من إدانة الاستيطان إلى العقوبات: هل بدأت أوروبا مواجهة مشروع الضم الإسرائيلي في الضفة الغربية!!.

بقلم د. راسم بشارات – المدير العام لجمعية جسور لدراسات الهجرة والتماسك الاجتماعي والتعاون الثقافي. دكتوراه في دراسات غرب آسيا، باحث و محلل، مختص في الشأن الفلسطيني واللاتيني. مفوض العلاقات الخارجية لدى منظمة البيدر للدفاع عن حقوق البدو والقرى المستهدفة في فلسطين
المقدمة
لم تعد قضية الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية مجرد ملف للإدانة الأوروبية، بل بدأت في سبتمبر 2026 تتحول، ولو تدريجيا، إلى محاولة للتأثير في البيئة الاقتصادية التي تسمح باستمراره، عبر إجراءات تستهدف منتجات مرتبطة بالمستوطنات. ويكشف ذلك تحولا في السؤال الأوروبي من كيف نرفض الاستيطان؟ إلى كيف نجعل استمراره أكثر كلفة؟.
ففي الثامن من سبتمبر، أعلنت المملكة المتحدة وفرنسا، إلى جانب الدنمارك وإسبانيا وفنلندا وأيرلندا وأيسلندا والنرويج وبولندا والبرتغال والسويد وكندا، إجراءات منسقة تجاه منتجات المستوطنات. وتكتسب الخطوة أهميتها من عجز الدول الـ27 في الاتحاد الأوروبي عن التوصل إلى موقف موحد، ما دفع بعض العواصم إلى التحرك، في ظاهرة قد تشكل نواة لنمط أوروبي جديد في التعامل مع الاستيطان.
ولا تكمن أهمية الإجراءات في حجم التجارة المستهدفة فقط، بل في السابقة السياسية والقانونية التي قد تؤسس لها. فإذا كان الاستيطان، وفق القانون الدولي، غير مشروع في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فإن استمرار النشاط الاقتصادي المرتبط به يطرح سؤالا أساسيا: هل يمكن للشركات والمستثمرين والمصارف التعامل مع المستوطنات كسوق طبيعية، رغم البيئة القانونية التي نشأت فيها؟
من هنا تتجاوز القضية تقييد بعض المنتجات إلى اختبار قدرة أوروبا على إعادة تعريف العلاقة بين الاحتلال والاستيطان والاقتصاد، بحيث تشمل الإجراءات مستقبلا التمويل والاستثمار والخدمات والبنية التحتية والشركات المتورطة في إنشاء المستوطنات أو توسيعها. عندها لن يستهدف الضغط المنتج النهائي فقط، بل شبكة المصالح الاقتصادية التي تجعل التوسع الاستيطاني قابلا للاستمرار.
لكن التساؤل الأهم يأتي بمدى تمثيل هذه الإجراءات لبداية انتقال من إدارة الاستيطان إلى ردعه، وهل ستظل محدودة الأثر؟ فالمعيار الحقيقي ليس لغة البيانات، بل قدرة الإجراءات على إنتاج تكلفة متزايدة. وإذا بقيت تكلفة الاستيطان أقل من المكاسب الجغرافية والاستراتيجية التي تحققها الحكومة الإسرائيلية، فلن تكون الإجراءات الحالية كافية لتغيير مساره.
وعليه، فإن خطوات سبتمبر 2026 تمثل اختبارا لمصداقية السياسة الأوروبية والغربية: هل تستطيع تحويل موقفها القانوني الرافض للاستيطان إلى منظومة اقتصادية وقانونية تجعل التوسع أكثر كلفة؟ الإجابة ستحدد ما إذا كانت الخطوة مجرد إجراء رمزي أم بداية انتقال فعلي نحو ردع الاستيطان ووقف توسعه.
من معاقبة المستوطن إلى استهداف منظومة الاستيطان
ركز المسار الأوروبي حتى وقت قريب على معاقبة الأفراد والجماعات المتورطة مباشرة في العنف الاستيطاني. ففي مايو 2026، فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على أربع جهات وثلاثة أفراد مرتبطين بحركة الاستيطان، من بينهم حركة Nachala ومديرتها دانييلا فايس، ومنظمات Regavim وHashomer Yosh وAmana، وشملت العقوبات تجميد الأصول وحظر توفير الموارد الاقتصادية وحظر السفر على الأفراد.
ورغم أهمية هذه الخطوة، فإنها ظلت تستهدف فاعلين محددين، ولم تستهدف البنية الاقتصادية والمؤسساتية التي تجعل الاستيطان قابلا للاستمرار والتوسع. أما استهداف المنتجات المرتبطة بالمستوطنات فيمثل انتقالا إلى مستوى آخر، يتمثل في الضغط على العائد الاقتصادي الذي يحول السيطرة على الأرض إلى قيمة تجارية.
فالمشكلة لا تتعلق فقط بمن يرتكب العنف، بل بالمنظومة التي توفر للاستيطان التمويل والاستثمار والخدمات والبنية التحتية والأسواق. وعند تفكيكه اقتصاديا وميدانيا، يظهر الاستيطان كمنظومة متكاملة تتداخل فيها السيطرة على الأرض مع الطرق والبنية التحتية والمصارف والشركات والمقاولين والزراعة والصناعة والخدمات، إلى جانب الحماية السياسية والقانونية والإدارية.
ومن هذه الزاوية، يختلف استهداف المنتجات والخدمات عن العقوبات الفردية. فالعقوبة الفردية قد تعزل فاعلا أو تجمد أمواله، لكنها لا تعطل بالضرورة النشاط الذي يمارسه. أما رفع الكلفة الاقتصادية للمشروع الاستيطاني فيستهدف سلسلة القيمة التي تربط الأرض بالإنتاج والاستثمار والتسويق والأرباح، ويجعل تحويل السيطرة على الأرض إلى نشاط اقتصادي طبيعي ومربح أكثر صعوبة.
وهنا يظهر الفارق بين معاقبة السلوك الاستيطاني وتقييد البنية الاستيطانية. ففي الحالة الأولى، يجري التعامل مع نتائج المشروع، مثل العنف والاعتداءات؛ أما الثانية فتقترب من مصادر قوته: التمويل والتجارة والاستثمار والخدمات وسلاسل التوريد. لذلك ينبغي قياس فعالية السياسة الأوروبية بقدرتها على تغيير معادلة الكلفة والعائد، لا بعدد الأفراد والمنظمات المدرجة على قوائم العقوبات.
وعليه، قد تكون العقوبة الأكثر تأثيرا ليست تلك التي تستهدف المستوطن الأكثر تطرفا، بل التي تجعل تمويل المشروع الاستيطاني وتشغيله والاستثمار فيه وتسويق منتجاته وتحقيق الأرباح منه أكثر كلفة ومخاطرة. وإذا انتقلت أوروبا من استهداف الفاعلين إلى الشبكات التي تمكنهم، فإنها ستكون قد انتقلت من رد الفعل على الانتهاكات إلى سياسة بنيوية تستهدف قدرة الاستيطان على إعادة إنتاج نفسه اقتصاديا ومؤسساتيا.
لماذا أصبح مشروع E1 نقطة التحول؟
إذا كان هناك حدث يفسر التحول النسبي في الموقف الأوروبي تجاه الاستيطان خلال صيف 2026، فإن مشروع E1 يبرز باعتباره نقطة الارتكاز الأهم. فالقضية لم تعد مجرد إضافة وحدات استيطانية، بل باتت مرتبطة بسؤال جوهري يرتبط بالحفاظ على الجغرافيا الضرورية لقيام دولة فلسطينية متواصلة، أو خلق وقائع تجعل حل الدولتين أكثر صعوبة؟
ففي 23 أغسطس 2026، حذر الاتحاد الأوروبي من أن طرح مناقصة لبناء أكثر من 1200 وحدة في إطار E1 يضر بصورة جوهرية بإمكانية تطبيق حل الدولتين، مشيرا إلى احتمال تقسيم الضفة الغربية وعزل القدس الشرقية. كما أكد عدم قانونية المستوطنات، وطالب بسحب المناقصة ووقف المشروع ومشاريع التوسع الأخرى.
ولا تكمن أهمية E1 في عدد الوحدات، بل في موقعه الاستراتيجي بين القدس ومستوطنة معاليه أدوميم. فأي توسع واسع في المنطقة يمكن أن يقيد التواصل الجغرافي بين أجزاء الضفة ويعمق الفصل بين القدس الشرقية والضفة الغربية، محولا مشروعا عمرانيا إلى أداة لإعادة تشكيل الواقع الجغرافي والسياسي.
وهنا تكمن الدلالة الأوسع: متى يتحول الاستيطان من توسع يمكن التراجع عنه إلى واقع مادي يصعب تفكيكه؟ فكل طريق أو بنية تحتية أو كتلة عمرانية جديدة تصبح جزءا من واقع يصعب تغييره لاحقا، بما يقيد خيارات أي تسوية سياسية مستقبلية.
لذلك باتت بعض العواصم الأوروبية تتعامل مع E1 باعتباره اختبارا لمستقبل حل الدولتين. ووصف فرنسا للمشروع بأنه “خط أحمر” يعكس هذا التحول، خصوصا مع ربطها بين التوسع الاستيطاني وعنف المستوطنين والمشاريع الاستراتيجية الهادفة إلى تثبيت الوقائع على الأرض. وبذلك لم يعد الاستيطان والعنف ملفين منفصلين، بل مكونين لمسار واحد لتغيير الواقع الميداني.
إسرائيل أمام معادلة جديدة
تضع الإجراءات الأوروبية المتزايدة إسرائيل أمام معادلة مختلفة؛ فالمسألة لم تعد بيانات إدانة أو عقوبات محدودة على أفراد ومنظمات، بل بدأت تقترب من النشاط الاقتصادي المرتبط بالمستوطنات وقدرته على الاندماج في الأسواق الأوروبية. لذلك يُرجح أن يكون الرد الإسرائيلي متعدد المستويات، سياسيا ودبلوماسيا واقتصاديا وميدانيا.
أولا: المستوى السياسي والدبلوماسي: من المتوقع أن تصف إسرائيل الإجراءات بأنها تدخل خارجي و«تمييز» أو «مقاطعة»، وربما تربطها بخطاب «معاداة السامية»، بهدف نقل النقاش من شرعية الاستيطان إلى ما تعتبره استهدافا سياسيا لها. كما ستضغط على الدول الأوروبية المعنية لمنع تحول الإجراءات الوطنية إلى سياسة أوروبية جماعية.
وقد ظهرت مؤشرات على ذلك في الرد الإسرائيلي على الإجراءات البريطانية، بما في ذلك خطوات دبلوماسية مرتبطة بالقنصلية البريطانية في القدس الشرقية وشخصيات بريطانية. ويشير ذلك إلى أن تل أبيب تتعامل مع العقوبات باعتبارها جزءا من صراع سياسي أوسع، وليس مجرد إجراء تجاري.
ثانيا: المستوى الاقتصادي والتجاري: تستطيع إسرائيل التلويح بإجراءات مضادة أو الضغط على الشركات والحكومات الأوروبية، والتحذير من أن القيود على منتجات المستوطنات قد تتوسع مستقبلا إلى قطاعات أوسع من الاقتصاد الإسرائيلي. لكن هذه الحجة تواجه مشكلة، لأن الدول الأوروبية تستطيع التأكيد أنها لا تستهدف الاقتصاد الإسرائيلي ككل، بل النشاط الاستيطاني في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما يتيح لها أساسا سياسيا وقانونيا أقوى.
ثالثا: المستوى الميداني: قد تكون الاستجابة الإسرائيلية للضغط الأوروبي هي تسريع المشاريع الاستيطانية بدلا من تجميدها، بهدف تثبيت أكبر قدر ممكن من الوقائع قبل تحول الإجراءات الحالية إلى سياسة غربية أوسع.
وبهذه القراءة، قد تتعامل الحكومة الإسرائيلية مع المرحلة المقبلة باعتبارها سباقاً مع الزمن: فإذا كان الهدف الأوروبي منع تحول الضم التدريجي إلى واقع دائم، فقد تسعى إسرائيل إلى تسريع تغيير الخريطة قبل تشكل جبهة دولية أكثر قوة. وكلما زادت الأبنية والطرق والبنية التحتية وترابطت الكتل الاستيطانية، أصبح التراجع عنها أكثر تعقيدا.
وهنا تظهر مفارقة استراتيجية: قد تؤدي زيادة الضغط الأوروبي إلى تسريع المشروع الاستيطاني إذا رأت إسرائيل أن الضغوط مرشحة للتصاعد. فبدلا من التراجع، قد تسعى إلى إنجاز أكبر قدر من المشاريع قبل ارتفاع كلفتها السياسية والاقتصادية.
لذلك لن يكون الصراع المقبل حول العقوبات وحدها، بل حول إيقاع التحرك. فإذا سبقت الضغوط الأوروبية التوسع الاستيطاني، يمكن أن تبدأ في تغيير حسابات المشروع؛ أما إذا سبق الاستيطان الإجراءات الدولية، فقد تجد أوروبا نفسها تتعامل مع واقع جغرافي أكثر رسوخا وأصعب عكسا.
وهنا تكمن خطورة المرحلة: أوروبا تحاول استخدام الضغط لمنع تغيير الخريطة، بينما قد تحاول إسرائيل استخدام سرعة تغيير الخريطة لتقليص فعالية الضغط قبل أن يتحول إلى سياسة دولية أكثر قوة واتساقا.
التجمعات البدوية في قلب المعركة
إذا انتقلت الضفة الغربية من التوسع الاستيطاني التدريجي إلى إعادة تشكيل جغرافي واسعة، فإن التجمعات البدوية والرعوية ستكون في قلب هذه العملية، باعتبارها من أكثر الفئات تعرضا للضغط والإخلاء. فوجود كثير منها في مواقع استراتيجية، خصوصا حول القدس والأغوار وجنوب الخليل، يجعلها مرتبطة مباشرة بمشاريع الاستيطان والطرق والبنية التحتية التي توسع نطاق السيطرة على الأرض.
لذلك لا يمكن قراءة الهدم والمصادرة وتقييد الحركة والرعي بمعزل عن توسع البؤر الاستيطانية وشق الطرق. كما أن هدم المنازل والمنشآت، ومصادرة الممتلكات، وإغلاق الطرق، وإعلان مناطق عسكرية، وتقييد الوصول إلى المراعي، إلى جانب تعطيل مشاريع المياه والكهرباء والمدارس، تعمل مجتمعة على جعل استمرار الحياة في هذه التجمعات أكثر صعوبة وكلفة.
وهنا يبرز السؤال الأهم: هل تؤدي هذه الإجراءات المتراكمة إلى دفع السكان تدريجيا إلى الرحيل دون الحاجة إلى إعلان إخلاء مباشر؟. إذ أنه عندما يصبح المنزل مهددا، والطريق مغلقا، والرعي مقيدا، والخدمات الأساسية غير متوفرة، ويترافق ذلك مع الاعتداءات والمصادرة، فإن النتيجة تكون تفريغ التجمعات من سكانها تدريجيا.
وتكتسب هذه القراءة أهمية في ضوء الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية عام 2024، الذي تناول آثار الإخلاءات القسرية وهدم المنازل والقيود على الإقامة والحركة، وأشار إلى قدرة هذه الظروف على دفع الفلسطينيين، ولا سيما في المنطقة «ج»، إلى مغادرة أماكن إقامتهم. ومن ثم، فإن دراسة تراكم الإجراءات تصبح ضرورية لفهم أثرها الديموغرافي والجغرافي.
والأخطر أن إخلاء تجمع واحد لا يعني فقدان منازل فقط، إذ قد يكون موقعه مهما للحفاظ على التواصل بين مناطق فلسطينية متجاورة. وعندما يتزامن اختفاء التجمعات مع إنشاء الطرق وتوسيع المستوطنات والبؤر الاستيطانية، تتحول القضية من أزمة سكن إلى إعادة تنظيم للفضاء الجغرافي.
من هذه الزاوية، لا ينبغي التعامل مع حماية التجمعات البدوية والرعوية كقضية إنسانية منفصلة عن الصراع على الأرض؛ فهي ترتبط مباشرة بمن سيبقى على الأرض وأين، وكيف ستتصل المناطق الفلسطينية مستقبلا. وإذا كان مشروع E1 يعيد تشكيل منطقة استراتيجية حول القدس، فإن الضغط على التجمعات البدوية في مناطق أخرى قد يشكل مسارا موازيا لإعادة تشكيل البيئة الجغرافية والديموغرافية للضفة.
وبالتالي، فإن المعركة ليست فقط على المنازل والمياه والمراعي، بل على الخريطة نفسها. ومع تزايد ارتباط الاستيطان بالطرق والبنية التحتية والسيطرة على الأرض، تصبح حماية السكان في هذه المواقع جزءا من حماية إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيا. والسؤال لم يعد فقط: كم تجمعا تم هدمه أو تم تهجيره؟ بل: كيف تتغير الخريطة الفلسطينية عندما تدفع الضغوط المتراكمة سكان التجمعات الاستراتيجية إلى الرحيل؟
ماذا سيحدث إذا استمرت أوروبا في التصعيد؟
إذا واصلت الدول الأوروبية الانتقال من إدانة الاستيطان إلى إجراءات اقتصادية تستهدف بنيته ومصالحه، فإن المرحلة المقبلة ستتحدد بمدى استعداد أوروبا لتوسيع الضغط وبطبيعة الرد الإسرائيلي. ويمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية:
السيناريو الأول: الاحتواء
تواصل أوروبا فرض قيود محدودة على منتجات المستوطنات والجهات المرتبطة بها، بينما ترد إسرائيل سياسيا ودبلوماسيا، وينجح الطرفان في إبقاء التصعيد ضمن ملف الاستيطان دون المساس بالعلاقات الاقتصادية الأوسع.
ويعد هذا السيناريو الأقل كلفة للطرفين؛ إذ تستطيع أوروبا تقديم الإجراءات باعتبارها ردا على الاستيطان، بينما تتجنب إسرائيل تحولها إلى سياسة شاملة. لكن المشكلة أن الاحتواء قد يكون مؤقتا؛ فإذا استمر البناء الاستيطاني ومشاريع مثل E1، فقد يصبح مجرد تأجيل لمواجهة أكبر.
السيناريو الثاني: التصعيد التدريجي
يبدو هذا المسار الأكثر احتمالا إذا استمر التوسع الاستيطاني مع تصاعد الضغط السياسي داخل أوروبا. ولن تنتقل الدول الأوروبية إلى مواجهة شاملة دفعة واحدة، بل قد تبدأ بالمنتجات ثم تتوسع إلى الشركات والمصارف وشركات التأمين وصناديق الاستثمار والمقاولين وشركات البنية التحتية والخدمات المرتبطة بالمستوطنات.
وبذلك ينتقل السؤال من قبول منتجات المستوطنات في السوق الأوروبية إلى تحديد الشبكة الاقتصادية التي تمول وتنفذ هذه المشاريع. فإذا أصبح تمويل المشروع وتأمينه والاستثمار فيه وتنفيذه أكثر مخاطرة، فإن الضغط سيصل إلى مراحل التخطيط والتمويل والتنفيذ، وليس التسويق فقط.
وقد تشكل الإجراءات البريطانية ضد شركات مرتبطة بتوسعة المستوطنات، ومنها مشاريع مثل E1، نموذجا يمكن أن تتبناه دول أخرى. وعندها لن تكون العقوبة إجراء منفردا، بل تراكماً للكلفة والمخاطر القانونية والمالية والسمعة، بما قد يدفع القطاع الخاص إلى إعادة تقييم مشاركته في المشاريع الاستيطانية.
السيناريو الثالث: أزمة استراتيجية بين إسرائيل والغرب
يصبح هذا السيناريو أكثر خطورة إذا تزامن استمرار إسرائيل في تنفيذ E1 وتوسيع الاستيطان والضم الفعلي مع انتقال أوروبا إلى عقوبات غربية أوسع وأكثر تنسيقا.
عندها قد يتجاوز الخلاف ملف الاستيطان إلى مستقبل العلاقة السياسية والاقتصادية بين إسرائيل والغرب. فإذا اقتنعت الدول الأوروبية بأن إسرائيل تعمل بصورة منهجية على تغيير الواقع الذي يفترض أن يقوم عليه حل الدولتين، فقد تتزايد الدعوات إلى تعليق أجزاء من اتفاقية الشراكة، وتشديد القيود على الشركات والمؤسسات المالية، وربما توسيع العقوبات لتشمل مسؤولين مرتبطين بسياسات الاستيطان والضم.
وهنا يصبح العامل الحاسم هو قدرة الطرفين على تحمل كلفة التصعيد. فأوروبا ستواجه تحدي الحفاظ على وحدة موقفها، بينما ستواجه إسرائيل خيارا بين الاستمرار في التوسع الاستيطاني وتحمل تدهور تدريجي في علاقاتها مع شريك اقتصادي وسياسي رئيسي.
وبذلك قد تتطور الأزمة من خلاف حول E1 أو منتجات المستوطنات إلى اختبار استراتيجي للعلاقة الأوروبية ـ الإسرائيلية. فإذا جرى احتواء التصعيد، سيبقى الخلاف محدودا، وإذا استمر تدريجيا، ستتراكم كلفة الاستيطان؛ أما إذا تزامن الضغط الغربي مع تسارع الاستيطان والضم، فقد تصبح الشراكة نفسها جزءا من المعركة.
ما المطلوب فعليا لوقف الممارسات الإسرائيلية؟
إذا كانت الدول الغربية، ولا سيما الأوروبية، تريد فعلا الحفاظ على حل الدولتين، فإن البيانات والإدانات لم تعد كافية. المشكلة لم تعد في غياب الموقف السياسي أو القانوني من الاستيطان، بل في غياب القدرة على تحويله إلى كلفة سياسية واقتصادية وقانونية تجعل مواصلة تغيير الوقائع على الأرض أكثر كلفة من التراجع عنها.
المطلوب ليس إجراء منفردا، وإنما منظومة ردع دولية متدرجة تربط بين وقف الاستيطان، وتجفيف مصادر تمويله، ومساءلة الجهات المشاركة فيه، وحماية الفلسطينيين، وربط العلاقات مع إسرائيل بمدى احترام القانون الدولي.
أولا: وقف فوري وقابل للتحقق للتوسع الاستيطاني
يجب أن يشمل الوقف جميع المشاريع الجديدة، بما فيها E1، وإنشاء البؤر وتحويلها إلى مستوطنات رسمية، مع اعتماد معيار واضح يقوم على وقف الأعمال التي تغير الجغرافيا فعليا؛ شق الطرق، وتسوية الأراضي، ومد البنية التحتية، وبناء الوحدات السكنية وربط المستوطنات بشبكات النقل والخدمات. وبذلك تنتقل الرقابة الدولية من متابعة ما تعلنه إسرائيل إلى مراقبة ما تنفذه فعليا على الأرض.
ثانيا: استهداف التمويل
لا يمكن لمشروع استيطاني منظم أن يستمر من دون رأس مال. لذلك ينبغي ألا يقتصر الضغط على المستوطنين أو المنتجات، بل أن يمتد إلى المؤسسات التي تمول المشاريع، وتقدم القروض والتأمين والخدمات المصرفية والاستثمارية، أو تستثمر في شركات البناء والتطوير.
فالاستيطان لا يبدأ من بناء المنزل، بل من رأس المال الذي يجعل بناءه ممكنا. ولذلك قد يكون استهداف التدفقات المالية أكثر تأثيرا من معاقبة الأفراد بعد وقوع الانتهاكات.
ثالثا: جعل مشاركة الشركات مكلفة
ينبغي أن تكون المشاركة الأوروبية المباشرة أو غير المباشرة في بناء أو تمويل أو تطوير المستوطنات ذات تبعات مالية وقانونية وتجارية، من خلال الغرامات أو القيود المالية أو الحرمان من بعض التعاقدات الحكومية، وفق الأطر القانونية المعمول بها.
ويجب أن يشمل الضغط سلسلة القيمة الاستيطانية بأكملها: شركات البناء، والمقاولين، والمصارف، وشركات التأمين، والمستثمرين ومقدمي خدمات البنية التحتية. وهذا من شأنه رفع تكلفة مشاريع استراتيجية مثل E1، عبر زيادة المخاطر القانونية والمالية على الجهات المشاركة فيها.
رابعا: حماية الفلسطينيين على الأرض
لا يمكن وقف الاستيطان مع ترك الفلسطينيين في المناطق المستهدفة يواجهون عنف المستوطنين والتهجير التدريجي دون حماية فعالة. إذ أن المطلوب تعزيز المراقبة والتوثيق والمساءلة، واتخاذ إجراءات سريعة ضد مرتكبي العنف، وحماية التجمعات المهددة، خصوصا البدوية والقروية، إلى جانب المدارس والطرق والمرافق الصحية ومصادر المياه.
لذا فإن الضغط على هذه العناصر قد يتحول عمليا إلى وسيلة للتهجير حتى من دون قرار رسمي. ولذلك يجب التعامل مع الانتهاكات المتراكمة باعتبارها جزءا من عملية أوسع لتغيير الخريطة السكانية والجغرافية.
خامسا: ربط العلاقات الأوروبية ـ الإسرائيلية بالقانون الدولي
ينبغي ألا تبقى العلاقات التجارية والسياسية مع إسرائيل منفصلة عن الالتزامات الأوروبية تجاه حقوق الإنسان والقانون الدولي. المطلوب ليس بالضرورة القطيعة، بل بناء آلية تدريجية تربط بعض الامتيازات والتعاون بمؤشرات قابلة للقياس، بحيث تصبح مواصلة الاستيطان أو خطوات الضم الفعلي ذات تبعات على طبيعة العلاقة الأوروبية ـ الإسرائيلية.
سادسا: تحويل الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية إلى سياسة
وفر الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية عام 2024 أساسا قانونيا مهما بشأن الاحتلال والاستيطان. لكن قيمته الحقيقية تتوقف على تحويله من مرجعية في البيانات السياسية إلى سياسات عملية في التجارة والاستثمار والتمويل والتعاون الاقتصادي، بما يمنع المساهمة المباشرة أو غير المباشرة في تكريس واقع مخالف للقانون الدولي، الذي يفقد جزءا من قوته الردعية إذا بقي حاضرا في الخطاب وغائبا عن القرارات الاقتصادية والمالية.
سابعا: دور القيادة الفلسطينية في تحويل الاستيطان إلى قضية دولية
لا يمكن قراءة التحول في بعض المواقف الأوروبية تجاه الاستيطان بمعزل عن الجهد السياسي والدبلوماسي الفلسطيني الذي تقوده القيادة الفلسطينية وعلى رأسها فخامة الرئيس محمود عباس. فالمواجهة مع الاستيطان لم تعد تقتصر على توثيق الانتهاكات أو إصدار المواقف السياسية، وإنما أصبحت معركة دبلوماسية وقانونية تهدف إلى إبقاء قضية الأرض والاستيطان والضم في صدارة أجندة المجتمع الدولي.
وقد حرص الرئيس محمود عباس خلال السنوات والأشهر الأخيرة على نقل ملف الاستيطان والعنف الاستيطاني إلى مستويات دولية متعددة، من خلال مخاطبة الدول والحكومات والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، والمطالبة باتخاذ إجراءات عملية لوقف التوسع الاستيطاني ومساءلة مرتكبي عنف المستوطنين، والتأكيد على أن ما يجري في الضفة الغربية ليس سلسلة من الحوادث المنفصلة، وإنما مسار متكامل يهدد إمكانية قيام الدولة الفلسطينية ويقوض حل الدولتين. ففي يوليو 2026، دعا الرئيس عباس في رسائل إلى عدد من القادة والاتحاد الأوروبي إلى تحرك دولي عاجل ضد عنف المستوطنين والاستيطان، وربط بين هذه الممارسات وبين محاولات خلق وقائع جديدة على الأرض وتقويض حل الدولتين.
وتبرز أهمية هذا التحرك بصورة خاصة في ملف E1؛ إذ رحب الرئيس عباس في أغسطس 2026 بالموقف المشترك الذي أصدرته سبع دول، بينها المملكة المتحدة وفرنسا وإسبانيا وإيطاليا وهولندا وكندا والنرويج، الرافض للمضي في مشروع E1، مؤكدا أن تنفيذ المشروع سيؤدي إلى فصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها وعزل القدس الشرقية عن محيطها الفلسطيني.
وهنا تظهر نقطة سياسية مهمة: التحول الأوروبي لا يحدث في فراغ. فكلما نجحت القيادة الفلسطينية في تقديم الاستيطان باعتباره قضية تتعلق مباشرة بمستقبل الدولة الفلسطينية، وبالقانون الدولي، وبالأمن والاستقرار الإقليمي، أصبح من الصعب على الدول الأوروبية التعامل معه باعتباره مجرد خلاف ثنائي بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
وقد ساعد هذا الخطاب، عندما يتقاطع مع القانون الدولي والمواقف الأوروبية السابقة، على خلق أرضية سياسية مشتركة مع عدد متزايد من الدول الأوروبية. فالموقف الأوروبي من E1، على سبيل المثال، لم يعد يقتصر على وصف المشروع بأنه غير قانوني، وإنما بات يربطه بصورة مباشرة بإمكانية تقسيم الضفة الغربية وإضعاف قابلية قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيا. وقد أكدت مؤسسات الاتحاد الأوروبي في أغسطس أن تنفيذ المشروع سيقسم الضفة الغربية ويعزل القدس الشرقية ويقوض قابلية حل الدولتين للحياة.
لكن أهمية الدور الفلسطيني لا ينبغي أن تقاس فقط بعدد البيانات أو المواقف الدولية التي يتم الحصول عليها، بل بمدى القدرة على تحويل هذا الدعم السياسي إلى التزامات أوروبية قابلة للقياس والتنفيذ. فالمطلوب من القيادة الفلسطينية في المرحلة المقبلة هو مواصلة البناء على هذا النهج، والانتقال من المطالبة بإدانة الاستيطان إلى مطالبة الدول التي تؤيد حل الدولتين باتخاذ خطوات محددة: وقف التعامل مع منتجات المستوطنات، منع الشركات من المشاركة في مشاريعها، استهداف مصادر التمويل، حماية التجمعات الفلسطينية المهددة بالتهجير، وربط التعاون والعلاقات الاقتصادية والسياسية بمدى احترام القانون الدولي.
وبذلك تصبح الدبلوماسية الفلسطينية جزءا من منظومة الردع، لا مجرد أداة للاحتجاج. فالهدف النهائي ليس جمع بيانات تأييد جديدة، وإنما توسيع الفجوة بين الموقف الدولي من الاستيطان وبين قدرة إسرائيل على الاستمرار فيه دون تكلفة.
ومن هذه الزاوية، فإن الدور الفلسطيني، وعلى رأسه دور الرئيس محمود عباس، يكتسب أهمية مضاعفة في المرحلة الراهنة: فهو يتمثل أولا، في الحفاظ على المرجعية القانونية والسياسية للقضية الفلسطينية، وثانيا، في توفير الغطاء السياسي للدول الأوروبية التي ترغب في الانتقال من الإدانة إلى اتخاذ إجراءات عملية. وكلما نجحت القيادة الفلسطينية في توحيد الخطاب القانوني والدبلوماسي، وتقديم أدلة موثقة على أثر الاستيطان في تغيير الجغرافيا وتهجير السكان، أصبح بإمكانها دفع المواقف الأوروبية من مستوى “القلق من الاستيطان” إلى مستوى “تحمل مسؤولية منعه”.
ثامنا: الاعتراف بالدولة الفلسطينية ليس نهاية المسار
يمثل الاعتراف بالدولة الفلسطينية خطوة سياسية مهمة، لكنه لا يكفي إذا استمرت إسرائيل في تفكيك الأراضي الفلسطينية بالمستوطنات والطرق والبؤر. إذ أن الخطر هو أن يتوسع الاعتراف الدولي بفلسطين بينما تتراجع إمكانية قيام دولة ذات إقليم متصل وقابل للحياة. لذلك يجب أن يقترن الاعتراف بالتزام سياسي بحماية الأرض والحفاظ على تواصلها الجغرافي ومنع الإجراءات التي تجعل حل الدولتين مستحيلا عمليا.
عندها يصبح الحفاظ على حل الدولتين أكثر من شعار دبلوماسي: يصبح مشروعا لحماية الأرض، وردع تغييرها بالقوة، وضمان الإقليم الذي يفترض أن تقوم عليه الدولة الفلسطينية.
الخلاصة
تكشف التطورات المتراكمة أن المشكلة لم تعد في غياب المواقف الأوروبية والغربية الرافضة للاستيطان والتهجير، بل في الفجوة بين الإدانة وأدوات التأثير. فقد أثبتت التجربة أن البيانات، مهما كانت حادة، لا تكفي ما لم تترتب عليها تكلفة ملموسة على الجهة التي تواصل تغيير الوقائع على الأرض. لذلك، تبدو الحاجة ملحة للانتقال من سياسة رد الفعل إلى الردع المشروط وربط السلوك بالكلفة.
وتقوم هذه المقاربة على معادلة واضحة وقابلة للقياس: كلما توسع الاستيطان ترتفع التكلفة، وكلما تصاعد التهجير تفرض إجراءات مباشرة، وكلما تدفق التمويل إلى المستوطنات تخضع لقيود مالية، وكلما شاركت شركة أو مؤسسة في مشاريع استيطانية تصبح معرضة للمساءلة. أما تنفيذ مشاريع استراتيجية مثل E1، بما قد يترتب عليه من تقويض للتواصل الجغرافي في الضفة الغربية، فيجب أن يؤدي إلى الانتقال الفوري لمستوى أعلى من الإجراءات، لا إلى بيان تحذيري جديد.
ولا يعني الردع سياسة عقابية مفتوحة، بل نظاما متدرجا من الحوافز والعقوبات. فوقف التوسع الاستيطاني والتهجير وعنف المستوطنين والالتزام بالقانون الدولي ينبغي أن يقابله تخفيف تدريجي للإجراءات. وبذلك تصبح العقوبات وسيلة لتغيير السلوك، لا غاية بحد ذاتها، ويصبح السؤال الأساسي: هل أصبحت كلفة الاستيطان على صانع القرار الإسرائيلي أعلى من مكاسبه السياسية والجغرافية؟
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في حالة E1، لأن المشروع لا يتعلق بمجرد إضافة وحدات استيطانية، بل بإمكانية تكريس واقع جغرافي يصعّب تقسيم الضفة الغربية، ويقيد التواصل الفلسطيني، ويقرب الضم الفعلي من التحول إلى واقع دائم. لذلك فإن التعامل معه كملف استيطاني عادي قد يقلل من طبيعته الاستراتيجية؛ فهو اختبار لقدرة أوروبا والغرب على منع تحول الوقائع التي يفرضها الاستيطان إلى حدود سياسية دائمة.
ومن هنا، فإن الحفاظ على حل الدولتين يتطلب تغييرا في طبيعة السياسة الغربية: ليس كافيا القول «نحن نعارض الاستيطان»، بل يجب أن تتحول المواقف إلى سياسة تنفيذية مفادها: لن نمول الاستيطان، ولن نسمح بمشاركة شركاتنا ومؤسساتنا في ترسيخه، ولن نعترف بالنتائج التي يفرضها بالقوة، وسنرفع الكلفة كلما استمر التوسع أو التهجير أو العنف.
والاختبار الحقيقي للمصداقية الأوروبية والغربية لن يكون في عدد البيانات أو شدة اللهجة، بل في القدرة على تحويل المواقف السياسية والقانونية إلى أدوات اقتصادية وقانونية قابلة للتنفيذ والقياس. فإذا ظل الاستيطان أقل كلفة من مكاسبه السياسية والجغرافية، ستبقى الإدانة محدودة التأثير. أما إذا أصبحت كل خطوة على الأرض تقابلها تكلفة محددة ومتزايدة، فقد تنتقل السياسة الغربية من إدارة أزمة متفاقمة إلى ردع فعلي يحمي إمكانية قيام الدولة الفلسطينية قبل أن يصبح إنقاذ حل الدولتين أكثر كلفة من إنقاذه اليوم.




