملا رغم بقاء اربعة اشهر على نهاية 2026، وهو اعلى معدل استيراد مسجل منذ ان بدات الجمارك الصينية نشر هذه البيانات عام 2017. لكن هذا الرقم يخص الواردات التجارية الكلية التي تشمل طلب الافراد والمجوهرات والصناديق الاستثمارية، وليس مشتريات البنك المركزي الصيني وحده . بنك الشعب الصيني اضاف بشكل منفصل 20.2 طن الى احتياطياته الرسمية في اب، وهي اكبر اضافة شهرية منذ اكتوبر 2023، ليصل رصيده الرسمي المعلن الى نحو 2387 طنا، بعد 22 شهرا متتاليا من الشراء المستمر. الفارق بين الرقمين مهم لان الطلب التجاري يعكس ثقة المستهلك والمستثمر الصيني في المعدن كملاذ من ضعف العقار وتقلب سوق الاسهم المحلية، بينما مشتريات البنك المركزي تعكس قرارا سياديا بعيد المدى، والاثنان يتحركان في الاتجاه نفسه هذا العام.
لفهم لماذا تستمر بنوك مركزية في شراء الذهب عند اسعار قياسية رغم انه اصل لا يدر فائدة ولا ارباح، لا بد من العودة الى حادثة واحدة غيرت حسابات ادارة الاحتياطيات في كل عاصمة تقريبا: تجميد الدول السبع الكبرى نحو 300 مليار دولار من احتياطيات البنك المركزي الروسي فور حرب اوكرانيا في شباط 2022. تلك الاموال كانت مودعة بشكل قانوني في سندات وودائع غربية، ومع ذلك تحولت بقرار سياسي واحد الى اصل غير قابل للاستخدام. الرسالة التي وصلت الى كل مدير احتياطي في العالم كانت بسيطة: اي اصل ورقي محفوظ خارج حدود الدولة، مهما كانت جودته الائتمانية، معرض لمخاطر سياسية لا علاقة لها بالاقتصاد. الذهب المخزن في قبو داخل حدود الدولة هو الاصل الوحيد الذي لا يحتاج الى ثقة بطرف ثالث ولا يمكن تجميده عن بعد. هذا يفسر لماذا لا يبحث البنك المركزي عن عائد حين يشتري ذهبا، فهو يشتري تامين ضد مخاطر لا يمكن تسعيرها بالطرق التقليدية، والتامين لا يفترض ان يدر ربحا بل ان يحمي راس المال حين تتحقق الكارثة.
موجة اعادة الذهب الاوروبي الى القارة هي الوجه العملي لهذا الدرس. هولندا اعلنت في ايلول انها انهت نقل احتياطياتها من الولايات المتحدة وكندا، وقالت في بيان رسمي ان الهدف تحسين جاهزيتها لمواجهة الازمات في ظل توتر جيوسياسي متصاعد. فرنسا انهت في بداية العام كذلك عملية استمرت اشهر نقلت خلالها 129 طنا من نيويورك الى باريس، مستبدلة سبائك قديمة بمعايير حديثة قابلة للتداول الفوري. المانيا، التي تحتفظ باكبر احتياطي ذهب بعد الولايات المتحدة عند 3352 طنا، لا تزال تخزن 1236 طنا اي 37 بالمئة من احتياطياتها داخل خزائن الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، وسط ضغوط متصاعدة من برلمان وسياسيين في برلين وروما لاعادة ما قيمته نحو 245 مليار دولار الى اوروبا. اسبانيا تواجه النقاش نفسه. وبحسب مسح المجلس العالمي للذهب، انخفضت نسبة البنوك المركزية التي لا تزال تحتفظ باي كمية من الذهب في نيويورك من 17 بالمئة الى 14 بالمئة خلال عام واحد فقط، وهو تراجع سريع نسبيا لعملية كانت تاريخيا بطيئة ومكلفة سياسيا.
مسح المجلس العالمي للذهب لعام 2026، الذي شمل 76 بنكا مركزيا بين شباط وايار، يقدم الدليل الكمي الاوضح على اتجاه التفكير داخل هذه المؤسسات. ٨٩% من المجيبين يتوقعون ان تستمر احتياطيات الذهب العالمية في الارتفاع خلال العام المقبل، و٤٥%، وهي اعلى نسبة مسجلة في تاريخ المسح، يخططون لزيادة احتياطياتهم الخاصة خلال 12 شهر. ٧٤% يتوقعون ان تنخفض حصة الدولار من الاحتياطيات العالمية بشكل معتدل او كبير خلال خمس سنوات. والمعطى الاكثر دلالة هو ان الذهب تجاوز سندات الحكومة الامريكية كأصل الاحتياطي الاول لدى البنوك المركزية، وهو تحول لم يكن متصور قبل عقد واحد حين كانت سندات الخزانة الامريكية الملاذ الافتراضي الاول لاي مدير احتياطي في العالم. متوسط مشتريات البنوك المركزية بلغ نحو الف طن سنويا خلال السنوات الاربع الماضية، مقابل 500 طن فقط كمتوسط العقد الذي سبقها، وهو تسارع لا يفسره تحرك سعري عابر.
السؤال عما اذا كانت البنوك المركزية خائفة من الدولار او تطمح لاستبداله يحتاج الى تمييز دقيق. لا يوجد دليل على خطة منسقة لخلع الدولار عن عرشه، فحصته لا تزال عند نحو 57 الى 58 بالمئة من الاحتياطيات العالمية المعلنة، وتشكل العملات المقومة به نحو 88 الى 89 بالمئة من التداول في اسواق الصرف، ولا توجد اليوم عملة بديلة تملك العمق والسيولة الكافيين لاستيعاب تريليونات الدولارات التي تحركها التجارة والاستثمار العالميان يوميا. ما يحدث اقرب الى تنويع دفاعي بطيء منه الى انقلاب على النظام القائم. حالة السعودية توضح هذا الفارق جيدا. الاتفاق غير الرسمي لعام 1974 الذي التزمت بموجبه المملكة عمليا ببيع نفطها بالدولار لم ينته بمعاهدة موقعة لانه لم يكن معاهدة اصلا، لكن السعودية لم تجدد اي التزام حصري منذ 2024، ووسعت شبكتها المالية عبر اتفاقية مبادلة عملات مع الصين بقيمة 7 مليارات دولار ومشاركة في منصة الدفع الرقمي مبريدج التي تتيح تسويات مباشرة بعملات محلية عبر تقنية البلوك تشين. الباحث الاقدم في مجلس العلاقات الخارجية براد سيتسر لخص المسالة في نيسان بقوله ان العصر الذهبي لنظام البترودولار انتهى، مشيرا الى ان السعودية باتت تصدر سندات دين بالدولار بدلا من شراء سندات الخزانة الامريكية كما كانت تفعل تاريخيا، وان الصين تجاوزت الولايات المتحدة كاكبر مشتر لنفطها. هذا تحول بنيوي في سلوك المملكة، وليس اعلانا رسميا بالانفصال عن الدولار.
اما البريكس، فطموحه المعلن لعملة موحدة مدعومة جزئيا بالذهب، بنسبة اقترحت عند 40 بالمئة ذهبا و60 بالمئة سلة عملات اعضاء قابلة للتحويل الى ذهب، لا يزال في طور النقاش منذ قمة 2024 في كازان دون جدول زمني ملزم او بنية تحتية نقدية موحدة تسمح بتطبيقه. توسع التكتل الى عشر دول جعله يمثل 46 بالمئة من سكان العالم و37 بالمئة من ناتجه الاجمالي، وهو ثقل اقتصادي حقيقي، لكن الخطوات الفعلية المنفذة حتى الان تقتصر على تسويات ثنائية بعملات محلية وبنية دفع رقمية بديلة عن سويفت، وليس على اصدار عملة موحدة. الفارق جوهري: التنسيق بين اقتصادات بهذا التباين، من الصين الى البرازيل الى ايران، على سياسة نقدية موحدة تحد سياسي وتقني ضخم لم تقترب دول البريكس من حله بعد. الاقرب للحقيقة ان البريكس لن يحل محل الدولار بعملة واحدة، بل يساهم في تفكيك احتكاره تدريجيا عبر مسارات متعددة ومتوازية: تجارة ثنائية بعملات محلية، احتياطيات ذهب متنامية، ومنصات دفع بديلة، من دون بديل واحد واضح يرث موقعه.
اما هل تحاول واشنطن دفع العالم للتخلي عن سنداتها بهدف اضعاف قيمة دينها الضخم، فالادلة المتاحة لا تدعم وجود استراتيجية مقصودة بهذا الشكل. الادارة الامريكية عبرت عن رغبتها في دولار اقل قوة لدعم الصادرات وتنافسية الصناعة المحلية، وسياسة التعرفات الجمركية زادت من الاضطراب في التجارة العالمية وشجعت شركاء تجاريين على البحث عن بدائل، لكن هذا مختلف عن خطة متعمدة لتخفيض الطلب على سندات الخزانة. ما تراكم هو نتيجة غير مقصودة لقرارات منفصلة: عقوبات مالية واسعة استخدمت الدولار كسلاح، عجز مالي هيكلي دفع الدين العام الامريكي فوق 100 بالمئة من الناتج المحلي، وتساؤلات متكررة حول استقلالية بنك الاحتياطي الفيدرالي. عملاق الاستثمار الامريكي بلاك روك اشار في تحليل حديث الى ان العلاقة بين الدين الامريكي وسعر الذهب غير خطية، بمعنى ان كل نقطة اضافية من الدين فوق عتبة المئة بالمئة من الناتج المحلي تدفع الذهب للارتفاع بوتيرة اسرع من السابق. هذه ديناميكية خرجت عن سيطرة اي طرف واحد، وليست خطة مصممة مسبقا.
بالنسبة للفرد الذي يتابع هذا الارتفاع ويتساءل ان كان مطمئنا او انذارا بانهيار وشيك، البيانات تميل نحو الطمأنينة الحذرة لا الذعر. فقاعات الذهب التاريخية، مثل ارتفاع 1980 او 2011، قادها شراء مضاربي من مستثمرين افراد وصناديق تداول سريعة الحركة، بينما الموجة الحالية يقودها شراء رسمي هيكلي غير حساس للسعر، يستمر فيه البنك المركزي سواء ارتفع الذهب او هبط لانه يشتري كما اسلفنا تامين لا صفقة.
في المقابل، ملكية الافراد الغربيين للذهب لا تزال منخفضة تاريخيا، اذ تشكل صناديق التداول المتخصصة بالذهب نحو 0.17 بالمئة فقط من الاصول المالية الخاصة الامريكية، وهي نسبة اقل من نصف مستواها قبل عقد، ما يعني ان الرالي الحالي لم يتحول بعد الى فقاعة استهلاك جماهيري بل لا يزال في مراحله المؤسسية. هذا لا ينفي احتمال تصحيح حاد قريب، فغولدمان ساكس نفسها حذرت من ان مسار اكثر تشددا للفائدة الامريكية قد يدفع الذهب الى مستوى قريب من 4070 دولارا للاونصة في الامد القصير، لكن هذا تصحيح داخل اتجاه صاعد وليس انهيارا بنيويا، لان القاع الذي توفره مشتريات البنوك المركزية المستمرة عند نحو 91 طنا شهريا وفق تقدير غولدمان لم يكن موجودا في دورات سابقة، ومنها انهيار 2013 حين فقد الذهب 28 بالمئة من قيمته دون وجود هذا الدعم الرسمي.

الخلاصة العملية لكل من يتابع هذا الملف من زاوية استثمارية: المسار الاساسي، وفق اجماع غولدمان ساكس ويو بي اس وجي بي مورغان، يضع الذهب بين 5000 و6300 دولار للاونصة بنهاية 2027 مقارنة بسعر حالي قرب 4350 دولارا، بدعم رئيسي من استمرار شراء البنوك المركزية لا من المضاربة. اي هبوط نحو نطاق 4000 الى 4100 دولار في الاشهر القادمة، ان حدث بفعل تشدد غير متوقع من الفدرالي، يجب التعامل معه كفرصة تراكم داخل اتجاه صاعد متعدد السنوات لا كاشارة على انعكاس الاتجاه. حصة الدولار في النظام النقدي العالمي ستستمر في التاكل التدريجي، لكن الافق المنظور لا يحمل عملة بديلة واحدة قادرة على وراثة موقعه، بل نظاما متعدد الاقطاب يجمع الدولار واليورو واليوان والذهب معا، مع بقاء الدولار الاكبر لسنوات طويلة قادمة. مؤسسات كبرى مثل بلاك روك وفان اك توصي بتخصيص ما بين 5 و10 بالمئة من المحفظة الاستثمارية للذهب كتحوط هيكلي ضد مخاطر تضخم الدين وليس كصفقة مضاربة قصيرة، وهذا التموضع يبقى الاكثر انسجاما مع ما تظهره البيانات الرسمية والمؤسسية حتى الان.

دكتور طارق عاشور

أستاذ زائر للاقتصاد في جامعة بيرزيت، وباحث اقتصادي في معهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي. متخصص في سياسات المالية العامة والاقتصاد الكلي، وله أبحاث منشورة تركز على تحليل التحديات الهيكلية للاقتصاد الفلسطيني، بما في ذلك السياسات المالية، وأسواق العمل، وأثر الاحتلال على الأداء الاقتصادي والتنمية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى