Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
منشورات وإصداراتمقالات

هل فات الأوان لاستغلال ما تبقى من بروتوكول باريس؟

 

لم يعد السؤال اليوم: من فرض علينا التبعية؟ السؤال المؤلم بعد ثلاثة عقود على بروتوكول باريس: لماذا أصررنا نحن الفلسطينيين على البقاء في قلب هذه التبعية؟ الحقيقة الموجعة أننا لم نستغل الفرص المتاحة، لا بسبب قهر الاحتلال وحده، بل لأننا راهنا على سهولة التوريد من إسرائيل بدلاً من تحمل أعباء بناء بدائل وطنية. بهذا الأداء، حوّلنا الاتفاقية الانتقالية إلى سجن دائم، صنعنا قضبانه بأيدينا قبل أن تصنعها إسرائيل.

ملف الطاقة هو أكبر مثال على القيد الذي ارتضيناه لأنفسنا. لم يمنعنا البروتوكول من استيراد النفط من مصر أو الأردن، ولم يفرض علينا شركة إسرائيلية واحدة، لكنه فرض شرطين تقنيين: تلوين الوقود لمنع التهريب، وربط السعر الفلسطيني بالسعر الإسرائيلي خوفاً من تسرب الوقود الرخيص إلى الداخل (تخيلوا كم كنا متفائلين). ورغم إمكانية تجاوز هذين الشرطين، فضلت حكوماتنا المتعاقبة شراء المشتقات من “دور آلون” بسعر أعلى بكثير، بحجة تعقيدات فتح الاعتماد المستندي مع الخارج. بهذه العقلية، ضيعنا فرصة بناء خزانات استراتيجية وسلاسل توريد مرنة، وأصبحنا ندفع فاتورة وقود تقترب من مليار دولار سنوياً كان يمكن خفضها بنسبة كبيرة لو تنوعت مصادرنا.

قصة الإسمنت لا تقل إخفاقاً. القائمة “A1” التي أقرها البروتوكول سمحت لنا باستيراد الإسمنت من الأسواق العربية مباشرة، مع إعفاء جمركي لبعض الكميات. لكننا فضلنا شراء طن الإسمنت من مصانع “نيشر” و”رامي” الإسرائيلية بسعر المستهلك الإسرائيلي، بينما كان متاحاً من مصر والأردن بأكثر من نصف السعر، الأمر الذي كلفنا ملايين الدولارات سنوياً كانت ستذهب لمشاريع البنية التحتية لا لجيوب المصانع الإسرائيلية.

لم تختلف التجارة الخارجية عن نهج استسهال الطريق. أرقام الإحصاء المركزي مؤلمة: 93% من صادراتنا تذهب لإسرائيل، وأكثر من 64% من وارداتنا تأتي منها. هذا الرقم ليس قدراً محتوماً، بل هو نتاج غياب ممرات تجارية عربية ومحطات فرز. نحن من أهمل معبر الكرامة وأبقيناه نافذة ضيقة، ولم نحاول استثمار رأس المال الفلسطيني المغترب بشراكة استراتيجية مع صندوق الاستثمار الفلسطيني والقطاع الخاص.

أما نظام المقاصة، فهو مرآتنا الحقيقية، الذي تحول إلى سلاح ابتزاز إسرائيلي وصل حد المصادرة الكاملة. والسؤال الذي يخجل أي اقتصادي فلسطيني عند طرحه: لماذا لم نبني، ولا خلال ثلاثة عقود، نظام جباية موازياً على معبر الكرامة أو معبر رفح؟ وكأننا آثرنا الراحة على الاستقلال المالي.

والأدهى أننا تهاوننا في حقوقنا بثروات البحر الميت ومياه طبريا وغاز غزة والجولان الفلسطيني، وتسرعنا في التوقيع على اتفاقيات منحت إسرائيل شرعية السطو عليها. وحتى صندوق الاستثمار الفلسطيني، الذراع الاستثماري الرسمي، أضاع فرصاً ضائعة في استثمارات داخلية غير مؤثرة وفعاليات ثقافية، متناسين أن مهمته الأساسية توفير إيرادات سيادية خارجية بمنأى عن قبضة الاحتلال.

اليوم، بعد كل هذه الفرص الضائعة، يبقى السؤال الأهم: هل فات الأوان؟ الجواب: ليس تماماً. لا يزال البروتوكول يمنحنا هامشاً ولو صغيراً يمكن استغلاله: بدء محاولة استيراد النفط والغاز عبر اتفاقيات ثنائية مع مصر والأردن، وتفعيل المناطق الصناعية المؤهلة، وشن حملة دبلوماسية صاخبة لا خجولة لوقف سرقة المقاصة. الفرصة الضائعة لا تعود مرتين، وما تبقى من هامش في باريس لا يكفي لإنقاذ اقتصاد يئن تحت وطأة تبعية عمرها ثلاثة عقود، لكن ربما يكفي ليمنحنا نفساً إضافياً نعيد فيه ترتيب أوراقنا قبل أن تطوى صفحتنا من محتل يصرح علناً أنه يسعى لإلغاء كياننا الفلسطيني.

دكتور طارق عاشور

أستاذ زائر للاقتصاد في جامعة بيرزيت، وباحث اقتصادي في معهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي. متخصص في سياسات المالية العامة والاقتصاد الكلي، وله أبحاث منشورة تركز على تحليل التحديات الهيكلية للاقتصاد الفلسطيني، بما في ذلك السياسات المالية، وأسواق العمل، وأثر الاحتلال على الأداء الاقتصادي والتنمية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى