Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
منشورات وإصداراتمقالات

هل أصبح خفض الفائدة بعيد المنال ….

صباح غد يصعد وارش منصة جاكسون هول لالقاء اول خطاب رئيسي له منذ تولى رئاسة الفيدرالي. وجاكسون هول ليست مؤتمرا عاديا: انها الندوة السنوية التي يستضيفها فرع كانساس سيتي للفيدرالي في جبال وايومنغ منذ 1978، ويجتمع فيها محافظو البنوك المركزية الكبرى، وتحولت عبر العقود الى المنصة التي يعلن منها رؤساء الفيدرالي تحولات السياسة النقدية الكبرى قبل ان تصدر في بيان رسمي. قبل عامين بالضبط، في اب 2024، وقف جيروم باول على المنصة نفسها واعلن جملته التي حفظتها الاسواق: حان وقت تعديل السياسة. هللت وول ستريت يومها، وخفض الفيدرالي نقطة كاملة خلال اربعة اشهر. والنتيجة كانت معاكسة تماما لما وعد به الخطاب: عائد سندات العشر سنوات صعد نقطة كاملة، وفوائد الرهون العقارية ارتفعت في عز التيسير النقدي، فخفض البنك المركزي بيد ورفع سوق السندات باليد الاخرى. تلك السابقة، لا كثرة التصريحات، هي ما يفسر تجمد الفائدة عند 3.50-3.75% طوال 2026، وانشقاق ثلاثة اعضاء في اللجنة مطالبين بالرفع لا بالخفض، وسبب وقوف وارش غدا بنقيض جملة سلفه. الخلاصة الواضحة؛ لا خفض قبل النصف الاول من 2027، دولار قوي حتى نهاية العام، وعائد المرحلة يقبع في الطرف القصير الاجل من المنحنى.
صباح الاربعاء وبعد صدور مؤشر الانفاق الاستهلاكي الاساسي PCE عند 3.3%، حصلت مفارقة في الاسواق التي كانت تحتفل قبل اسبوعين بهبوط التضخم الاساسي الى 2.5% لمؤشر CPI والذي لا يستهدفه الفيدرالي اصلا، فهدف الاثنين بالمئة معرف رسميا على مقياس PCE، ووزن الرعاية الصحية ورسوم ادارة الاصول في سلته، وهي بنود تنتفخ كلما صعدت وول ستريت، جعله يصدر اسخن من شقيقه بثمانية اعشار النقطة بعدما كان تاريخيا ابرد منه. الحساب الناتج يحسم النقاش من جذره: فائدة اسمية عند 3.625% وتضخم مستهدف عند 3.3% يعنيان فائدة حقيقية بثلاثة اعشار النقطة. السياسة النقدية الاميركية، خلافا لما يوحي به الاعلام، ليست مشددة اصلا، ومن يطالب بالخفض يطالب ببساطة بنقود توسعية في السنة السادسة على التوالي من تضخم فوق الهدف.
أما سوق السندات. عائد سندات السنتين يتداول عند 4.24%، اعلى من سقف الفائدة الرسمية نفسه، اي ان المستثمرين يسعرون رفعا صافيا للسنتين المقبلتين بينما يتجادل المحللون حول الخفض. وعائد الثلاثين سنة فوق 5.19% بانحدار يقارب نقطة كاملة عن السنتين مع صعود الطرفين معا، وهذه التركيبة توقيع علاوة الاجل لا توقيع النمو: الدائنون يتقاضون ثمن مخاطر مالية عامة فقدت اخر تصنيف Aaa لها في ايار 2025، وتتوقع موديز ان تلتهم خدمة دينها 30% من الايرادات الفيدرالية بحلول 2035. على مخزون دين تجاوز 36 تريليون دولار، تكلف النقطة المئوية الواحدة 360 مليار دولار سنويا، اي ما يفوق الناتج السنوي لاي دولة عربية عدا ثلاث. في بيئة كهذه يقرا اي خفض هدية لخزينة الحكومة قبل ان يكون دعما للاقتصاد، ولذلك انتهت محاولة وزير الخزانة سكوت بيسنت كبح العوائد الطويلة اداريا الى حكم مبكر بالفشل من 77% من خبراء مسح سي ان بي سي المنشور عشية الندوة. اما الشاهد الاكثر دلالة فجاء من الذهب: غولدمان ساكس خفض هدفه لنهاية العام من 5400 دولار الى 4900 لسبب معلن وحيد هو شطبه اي خفض للفائدة من 2026، بينما اشترت البنوك المركزية 288.9 طنا في الربع الثاني بزيادة 62%، وحين تتحوط البنوك المركزية من الاصل الذي تخزن به ثرواتها فهي تقول عن الدولار ما لا تجرؤ بياناتها الرسمية على قوله.
والقيد على الفيدرالي لم يعد اميركيا محضا. ثلاث جبهات خارجية تضغط على الطرف الطويل من المنحنى في وقت واحد. الاولى ان شركات التقنية الكبرى، غوغل وامازون وميتا ومايكروسوفت واوراكل، اصدرت 194 مليار دولار من السندات هذا العام وحده لتمويل بناء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، بزيادة عن 108 مليارات في كل 2025، وتتوقع غولدمان ساكس ان يصل الرقم الى 250 مليارا اضافيا خلال العام، اي ان الخزانة الاميركية باتت تتنافس مع اضخم اصدارات الشركات في التاريخ على السيولة نفسها التي كانت تشتري سنداتها بلا منازع، وهذا ما يسميه بنك اوف اميركا اثرا مزاحما على الطلب على الطرف طويل الاجل. الثانية اوروبا، حيث يتداول العائد الفرنسي لعشر سنوات عند 4.08% وفارقه عن السند الالماني عند 83.6 نقطة اساس، اعلى مستوى منذ عودة الاضطراب السياسي الى باريس، ما يعني ان اميركا ليست الاقتصاد الوحيد الذي يدفع علاوة مخاطر مالية على دينه، بل ان الازمة نمط عالمي يرفع تكلفة الاقتراض الحكومي في كل مكان في وقت واحد. الثالثة اليابان والصين: بنك اليابان المركزي يرفع فائدته تدريجيا بعد سنوات من القمع، فيضيق الفارق مع الفائدة الاميركية ويهدد بانسحاب جزء من تريليون ونصف التريليون دولار من السندات الاميركية التي يحملها المستثمرون اليابانيون، اكبر دائن اجنبي لواشنطن، فيما خفضت الصين حيازتها الى 683 مليار دولار، الادنى منذ 2008. حين يضيق الفائض العالمي المتاح لتمويل الدين الاميركي من ثلاث جهات معا، يرتفع العائد الذي تطلبه واشنطن لبيع سنداتها بغض النظر عما يقرره الفيدرالي، ويصبح خفض الفائدة القصيرة اقل قدرة من اي وقت مضى على كبح كلفة الاقتراض الفعلية.
ماذا يعني ذلك عمليا؟ للاقتصاد الاميركي: عامان من نمو هش بلا ركود معلن، اسكان مجمد لان الرهون مرتبطة بالطرف الطويل العصي على الفيدرالي، واجر حقيقي يتاكل ما دام نمو الاجور عند 3.2% تحت تضخم 3.4%، من دون ان تظهر بطالة صريحة تبرر تغيير المسار، لان قوة العمل نفسها انكمشت باكثر من مليون شخص بفعل الترحيل، وهو ما يفسر لغز تقرير تموز حيث انخفضت البطالة الى 4.1% في شهر فقد فيه الاقتصاد 23 الف وظيفة. وللعالم: دولار مدعوم بفجوة فائدة واسعة حتى نهاية 2026، وسنة اضافية قاسية على الديون الناشئة والعملات المقابلة، وعلى الدول النامية التي ستجدد ديونها الدولارية باسعار لم تنخفض كما املت موازناتها، فيما تستورد اقتصادات الخليج تحديدا التثبيت نفسه عبر ربط عملاتها بالدولار، فتبقى الودائع رابحة والاقتراض التجاري ثقيلا، بتعويض جزئي من علاوة الحرب في اسعار النفط.
اما للمستثمر فالتوصية تتلخص في مبدا واحد: خذ العائد المرتفع اليوم بلا مخاطرة على المدة، ولا تراهن على تغير قريب. عمليا هذا يعني الاحتفاظ باذونات الخزانة الاميركية قصيرة الاجل، ثلاثة الى ستة اشهر، التي تدفع فوق 4% دون التعرض لتقلب الاسعار، وتجنب السندات الطويلة او صناديقها حتى لو بدت مغرية على الورق، لان من اشترى الثلاثين سنة عام 2024 رهانا على دورة تخفيضات خسر راس ماله مع صعود العائد لا مع هبوطه. في الاسهم، الافضلية للبنوك التي تربح من فارق الفائدة بين الاجلين، ولشركات الطاقة والقيمة القادرة على توليد نقد بلا اقتراض رخيص، مقابل الابتعاد عن العقار والشركات الناشئة غير الربحية التي تعيش على تمويل رخيص لم يعد متاحا. الذهب يبقى مكونا دفاعيا في المحفظة رغم خفض غولدمان ساكس لهدفه، لان المشتري الحقيقي، وهو البنوك المركزية، لم يغادر السوق بل زاد حضوره. والدولار يفضل على اليورو والين حتى نهاية العام على الاقل، رغم ان بنك اليابان قد يعيد بعض التوازن اذا واصل رفع فائدته. اما الخطر الوحيد الذي يستحق تحوطا فعليا فهو احتمال رفع الفائدة في ايلول، المسعر حاليا عند 40%، لانه سيضرب الاسهم والسندات الطويلة في وقت واحد، ومن يحمل مراكز حساسة للفائدة يفعل حسنا لو قلص حجمها قبل الاجتماع لا بعده.
ثلاثة مؤشرات فقط ستعلن انتهاء هذه المرحلة، ويحسن مراقبتها بدل مراقبة التصريحات: استقرار PCE الاساسي دون 2.5% لعدة اشهر، ونزول توقعات ميشيغان الطويلة نحو 3%، وانحسار علاوة الاجل باشارة انضباط مالي او نهاية للحرب مع ايران. عند اجتماعها ياتي الخفض الاول، المرجح في الربع الثاني من 2027، وسياتي تعديلا يحفظ ثبات الفائدة الحقيقية لا بداية نقود رخيصة. اما غدا، فسيقول وارش كلاما كثيرا او قليلا، لكن الجملة التي تنتظرها الاسواق منذ عامين لن تقال، لان درس المنصتين واضح لمن تابع الفصلين: البنك المركزي يعلن، وسوق السندات يقرر، ومن يبني محفظته على انتظار الاعلان يدفع الثمن لمن فهم القرار.

دكتور طارق عاشور

أستاذ زائر للاقتصاد في جامعة بيرزيت، وباحث اقتصادي في معهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي. متخصص في سياسات المالية العامة والاقتصاد الكلي، وله أبحاث منشورة تركز على تحليل التحديات الهيكلية للاقتصاد الفلسطيني، بما في ذلك السياسات المالية، وأسواق العمل، وأثر الاحتلال على الأداء الاقتصادي والتنمية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى