Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
منشورات وإصداراتمقالات

هل تحولت السندات السيادية من ملاذ آمن الى مصدر قلق

عائد السند الالماني لعشر سنوات عند 3.15 بالمئة، اعلى مستوى له منذ شهر ايار. عائد السند الامريكي لثلاثين عاما فوق 5 بالمئة لفترة ممتدة، عند مستوى يقترب من ارقام ما قبل الازمة المالية لعام 2008. الذهب عند 4050 دولارا تقريبا، بعد ان وصل الى رقم قياسي فوق 5589 دولارا قبل اشهر قليلة فقط. ثلاثة ارقام قد تبدو متفرقة، لكنها في الحقيقة وجه واحد لظاهرة واحدة: اسواق السندات السيادية العالمية تعيش منذ اسابيع حالة من عدم الاستقرار، ويرجح انها ليست موجة عابرة.
معظم الاقتصادات الكبرى اصبحت تدير عجوزات موازنة ضخمة، ولا تملك اي منها هامشا حقيقيا لتحمل كلفة اقتراض اعلى، في وقت كانت هذه الدول نفسها حتى سنوات قليلة مضت من اكبر المشترين لسندات الخزانة الامريكية باعتبارها الاصل الاكثر امانا في العالم.
هذه الدول اضحت اليوم في موقع المنافس لا الحليف. فكل حكومة تحتاج الى تمويل عجزها تطرح سندات جديدة في السوق نفسها وفي التوقيت نفسه تقريبا، وتتنافس على راس المال العالمي المتاح، وهو راس مال لم يعد يتوسع بالوتيرة التي كان عليها قبل الجائحة. تقرير حديث لوكالة بلومبرغ يشير الى ان مؤسسات مثل دويتشه بنك وباركليز وبنك اوف اميركا وفانغارد تجمع على ان الدين العام المرتفع واتساع العجوزات المالية وزيادة اصدارات السندات السيادية اصبحت من العوامل الضاغطة الرئيسية على السياسة النقدية في 2026، وانه لا افق قريبا لعودة اسعار الفائدة الى مستوياتها شديدة الانخفاض التي عرفها العالم قبل عام 2022.
في الوقت نفسه، ترتفع اسعار النفط والمعادن الثمينة معا، وهو نمط لا يتكرر كثيرا في الدورات الاقتصادية المعتادة. خام برنت يتداول حاليا في نطاق يتراوح بين 79 و86 دولارا للبرميل، بعدما تجاوز حاجز 86 دولارا للمرة الاولى منذ بداية هذا الشهر، فيما يستقر خام غرب تكساس الوسيط قرب 74 الى 80 دولارا. الدافع الرئيسي هو تجدد التوتر حول مضيق هرمز، سيتي غروب رفع توقعاته لسعر برنت في الربع الثالث الى 80 دولارا، في اشارة الى ان السوق لم تعد تتعامل مع الاضطراب باعتباره حالة استثنائية عابرة بل عاملا مرشحا للاستمرار.
اما الذهب الذي وصل بداية العام الحالي ل رقم قياسي عند 5589.38 دولارا للاونصة، ثم تراجع بشكل حاد خلال الربع الثاني، في اسوأ اداء فصلي له منذ 2013، ليستقر عند مستويات تقارب 4050 دولارا. الغريب هنا ان هذا التراجع في السعر لم يوقف البنوك المركزية عن الشراء، بل زاد من شهيتها. بيانات مجلس الذهب العالمي تظهر ان البنوك المركزية اشترت صافي 244 طنا في الربع الاول من 2026 بقيمة 37 مليار دولار، وهي اعلى قيمة فصلية مسجلة على الاطلاق، ثم اشترت 289 طنا في الربع الثاني، وهو اعلى رقم لربع ثان في تاريخ البيانات، بزيادة 62 بالمئة على اساس سنوي. بولندا كانت المشتري الاكبر بواقع 51 طنا في الربع الثاني وحده، لترفع احتياطياتها الى 632 طنا، مقتربة من هدفها المعلن عند 700 طن. الصين اضافت 33 طنا، وهي اكبر اضافة فصلية لها منذ اواخر 2023، لترفع احتياطياتها المعلنة الى 2346 طنا. اي ان البنوك المركزية اشترت اكثر خلال ربع شهد فيه الذهب اسوا اداء سعري منذ اكثر من عقد، وهذا وحده مؤشر على ان الدافع لم يعد المضاربة على السعر بل اعادة تقييم لما يعتبر اصلا امنا من الاساس.
توقعات المؤسسات الكبرى تعكس القناعة نفسها. جيه بي مورغان يرى ان الذهب قد يصل الى 6000 دولار للاونصة بنهاية العام، وستيت ستريت تضع احتمالا بنسبة 30 بالمئة لبلوغه 5000 دولار خلال 2026. دويتشه بنك يصف الصعود الحالي، المستمر منذ اغسطس 2024، بانه واحد من خمس موجات صعود فقط من هذا النوع شهدها السوق منذ 1975، وهو تصنيف نادر يضع الموجة الحالية في خانة التحولات الهيكلية لا التقلبات الموسمية.
ولتكتمل الصورة وبمراجعة السياسة النقدية، ابقى الاحتياطي الفيدرالي الامريكي على سعر الفائدة دون تغيير عند نطاق 3.5 الى 3.75 بالمئة للاجتماع الخامس على التوالي في حزيران الماضي، فيما لا تزال التوقعات تشير الى خفض واحد فقط للفائدة خلال 2026، لكن الاسواق باتت اكثر ميلا لتسعير خفض قريب، ليس لان التضخم انحسر، بل لان كلفة خدمة الدين المتصاعدة تضيق هامش المناورة امام ابقاء السياسة النقدية متشددة لفترة اطول.
واذا استمرت البنوك المركزية على وتيرة الشراء نفسها التي سجلتها في الربعين الاول والثاني من 2026، فان تجاوز الذهب حاجز 5000 دولار للاونصة قبل نهاية العام يصبح السيناريو الاقرب للتحقق لا الاستثناء، بينما يبقى هدف جيه بي مورغان عند 6000 دولار مرهونا بشرطين فقط: ان تواصل بولندا والصين وبقية البنوك المركزية الشراء دون تباطؤ، وان تبقى عجوزات الموازنات الكبرى دون اي خطوة جادة نحو الضبط المالي. والشرطان مرجحان اكثر من نقيضهما، فلا حكومة كبرى تلوح اليوم بخفض حقيقي للانفاق او رفع فعلي للضرائب يكفي لسد الفجوة.
وفي المقابل، ما دامت هذه العجوزات قائمة، فان الفارق بين عوائد السندات السيادية سيبقى مرشحا للاتساع لا للانكماش، والاحتياطي الفيدرالي، رغم توقعه المعلن بخفض واحد فقط خلال 2026، سيجد نفسه امام ضغط متصاعد لخفضها اكثر من مرة، ليس استجابة لتراجع التضخم بل استجابة لكلفة خدمة الدين ذاتها. عندها فقط يتضح ان تعريف الاصل الخالي من المخاطر، الذي بنيت عليه عقود من نظرية المحفظة الاستثمارية، لم يعد صالحا بالشكل الذي عرفناه، وان الذهب، لا السندات السيادية، هو من بات يحمل صفة الملاذ الآمن الفعلي.

دكتور طارق عاشور

أستاذ زائر للاقتصاد في جامعة بيرزيت، وباحث اقتصادي في معهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي. متخصص في سياسات المالية العامة والاقتصاد الكلي، وله أبحاث منشورة تركز على تحليل التحديات الهيكلية للاقتصاد الفلسطيني، بما في ذلك السياسات المالية، وأسواق العمل، وأثر الاحتلال على الأداء الاقتصادي والتنمية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى