Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
منشورات وإصداراتمقالات

الضمانات …..الخطر القادم على المحافظ الاستثمارية

في مساء الثلاثين من كانون الثاني الماضي فقد الذهب ٣٨٠ دولار في دقائق معدودة. لم يكن هناك اغلاق لمضيق هرمز، بل خبر عن ترشيح وارش لرئاسة الاحتياطي الفيدرالي. خبر كهذا يحرك السوق نقطة او نقطتين في يوم عادي، فلماذا احدث انهيارا؟ الجواب هو موضوع هذا المقال، وهو ان الخطر الاكبر على المحافظ الاستثمارية اليوم ليس الحرب ولا الفائدة، بل الطريقة التي صارت تربط بها الاسواق الاصول ببعضها من خلف الستار. واذا اردت كقارىء الخلاصة بالارقام قبل التفصيل: الذهب بين ٤١٠٠ و٤٧٠٠ دولار حتى نهاية العام مع احتمال هبوط مفاجئ نحو ٣٩٠٠ يمثل افضل نقطة شراء في هذه الدورة، والدولار قوي حتى منتصف ٢٠٢٧، وبرنت بين ٩٥ و١١٠ دولارا قبل ان ينحدر تدريجيا. والاهم من هذا كله ان الذهب والنفط والاسهم تهبط معا في لحظة الضغط، ولا يرتفع سوى الدولار.
لفهم ما حدث يجب العودة الى الثالث عشر من كانون الثاني. المضارب حينها في العقود الاجلة لا يدفع قيمة العقد كاملة، بل يودع جزءا منها ضمانا ويستدين الباقي فعليا. هذا الجزء هو هامش الضمان. في ذلك اليوم غيرت بورصة شيكاغو التجارية طريقة احتسابه على الذهب والفضة: كان مبلغا مقطوعا بالدولار لا يتغير الا اذا اجتمعت لجنة وقررت تغييره، فصار نسبة مئوية تتحرك مع السعر تلقائيا. الفرق بين الحالتين ليس اجرائيا كما بدا حينها. في النظام القديم كانت هناك وسادة زمنية بين ارتفاع السعر وارتفاع كلفة الاحتفاظ بالمركز، ينام المضارب فيها مطمئنا. في الجديد اختفت الوسادة: كلما صعد السعر ارتفع المبلغ المطلوب منه في اليوم ذاته. بعبارة اخرى صار الصعود نفسه يضيق الرافعة التي تموله. ثم رفعت البورصة النسبة ثلاث مرات في ثلاثة اسابيع، وشددت بورصة شنغهاي والجهة الرقابية الصينية متطلباتها في التوقيت نفسه. اعيدت تسعيرة الاقتراض في اسواق المعادن حول العالم خلال ثلاثة ايام.
وتظهر النتيجة بوضوح في دفتر متعامل حقيقي. من كان يحمل خمسة عقود فضة بقيمة اسمية تقارب ثلاثة ملايين دولار عند سعر ١٢١ دولارا للاونصة وجد نفسه مطالبا بايداع ما بين مئة وخمسين ومئتي الف دولار اضافية قبل فتح السوق صباح الجمعة. من لم يكن المبلغ جاهز في حسابه صفيت مراكزه بالسعر المتاح لا بالسعر العادل. وهكذا هوت الفضة من ١٢١ دولارا الى ٧٤ دولارا في ساعات، في اسوأ يوم للمعادن منذ ١٩٨٠. لم يكن هذا رأيا في الفضة، كان بيعا اضطراريا.
لماذا بيع الذهب ايضا وهو الملاذ المفترض؟ وهنا التفصيل الذي مر دون انتباه. تزامنت تلك الجلسة مع موجة تسييل في العملات المشفرة بلغت ١٫٦٨ مليار دولار وهبطت ببتكوين من ثمانية وثمانين الف دولار الى ما دون خمسة وثمانين الفا. والصناديق الكبرى اليوم لا تفصل حساباتها، بل تضع المشفر والمعادن وعقود المؤشرات في حساب واحد بضمانة واحدة. فحين جاء النداء بسبب خسائر المشفر، بيع الذهب لتغطيتها. بيع لا لانه ضعف، بل لانه كان اسرع ما في المحفظة قابلية للبيع. هذه عدوى لا تمر عبر الاقتصاد ولا عبر التضخم ولا عبر اي علاقة يرصدها نموذج اقتصادي، بل تمر عبر دفتر الوسيط. ولذلك لا يلتقطها احد قبل وقوعها.
والدليل على صحة هذا التشخيص هو ما فعله المشتري الذي لا يستدين في اللحظة ذاتها. تشير بيانات مجلس الذهب العالمي الى ان صندوق GLD استقبل ٢٫٦ مليار دولار خلال كانون الثاني وهو رقم قياسي، وان معظم مناطق العالم سجلت تدفقات داخلة صافية في يومي الثلاثين من كانون الثاني والثاني من شباط تحديدا، اي في ذروة الهبوط. وابلغ تجار السبائك عن تأخر ثلاثة ايام في تلبية الطلبات. السعر كان يهبط والطلب المادي يرتفع في الوقت نفسه. بلغة اخرى، لم يتغير رأي السوق في الذهب، بل تغير من يملكه: خرج المضارب المقترض ودخل المدخر.
ولم تكن الحادثة استثناء يمكن تجاوزه. تكررت في اذار بصورة اوسع، حين خرج من صناديق الذهب المتداولة احد عشر مليار دولار في ثلاثة اسابيع، وهي اسرع وتيرة خروج منذ اكثر من عشر سنوات. لكن النداء هذه المرة لم يأت من المشفر بل من خسائر في الاسهم الاسيوية ومشتقات الطاقة. وجرى العكس ايضا: صناديق باعت اسهم التكنولوجيا الكبرى، وهي اكثر ما تملكه سيولة، لتغطية خسائر في المعادن، فسحبت ناسداك معها الى الاسفل. الذهب هنا لم يكن ملاذا بل صار مصدر سيولة يلجأ اليه المتعامل حين يضيق. وهذا سلوك موثق لا استنتاج: ابحاث بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك ومكتب البحوث المالية تصف الامر نفسه في اذار ٢٠٢٠، حين بيع الذهب مع الاسهم في الاندفاع نحو النقد.
ولماذا يهمنا هذا اليوم اكثر مما كان يهم في كانون الثاني؟ لان الرافعة صارت اكبر والضمانة صارت اضعف. دين الهامش لدى الوسطاء الاميركيين بلغ ١٫٤ تريليون دولار في ايار بحسب FINRA، بارتفاع ٥٤ % عن العام السابق، والفجوة بين ما يملكه المستثمرون وما يدينون به لم تتسع بهذا القدر في تاريخ السلسلة. وفي الوقت ذاته تجاوز عائد سندات الخزانة لعشر سنوات ٥ % لاول مرة منذ ٢٠٠٧، ومعنى ذلك ان السندات التي توضع ضمانة خلف هذه المراكز تفقد من قيمتها هي نفسها. رافعة عند حدها الاقصى فوق ضمانة تتآكل، وهذا ما دفع صندوق النقد الدولي في نيسان الى التحذير من موجات بيع متزامنة تضرب الاسهم والسندات معا.
من هذا كله تأتي الارقام المتوقعة. الذهب اولا. ارجح نطاق ٤١٠٠ الى ٤٧٠٠ دولار حتى نهاية العام، مع ميل الى نصفه الادنى ما دام الفيدرالي يرفع الفائدة. وتقديرات البنوك الكبرى كلها عند السعر الحالي او فوقه: غولدمان ساكس ٤٩٠٠ لنهاية العام، جي بي مورغان ٤٥٠٠ للربع الرابع، اتش اس بي سي متوسط ٤٩٢٥ لعام ٢٠٢٧. لكن هذه الارقام تصف خط الاتجاه ولا تصف الطريق اليه. فاذا وقعت تصفية ضمانات على غرار كانون الثاني، وارجح نافذتها بين كانون الاول وشباط، فقد يصل الهبوط الفوري الى ٣٩٠٠ دولار او دونها بقليل في جلسة او جلستين. وهذه نقطة شراء لا نقطة بيع. عمليا: لا تطارد الذهب فوق ٤٧٠٠، واشتر على دفعات دون ٤٢٠٠، وضاعف الدفعة عند اي هبوط يتجاوز ٨ % في جلسة واحدة، واحرص ان تكون الحيازة مادية او في صندوق غير مقترض. عودة الذهب فوق خمسة الاف دولار ارجحها في النصف الثاني من ٢٠٢٧ بعد ان يتوقف الفيدرالي عن الرفع.
الدولار ثانيا، وهنا يخطئ كثير من المستثمرين في المنطقة. الدولار هو عملة الضمانة ذاتها، ولهذا فهو الاصل الوحيد الذي يرتفع في لحظة نداء الهامش. المؤشر اليوم قرب المئة، وارجح بقاءه بين ٩٥ و١٠٢ حتى منتصف ٢٠٢٧ مع ميل الى الحد الاعلى ما دام فارق الفائدة قائما، ثم يبدأ بالانحسار مع اول تيسير. والتوصية العملية هنا هي الاهم في المقال: السيولة التي تخصصها لشراء الهبوط يجب ان تكون بالدولار، لا بالذهب ولا بالعملة المحلية، لان الدولار هو ما سيرتفع في اليوم الذي تحتاج فيه الى الشراء. وهذا لا يناقض التآكل البطيء لحصة الدولار في احتياطيات العالم، فتلك حركة تقاس بعقود وهذه بأسابيع.
النفط ثالثا. ارجح برنت بين ٩٥ و١١٠ دولارا حتى نهاية العام، ثم ٩٠ الى ١٠٠ في الربع الاول من ٢٠٢٧، ثم ٨٢ الى ٩٢ في النصف الثاني منه. والسبب في هذا الانحدار ليس تحسن الامدادات بل تآكل الطلب، فسعر فوق المئة مع فائدة مرتفعة يبدأ عمله في خنق الاستهلاك خلال ثلاثة الى اربعة ارباع. لكن المخاطر غير متماثلة الى الاعلى: المخزونات العالمية سحب منها نحو مليار برميل ولم يبق قبل قيعان الخزانات سوى مليار اخر، فأي انقطاع جديد ينعكس سعرا فوريا بلا وسادة تمتصه، وفي حال تصعيد يطال ينبع او باب المندب يصبح نطاق ١٣٠ الى ١٥٠ دولارا واقعيا. ويبقى ان النفط ايضا يهبط في لحظة تصفية الضمانات لان عقوده تسكن الحساب نفسه، ولذلك يفضل التعرض للطاقة عبر اسهم شركات منخفضة المديونية لا عبر العقود الاجلة.
بجمع الثلاثة تظهر الصورة كاملة. في يوم الضغط يهبط الذهب والنفط والاسهم وسندات الاسواق الناشئة في الجلسة نفسها، ويرتفع الدولار وحده. ومن بنى محفظته على ان احد هذه الاصول يحمي من الاخر سيكتشف انها كلها في غرفة واحدة. وسندات الاسواق الناشئة تحديدا تدخل الجلسة لان مشتريها في اغلبه ممول بالاقتراض بالين الياباني، ورفع بنك اليابان فائدته الى اعلى مستوى منذ ١٩٩٥ يجعل هذا التمويل اغلى يوما بعد يوم. نداء هامش في نيويورك يصفي مركزا في طوكيو.
وحتى يكون التحليل قابلا للاختبار لا للتصديق فقط، ثلاثة مؤشرات تنقضه اذا ظهرت: تراجع دين الهامش شهرين متتاليين مع استمرار صعود الاسهم، اي ان الرافعة تخف بانتظام؛ او عودة عائد العشر سنوات دون ٤٫٦ %؛ او كسر نسبة الذهب الى الفضة حاجز الستين نزولا. والموعد الجدير بالمتابعة هو اجتماع الفيدرالي في كانون الاول وما يليه من ضيق سيولة نهاية العام، حين تكون دفاتر الوسطاء في اضعف حالاتها.
درس الثلاثين من كانون الثاني ليس عن الذهب. هو ان السؤال في سوق تعاد فيه تسعيرة الرافعة اليا لم يعد ماذا تملك، بل كم من الذي تملكه مقترض، ومن يشاركك ضمانتك.

دكتور طارق عاشور

أستاذ زائر للاقتصاد في جامعة بيرزيت، وباحث اقتصادي في معهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي. متخصص في سياسات المالية العامة والاقتصاد الكلي، وله أبحاث منشورة تركز على تحليل التحديات الهيكلية للاقتصاد الفلسطيني، بما في ذلك السياسات المالية، وأسواق العمل، وأثر الاحتلال على الأداء الاقتصادي والتنمية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى